العراق بين المستحيل والممكن ... د. أيمن العاني

  • مقالات
  • 915 قراءة
  • 0 تعليق
  • الإثنين 19-02-2018 12:45 مساء

هناك فرق كبير بين مفهومي الدولة والحكومة، وفي العراق اليوم يمكن أن تكون هناك حكومة إلا أنه من المستحيل أن توصف الحالة السياسية التي يعيشها البلد بـ(الدولة)؛ وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان، علمًا أنه من الثابت أن الحكومات المتعاقبة في بغداد -منذ 2003- حكومات فاشلة، احتلت البلاد في ظلها المراكز الأولى عالميًا في الفساد وفي اللوائح السوداء الدولية وقوائم العار الأممية، وأُدرج العراق بين البلدان الأكثر تنفيذًا لأحكام الإعدام الجائرة، وعُدّ البلد من أسوأ بقاع العالم بالنسبة للعلماء والأكفاء والمفكرين والمبدعين وكذلك للمرأة والطفل وللصحفيين والإعلاميين والمثقفين وللفئات المجتمعية الأخرى، والأدهى من ذلك هو أن السفاح في العراق الجديد بات رمزًا، والقاضي أصبح خصمًا، والمليشيات صارت جيشًا، والتافه أضحى متكلمًا في أمور الناس، وهذا إرث الاحتلال البغيض الذي لا يزال جاثمًا على صدور العراقيين الشرفاء.

لذا ففي النظر بأسباب سقوط الحكومات وزوالها؛ فإننا نجد أن جل مسببات السقوط تلف حالة الحكم في العراق اليوم، متمثلة باستمرار حالة الفوضى العاصفة في البلاد التي أتت على مؤسسات الدولة وأركانها، وما رافقها من غياب العدالة وتدمير البنية التحتية المدنية وتردي مستوى التعليم على وجه الخصوص، وفقدان الاستقرار السياسي والأمني وشيوع القتل والخطف والابتزاز وانتشار الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر ورواج تجارة المخدرات وتفشي الأمراض واستشراء الفساد بكافة أنواعه، وارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى معدلات صادمة في بلد يمتلك ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم، وأحد أكبر المنتجين في منظمة أوبك؛ الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي للفرد العراقي، ناهيك عن الحروب المفتعلة بخلفيات طائفية ودوافع انتقامية وما رافقها من أزمات النزوح ومآسٍ وتفكك اجتماعي وأُسَري بالتسبب.

إن من المستحيل بقاء الوضع الراهن، الذي يعد الداعم الخارجي العامل الوحيد لاستمراريته بشكل صوري، أما تصدر الميليشيات التي لا تدين بولاء للعراق وهيمنتها على المشهد العسكري والسياسي في البلاد فإن طغيانها هو أول مراحل سقوط الحالة السياسية؛ فالقوة الظالمة لا بقاء لها، لا سيما وأنه بدون بنية تحتية حقيقية لا يمكن تحقيق إصلاح سياسي في أي مكان في العالم، وإن اعتماد سياسة افتعال الأزمات من قبل الحكومات التابعة لإيران تنفيذًا لمخططات طهران التوسعية العابرة للحدود العراق، خير دليل على أن الحالة القائمة هي طارئة وليست دائمة.

وعلى الرغم من مصادرة قرار الشعب واستغلال حالة الخوف من الطائفة الأخرى التي لعب عليها المحتل وأذنابه لتأجيج الاستقطاب الطائفي المقيت الذي يمثل السلاح الوحيد بيد الفارغين سياسيًّا وثقافيًّا، وغياب البرنامج الوطني المستوعب لمكونات المجتمع العراقي، وحالة السماح للتدخلات الخارجية السلبية التي تكرس حالة التدهور المستمر، فإن الفراغ السياسي والأمني الكبيرين والملحوظين، والتعطش الشعبي للقائد القدوة في النزاهة والحياد والاستقلالية، والمسؤول الوطني الحق المحافظ على السيادة، الغيور على ثروات البلاد ومقدراتها؛ يجعل من الممكن اليوم -وفقًا لما تقدم- إحداث التغيير الجذري المطلوب بعيدا عن منظومة الأحزاب المتنفذة المشاركة في السلطة والمرتبطة بالاحتلال وعمليته السياسية المسخ، من أجل انتشال العراق الجريح ومساعدته لاستعادة وضعه الطبيعي في كونه عامل استقرار لا غنى عنه عربيًا وإقليميًا، وهذا ما أثبتته الوقائع وصدقته الأحداث.