خاتون بغداد في "رواية" ... وليد الزبيدي

فرحت لفوز الكاتب العراقي الدكتور شاكر نوري في مسابقة كتارا للرواية العربية بالجائزة الأولى، إذ يشعر المرء أن المبدع العراقي لم يتأثر سلبا بهكذا كم هائل من الإحباط والمرارة والغبار الذي يلف حياة العراقيين، والسبب الآخر لفرحي أن المؤلف لم ينسَق وراء السراب القاتم والكالح الذي بذره الاحتلال في بلده العراق، وللأسف الشديد نجد ثمة من هرول وراء سراب مشاريع المحتل.

 وبهذه المناسبة أود الإشارة إلى أن البعض قد يتصور أن الكثير من المثقفين والكتّاب والشعراء في العراق قد التهمتهم نوافذ الغزو وملاذاته، إلا أن الواقع يقول خلاف ذلك، وخير مثال على ما نقول فوز رواية الدكتور شاكر نوري، إضافة إلى حضور المبدعين العراقيين في الكثير من المحافل العربية والدولية.

 ورواية "خاتون بغداد" عمل روائي فخم ورائع، ويعيد المؤلف في صفحات روايته تاريخ الاحتلال البريطاني للعراق قبل قرن من الآن، ولأن أبرز شخصية في ذلك الوقت كانت البريطانية مس بيل التي عملت مع المندوب البريطاني بيرسي كوكس، فإن إعادة صياغة هذه الشخصية في ظل أجواء وأحداث تُذكر بذلك الاحتلال وكيف تعامل المحتلون مع العراقيين، وكيف ردّ العراقيون بثورة عظمية اسمها ثورة العشرين، التي ألحق رجالها الكثير من الخسائر بالغزاة رغم تفوقهم الهائل في القدرات العسكرية والتسليحية والاقتصادية.

 وعندما تتحدث عن رفض للبريطانيين قبل قرن من الآن فإنك تتحدث عن الوقوف بوجه امبراطورية عملاقة قالوا عنها، إن الشمس لا تغيب عنها أطرافها المترامية، لكن ذلك لم يثبط أبناء الرافدين. 

الأمر الثالث الذي غمرني فرحا ما أعلنه الدكتور نوري من كتابته لعدد ليس بالقليل من الروايات التي ما زالت لم تنشر، في حين نشر كاتبنا المبدع تسع روايات حتى الآن، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن روائينا المتميز ليس متفرغا للكتابة كما هو حال الكثير من الروائيين في العالم، الذين توفر لهم كتاباتهم مصدرا جيدا للعيش، فهو يمارس عمله الصحفي اليوم ويتابع شؤون عائلته ويتواصل مع أصدقائه ومعارفه، وهو يئن تحت وطأة صور بلاده ودول عربية أخرى تفطر القلب من الألم، الذي تتركه بين القتل والدمار والتشريد والتهجير وضعف بارقة الأمل.

إن الأعمال الأدبية من شعر وقصص ونثر وروايات التي تٌكتب في ظروف مثل التي نعيشها، تلامس الجرح الغائر في دواخل الجميع، وعندما يلتقط الشخوص والموضوع الروائي فإنه يتنفس المأساة مع جميع الذين يكتوون بنار الواقع المفجع الذي يعصف بالملايين، وبقدر ما يوثق لحقبة في غاية الخطورة، فإنه يسجل وقائع الحياة اليومية لشعب حيّ، لن تثنيه عن خطواته كل العوائق والعثرات.

لم أتطرق للجوانب الفنية التي تضمنتها رواية "خاتون بغداد" المتميزة، فقد تناول هذا الجانب العديد من النقاد والمختصين والمثقفين الذين احتفوا بالرواية وكتبوا عنها، وذهبت إلى ما أفرحني، وهو بالتأكيد، يغمرنا بالسعادة في زمن أصبح فيه الفرح يتأرجح مبتعدا كثيرا ويقترب قليلا وربما نادرا.