المختصر المفيد في القديم والجديد ... فاتح عبد السلام

 من الصعب أن يقتنع أحد، وأنا منهم ، بأنّ التأخير في محاربة الفساد وملاحقة سّراق المال العام أمر مبرر في العراق ، بسبب الحرب على داعش أو سوى ذلك من التأويلات والترويجات والتخريجات.

 لا يمكن أن يخرج أمر تأخير مكافحة الفساد العظيم في العراق عن مجالين : المجال الأول ،الخوف من الحاضنة السياسية التي انتجت رئاسة الحكومة ، كون التلوث فيها في أعلى مستوياته ، ولا مجال لملاحقة الفساد في هذه المنطقة لأنّ ذلك يعني نسف كل البنيان القائم فوقها، وأنّ بقاءه يأتي من باب الحفاظ على النفس والأولويات السياسية الداخلية ، حتى لو كان البنيان القائم فاسداً، وهو كذلك حتماً .وإلاّ ما معنى أن يتحدثوا عن فساد مستشر، ويتحرك في حرية بين أروقة الحكم وغرفه المفتوحة والمغلقة؟.

 أكان فساداً بين الفقراء والجائعين والمعوزين والمظلومين مثلاً؟.  ويرتبط بهذا المجال نطاقان حيويان أيضاً. الأول ،الرضا والسخط الايراني  الانتقائي . والآخر، التوافقات الداخلية مع مكملات مشهد العملية السياسية وما يتصل بها هنا من سخط ورضا تركي، وهو انتقائي أيضاً.

 وأيّ تحرك يمس هذه الثوابت المفروضة على العراق  لن يكتب له النجاح ، وليس متاحاً أصلاً حتى هذه اللحظة، والمجال الثاني ، هو أنّ الإطار الدولي، لاسيما الأمريكي ، غير مهيأ لفتح صفحة محاربة الفساد بالشكل الحقيقي، وجعل القانون في الحق العام والحقوق الخاصة أعلى من سواه.

 ويبدو أنّ هذه الصفحة مرتبطة بمرحلة الانتظارات المتتالية التي يعيشها العراق في طريق تقرير مصيره، ماعدا ذلك، مسموح الكلام أوالتصريحات أوالألعاب البهلوانية السياسية التي تجعل من مادة الفساد ونهب ثروت جيل حالي وجيل مقبل أدوات اللعب والاستعراض سواء قبل الانتخابات أو بعدها، في هذا المعنى يجب أن يفهم العراقي معنى السيادة ووحدة أراضي البلد والتمسك بالاستقرار والأمن.

 إنّ التأخير أو بحسب التعبير الملطّف، التريث في مكافحة الفاسدين واسترداد أموال جيلين من أيدي اللصوص، هو نوع خطير من الفساد، وبرغم الصورة (السوداوية) التي عرضتها هنا، وهي ليست من عندياتي بالضرورة، وإنّما من عند المعطيات التي يفرزها البلد اليوم، وما يحيط به من معلومات قد لا تتاح  في مجالاته الداخلية، أقول إنّ مجال الأمل أكبر من ذلك كله، وإنّ ساعة الحقيقة حين تدق، وهو أمر حتمي آت، قربَ أو بعدَ، سينفضّ المنتفعون الصغار عن السّراق الكبار في لمح البصر، ويومئذ يقول الفاسدون يا ليتنا كنّا تراباً .