رغم الجراح...الأمة لم ولن تموت ... د. زياد الشامي

المشهد شديد القتامة بالفعل والموقف العربي والإسلامي إزاء ما يجري في الغوطة الشرقية بريف دمشق من مجازر لا يمكن وصفه بالضعف والوهن والعجز فحسب , وتمالؤ أعداء الأمة وتكالبها على أهل الشام والغوطة تحديدا غير مسبوق , والحملة الشرسة على من تبقى من الثائرين على طاغية الشام في فسطاط المسلمين لا يمكن وصف بشاعته وهمجيته بكلمات ولا حتى بكتاب . 

إزاء هذا الوضع الصعب والابتلاء المزلزل والامتحان القاسي قد ينزلق بعض المسلمين إلى اليأس والقنوط , وقد تنتابهم مشاعر الإحباط من إمكانية قيامة الأمة من جديد أو استيقاظها من غفوتها وصحوتها من سباتها الطويل أو حتى بقائها على قيد الحياة بعد كل هذه السقطات والنكسات .

 

قد تخبو جذوة الأمل في نفوس كثير من المسلمين إزاء المأساة المستمرة في الغوطة الشرقية , وقد يصيبهم القنوط من إمكانية استمرار صمودها أمام أعدائها بعد كل هذا القصف الوحشي , فتتراجع تدريجيا الدعوات الصادقة لهم بالثبات والنصر , ويتسلل الشيطان شيئا فشيئا إلى القلوب لبث اليأس فيها وتشكيكها بأثر الدعاء الصادق مع الإلحاح فيه على إحداث التغيير المنشود , وتتهيأ النفوس شيئا فشيئا لتلقي نبأ السقوط والهزيمة – لا قدر الله - .

 

نعم ....لا جدال في أن الوضع في الغوطة الشرقية صعب للغاية ولا نقاش في أن الأمة في حال يرثى له من التفرق والتشرذم والضعف والهوان والخوار....إلا أن ذلك لا يعني بحال من الأحوال الانحدار إلى هاوية اليأس والانجرار إلى مستنقع الهزيمة النفسية والاستسلام والظن بأن الأمة قد ماتت وانتهت إلى غير رجعة .

 

الأمة الإسلامية قد تمرض وتصيبها الأدواء , وقد تمر بمرحلة ضعف تطول أو تقصر , وقد يتسلط عليها أعداؤها فيسومونها سوء العذاب , وقد تبدو من شدة الاستهداف هادمة ساكنة لا حراك فيها حتى يظن أعداؤها أنها قد ماتت وفارقت الحياة , إلا أن قوة كامنة قد أودعها الله تعالى فيها تحول بينها وبين الموت ومنحة اختصها الله تعالى بها عن سائر الأمم تحميها من الاستئصال .

 

جاء في الحديث عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ) صحيح مسلم برقم/2889

 

إن مجرد صمود ثوار الغوطة وأهلها أمام تكالب دول العالم على هذه البقعة المباركة من أرض الشام , وقدرتهم على إفشال محاولات تحالف جيوش دول يمتلك بعضها أكبر ترسانة عسكرية نووية من التقدم في الغوطة حتى الآن هو في حد ذاته انتصار .

 

وفي هذا السياق يمكن اعتبار ما تداوله ناشطون وتناقلته صفحات موالية للنظام النصيري من صور للضباط الذين قتلوا خلال محاولة قوات الطاغية وميليشياته اقتحام الغوطة الشرقية أمس الأحد من عدة محاور....إحدى علامات استمرار نبض قلب الأمة وبقائها على قيد الحياة .

 

فقد نشرت صفحات موالية للطاغية صورا لما قالت : إنه قائد حملة اقتحام ‎الغوطة الشرقية العميد (محمد محمود علي)، وهو قائد فوج المهام الخاصة في الحرس الجمهوري، ويلقب بـ "أسد الغوطة"، الذي قتل خلال المعارك على محور الزريقية في الغوطة الشرقية.

كما نشرت صفحات موالية أخرى صورا لـ قائد مجموعات "درع قمحانة -مجموعات النبهان" العميد (أحمد النبهان) الملقب بـ (شبل النمر)، والذي قتل خلال المعارك في الغوطة الشرقية أيضا , ناهيك عن صور مقتل أحد قادة مليشيا "النمر" (سهيل الحسن) (أحمد فيصل) على يد ثوار الغوطة الشرقية من دون معرفة رتبته العسكرية .

  

قائمة قتلى النظام النصيري ضمت أيضا الملازم أول (وئام المحمود) من مرتبات الحرس الجمهوري أثناء المعارك في الغوطة الشرقية أمس , كما نعت صفحات النظام  (محمد علي سليمان) من مرتبات الفرقة الرابعة التابعة للحرس الجمهوري وهو من حي الزهراء بحمص .

 

جيش الإسلام أعلن بدوره أن حصيلة خسائر ميليشيات النظام يوم  الأحد الماضي على الجبهات الشرقية أكثر من 70 قتيلاً للعناصر المقتحمة بينهم قائد الحملة برتبة عميد ركن، وأسر 14 عنصراً من قوات الحرس الجمهوري وغيره، إضافة إلى اغتنام دبابة طراز T72، وتدمير العربة الجسرية MT55 ودبابة طراز T72 .

 

إن بث الأمل في النفوس وتثبيت اليقين بالله وتعزيز الثقة به سبحانه وبصدق وعده لهذه الأمة واستحالة تخلف ذلك الوعد بحال من الأحوال ....هو ما ينبغي ترسيخه في نفوس المسلمين في هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها أمتنا .