تقرير: (تجدد فظائع الميليشيات في العراق.. حالة كركوك وجوارها)

في تطور لافت للأحداث وتصاعد جديد للتوترات الطائفية والعرقية؛ تنامت خلال الاسابع الماضية التهديدات الميليشياوية وفضائعها المحروسة بعين الحكومة في بغداد والمدعومة إيرانيًا، ولاسيما بعد موضوع الاستفتاء في كردستان وتداعياته الخطيرة.

وقد أصبح العراق إبان الاحتلال دولة ميليشيات تمارس فيها أبشع الفظائع والانتهاكات بحق المدنيين العزل باسم الحرية والديمقراطية، وبعد دمج الميليشيات بالجيش والشرطة، وتحول قوات الاحتلال الأمريكي إلى قوة جوية لخدمة الميليشيات الطائفية في العراق، واعتراف الجنرال (ديفيد بترايوس)، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، وصاحب (تكتيكات مكافحة التمرد) في العراق؛ بأن الميليشيات المدعومة من إيران، أصبحت هي القوة الأكبر في البلاد وانتشرت الانتهاكات ضد المدنيين دون حساب أو عقاب.
وقال المحلل الأميركي (كينيث بولاك): ((إن الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران تسيطر على قوات الأمن المختلفة في العراق، ولكن الحكومة في بغداد لا ترغب في الاعتراف بذلك، وغالبًا ما شكلت تلك الميليشيات العمود الفقري في هجمات القوات الحكومية النظامية في محافظات: الأنبار ونينوى وصلاح الدين)). وأضاف (بولاك): ((إن سكان تلك المحافظات يشعرون بالرعب إزاء التقارير التي تفيد بأن القوات والميليشيات الحكومية تقوم بعمليات تطهير عرقي وحشية في المناطق المستعادة، فضلًا عن ضلوع تلك القوات بفظائع ضد العراقيين طوال السنوات الأربع عشرة الماضية. وقد تم توثيق حالات وقضايا كثيرة قُتل فيها مئات المدنيين العزل برصاص الميليشيات الشيعية في قرى ومدن عراقية متعددة بمحافظات: بغداد وبابل وديالى والأنبار وصلاح الدين ونينوى وغيرها)).
ويحفل سجل مليشيات (الحشد الشعبي) في العراق بانتهاكات ترقى إلى جرائم تطهير عرقي بحق (العرب السُنّة) و(الكُرد) في المدن التي تمت استعادة السيطرة عليها من تنظيم الدولة (داعش)، وذلك بحسب منظمات حقوقية محلية ودولية في مقدمتها الأمم المتحدة، التي طالما اتهمت ميليشيا الحشد بارتكاب جرائم عدة على خلفية طائفية ضد المدنيين خلال المدة ما بين 2014 و2017، تنوعت بين: التعذيب والإخفاء القسري وقتل مدنيين وأسرى تحت التعذيب، ناهيك عن عمليات نهب المدن والبلدات قبل حرق ونسف آلاف المنازل والمحال بها. ولم تسلم حتى المساجد من التدمير والحرق على أيدي ميليشيا الحشد، فضلًا عن تدمير قرى بالكامل، ومنع النازحين من العودة إلى مدنهم وقراهم بهدف تغيير التركيبة السكانية لتلك المدن.
ويعود تاريخ ولادة بعض المليشيات إلى ما قبل الغزو الأميركي للعراق في 2003، بينما وفر الاحتلال الظروف المناسبة لولادة بعضها الآخر، وجميعها مرتبطة بالأحزاب المتنفذة، ومعظمها تتلقى الدعم من إيران. وقد أدت الهجمات الأخيرة لتلك الميليشيات في شمال العراق إلى تجدد الفظائع وجرائم القتل الجماعي والاحتجاز التعسفي وعمليات الاختطاف والتعذيب الوحشي الموجهة ضد أبناء تلك المناطق، الذين فرّوا من القرى والمدن المستهدفة بأعداد كبيرة؛ حيث شكلًت تلك الهجمات، التي دعمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما بحماسة، عقابًا جماعيًا جديدًا للمواطنين الذين يعيشون في مناطق واسعة في شمال العراق وغربه وشرقه، على الرغم من التقارير التي أكدت أن الغالبية الساحقة من السكان الذين اضطروا إلى البقاء داخل المدن المحاصرة من قبل الميليشيات الطائفية كانوا من الذين لا يستطيعون تحمّل تكاليف الفرار حيث كانوا من فئات المجتمع الضعيفة الأشد فقرًا.

وقد أظهرت النتائج أن الهدف من تلك الهجمات كان تدمير المدن وقتل أو تهجير أهلها والاستفادة من الانتكاسات الأخيرة، التي عانى منها ساكنوا تلك المدن، وفتح الطريق لإعادة ترتيب التركيبة الديموغرافية في محافظات عراقية شمال البلاد وغربها وشرقها في نهاية المطاف. وقد حذر محللون غربيون من أن تصدر الميليشيات الطائفية زمام المبادرة في الحرب ضد تنظيم الدولة (داعش)؛ سيؤدي على نحو متزايد إلى هيمنة تلك الميليشيات التي تدعمها إيران على الساحة العسكرية في العراق؛ الأمر الذي سيتسبب في زيادة تعزيز قبضة إيران على الحكومة في العراق في الوقت الذي تبدو فيه طهران مستعدة لتحقيق انفراجة استراتيجية من خلال عقد الاتفاق النووي مع الغرب. 


الميليشيات تقتل المدنيين في العراق
قالت منظمة (هيومن رايتس ووتش) في 20/10/2017، إن المواجهات التي حصلت في 16 أكتوبر/تشرين الأول الماضي في قضاء (طوز خورماتو) المتعددة العرقيات قرب كركوك بين قوات البشمركة التابعة لحكومة كردستان وقوات تابعة للحكومة في بغداد، تسبب في مقتل 5 مدنيين على الأقل وجرح ما يقرب من 51 آخرين. وسمحت القوات الحكومية التي سيطرت على قضاء الطوز في وقت لاحق للمدنيين بنهب ممتلكات المواطنين دون عوائق طوال ثلاثة أيام على الأقل قبل التدخل. 
وقالت المنظمة إن على القوات الحكومية وقوات البشمركة اتخاذ جميع الخطوات الممكنة لتقليل الخسائر بين صفوف المدنيين ومنع أعمال النهب. ونقلت المنظمة أيضًا عن أربعة من سكان (طوزخرماتو): أن الاشتباكات كانت عنيفة في الأحياء التركمانية؛ لقربها من المنشآت العسكرية والأمنية التابعة لقوات الحشد الشعبي وقوات كردستان. وقال عاملا إغاثة تعمل منظمتهما في مخيمات للعائلات النازحة في كركوك: إن اقتتالا جرى أيضا قرب مخيم (ليلان 2) على بعد (15) كيلومترا جنوب شرق كركوك، وأسفر عن مقتل أو إصابة 2 من سكان المخيم. ولم تتمكن (هيومن رايتس ووتش) من الحصول على عدد محدد للضحايا المدنيين في مناطق أخرى في كركوك وما حولها. وذكر جو ستورك، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في (هيومن رايتس ووتش): أنه على القوات الحكومية في العراق حل الأزمة الحالية بطرق تحترم حقوق الإنسان بالكامل، وتجنب إيذاء المدنيين أو ممتلكاتهم.

إجبار آلاف العائلات على الفرار

قالت مصادر محليّة: إن ميليشيا (العصائب) هجّرت خلال يومي (12_13) تشرين الأول الماضي؛ سبعين عائلة كرديّة من قضاء (طوز خورماتو) بمحافظة صلاح الدين؛ تحت تهديد السلاح، في وقت شهد فيه القضاء توترًا متصاعدًا إثر مناوشات وقعت بين ميليشيات (الحشد) والبشمركة، تلا ذلك نزوح عشرات العائلات من القضاء؛ بالتزامن مع قيام ميليشيات (الحشد) بحرق مقار عسكرية وتأزم الأوضاع الأمنية في كركوك، وسعي القوّات الحكومية للسيطرة على حقول النفط، واستنفار القوات الكردية جراء ذلك.
وقالت منظمة العفو الدولية في 24/10/2017: هناك أدلة جديدة على إجبار عشرات الآلاف على الفرار من قضاء (طوزخورماتو) وسط هجمات عشوائية وعمليات نهب وسلب وإحراق للمنازل، وقد قام فريق تابع للمنظمة بتحليل صور للأقمار الصناعية وأشرطة فيديو وصور فوتوغرافية وعشرات الإفادات استهدفت عمليات النهب والسلب وإحراق البيوت وهدمها المناطق ذات الأغلبية الكردية ، التي جمعتها المنظمة، والتي أظهرت أن المدنيين أُجبروا على الفرار من بيوتهم عقب اندلاع اشتباكات شرسة بين قوات الحكومة في بغداد، مدعومة من ميليشيات (الحشد الشعبي)، وبين قوات (البيشمركة) الكردية في المدينة، في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2017. 
ووثّقت المنظمة مقتل ما لا يقل عن 11 مدنياً جراء الهجمات العشوائية من قبل الميليشيات الموالية للحكومة في بغداد، وفقًا لشهادات سكان محليين في المدينة، بينما نُهبت مئات العقارات وأضرمت النار فيها وتم تدميرها، فيما يبدو هجمات موجهة ضد المناطق ذات الأغلبية الكردية في المدينة. وفي هذا السياق، قالت (لين معلوف)، مديرة البحوث للشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية: إن حياة أعداد لا تحصى من الرجال والنساء والأطفال قد دُمرت في (طوز خورماتو) خلال ساعات. وقد فقد الآلاف منازلهم وحوانيتهم، وكل ما يملكون. وهم الآن مشتتون في المخيمات والقرى والمدن القريبة، حائرين فيما إذا كانوا سيتمكنون من العودة إلى ديارهم.

من جانبه؛ قال مصدر من مكتب حقوق الإنسان في قضاء (چمچمال) التابع لمحافظة السليمانية: إن نحو (5000) أسرة، أي حوالي (25000) شخص، وصلوا إلى القضاء في يوم واحد قادمين من مدينة كركوك وقضاء الطوز؛ خوفًا من بطش قوات جيش حكومة بغداد والميليشيات الموالية لها يوم الاثنين 16/10/2017. وذكر المكتب أن معظم الذين فرّوا من الأطفال. وقال المكتب: إن النازحين من كركوك بدأوا بالعودة إلى المدينة بعد مرور أيام قليلة على تركها؛ ولكن سيكون من الصعب على النازحين من قضاء الطوز العودة حيث أن المنطقة مازالت غير مستقرة، فضلًا عن حجم الدمار الذي لحق بمنازل المواطنين الأكراد هناك.

المهجّرون يخشون العودة إلى ديارهم
جرت أعمال واسعة لإحراق البيوت ونهبها وهدمها، وقال أحد الذين اضطروا إلى النزوح: لا أستطيع وصف ما رأيت، فهناك دمار هائل ولا تستطيع تخيّل أن هذه كانت المدينة التي كنت تعيش فيها. ووصف أشخاص بقوا في المدينة، وكذلك آخرون فرّوا منها ثم حاولوا العودة إليها، كيف أن قوات الحكومة في بغداد، وكذلك ميليشيا (الحشد الشعبي)، ومقاتلين من التركمان، شاركوا جميعاً في عمليات واسعة النطاق لإحراق بيوت المدنيين ونهبها وهدمها.
وذكر من عادوا لفترة وجيزة إلى المدينة أنهم رأوا أضراراً بالغة لحقت بالبيوت في: حي الجمهورية وحي جميلة، اللذين تقطنهما أغلبية كردية. وتحققت منظمة (العفو الدولية) من الصور الفوتوغرافية وأشرطة الفيديو التي تلقتها من الشهود، وهي تظهر ما لحق ببيوت المدنيين وممتلكاتهم في (طوز خورماتو) من أضرار، ناهيك عن عمليات نهبها وإضرام النار فيها. 
ووفقًا لما قاله المواطن (سرهنك)، الذي بقي في حي الجمهورية حتى الساعة 6 من مساء 16 أكتوبر/تشرين الأول الماضي: فإنه كان هناك أكثر من 100 شخص يطوفون الحي على ظهر الدراجات النارية، وكانوا يدخلون البيوت الواحد تلو الآخر، ويأخذون كل غالٍ ونفيس، ثم كانوا يشعلون النار في بطانية ويلقونها داخل البيت؛ لتضطرم النار بعد ذلك؛ فيشتعل البيت كله، ويتركونه يحترق. وقد شاهد شاحنات كبيرة وصغيرة يقودها عناصر من الحشد الشعبي من التركمان، كانوا يأخذون الأغراض والثلاجات والطباخات وكل ما استطاعوا حمله.

سيتركون ممتلكاتهم ويرحلون في نهاية المطاف

وتحدث سكان محليون في المدينة كذلك عن تاريخ الاشتباكات والهجمات الانتقامية بين عدد من الأهالي في (طوز خورماتو)، التي كانت تخضع للسيطرة المشتركة لقوات البشمركة وميليشيا الحشد وقوات الشرطة المحلية، إلى أن سيطرت عليها القوات الحكومية، بتأريخ 16 تشرين الأول. ويتألف سكان المدينة، الذين يزيد عددهم على (100.000) نسمة، من عرقيات متعددة تشمل الأكراد والتركمان والعرب. وقد شهدت المدينة أشكالاً من الاشتباكات المتفرقة والعنف منذ 2003. ووقعت آخر هذه الاشتباكات في كانون الثاني 2016، عندما قامت قوات البشمركة الكردية، وأعضاء في الميليشيات التركمانية الطائفية الشيعية، بقتل مدنيين وجرح آخرين أو اختطافهم، وبتدمير مئات المنازل والحوانيت.

الميليشيات تحوّل كركوك إلى جحيم

بعد دخول ميليشيا الحشد كركوك فُقد الأمن وشاعت الفوضى المدينة وانتشرت عمليات الخطف والقتل في المدينة؛ ففي 5 تشرين الثاني الجاري، وقع انفجاران في كركوك، أديا إلى مقتل 5 أشخاص على الأقل، وإصابة أكثر من 20 شخصاً آخرين. في حين قُتل أكثر من عشرين شخصًا وأُصيب 51 آخرون في انفجار ضرب يوم 21/11/2017، سوقًا شعبية لبيع الخضار والفاكهة في حي الجمهورية وسط قضاء (طوز خورماتو) جنوب كركوك؛ ولم تُعلن أي جماعةٍ مسؤوليتها عن الهجومين. وبحسب ما جاء في تحليلٍ لمعهد (دراسات الحرب الأميركي) الذي يختص بالسياسات العامة: سيستغل وكلاء إيران أدوارهم في كركوك سياسياً وعسكرياً، ومن المحتمل أن تُسيطر أو تتنافس قواتهم مع الحكومة، للسيطرة على البنية التحتية العسكرية والمنشآت النفطية في كركوك.
وما تزال أعلام وحدات الحشد الشعبي وراياته الدينية ترفرف على نقاط التفتيش في كركوك، وتظهر في المدينة أكثر من قبل فضلًا عن تعليقها على معظم أعمدة الإنارة في الشوارع.

الولايات المتحدة تواصل دعم الميليشيات في العراق
في مؤشر جديد على دعم الولايات المتحدة الأمريكية للميليشيات الطائفية في العراق؛ قال تقرير حديث نشرته صحيفة (واشنطن فري بيكون) ، وقدمه (آدم كريدو)، الكاتب والباحث في السياسة الخارجية والأمن القومي الأمريكي: ((بدأ كبار المشرعين وغيرهم في تقديم أدلة تثبت أن وزارة الخارجية الأمريكية تواصل تقديم دعم واسع للميليشيات المدعومة من إيران في العراق، ضمن برنامج بدأ لأول مرة في عهد أوباما)).
وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض للصحيفة: ((لقد رأينا بعض الأسلحة والمعدات العسكرية الأميركية الصنع تديرها ميليشيات طائفية في العراق، لم تكن في قائمة المستخدمين النهائيين المعتمدين لتلك المعدات والأسلحة وفقًا لعقود بيع السلاح المبرمة بين واشنطن وبغداد)).
ونقلت الصحيفة عن عضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب (رون ديسانتيس) قوله: ((إن الكونغرس يحتاج الآن إلى الحصول على الحقائق حول وزارة الخارجية الأمريكية وعلاقتها مع هذه الجهات الشائنة)). ويقصد بها الميليشيات الطائفية المدعومة من إيران في العراق.

قسم حقوق الإنسان
9/ربيع الأول/1439هـ
27/11/2017م