الأمين العام الدكتور مثنى حارث الضاري يحلل تداعيات استفتاء كردستان والمواقف المتعلقة به في حوار مع قناة الرافدين

النص الكامل للقاء الأمين العام لهيئة علماء المسلمين الدكتور مثنى الضاري مع قناة الرافدين الفضائية في برنامج (لقاء خاص) بتاريخ 20/11/2017م

 

الرافدين: الملف العراقي مزدحم بأحداث كثيرة، ولعل أبرزها استفتاء كردستان وما تبعه من تداعيات، ولكن لو بدأنا الآن من الزيارة التي أجريتموها إلى تركيا، ما هي أسبابها؟ وما الملفات التي تم بحثها ؟

ــ ــ الأمين العام: هذه الزيارة تأتي في إطار التشاورات المستمرة التي تجريها الهيئة مع الإخوة في البلاد العربية وفي تركيا بين مدة وأخرى، للتباحث بشأن ما يجري في المنطقة بشكل عام، وما يجري في العراق بشكل خاص، والزيارة هذه المرة كانت لها صلة مهمة بموضوع استفتاء كردستان وما ترتب عليه.

تم التباحث مع بعض المسؤولين الأتراك بخصوص هذا الموضوع وموضوعات أخرى، وكان النقاش فيها نافعًا ومجديًا والحمد لله، وأوضح لنا كثيرًا من الأمور التي كان ينبغي لها أن توضح.

الرافدين: هل الموقف التركي من الاستفتاء ما زال على حاله؟ ولاسيما بعد التداعيات التي جرت على الأرض بعده.

ــ ــ الأمين العام: نعم، جرى التباحث بشأن هذا الموضوع، والموقف التركي وأسبابه، والمخاوف التي ترتب عليها هذا الموقف.

الموقف التركي كما هو، وهناك انطباق بين موقف الهيئة وموقف الساسة الأتراك بشأن الاستفتاء، فنحن كنا في بياناتنا واضحين في هذا الموضوع؛ الاستفتاء كانت له مخاطره العديدة من الناحية المبدئية ومن الناحية السياسية، وهو أيضًا ما ذهب إليه الساسة الأتراك، أمّا بشأن التداعيات؛ فهناك اتفاق كبير في وجهات النظر على أن ما حدث بعد الاستفتاء له آثار سلبية كبيرة على العراق، وقد تؤثر هذه الآثار في مستقبله كثيرًا، ولاسيما بعد تبدل الخريطة السياسية، وهيمنة النفوذ الإيراني بشكل أكبر بعد سيطرة قوّات حكومة بغداد على كثير من المناطق التي كانت تسيطر عليها القوّات الكردية، فضلاً عن الجوانب الإنسانية المتعلقة بما جرى إثر هذا الاستفتاء.

الرافدين: لو أردنا أن نتحدث عن الوضع الراهن في العراق، ما هو تشخيص الهيئة للأزمة التي حصلت بعد الاستفتاء، وأسبابها؟

ــ ــ الأمين العام: الاستفتاء كان مناسبة مهمة جدًا لبيان الاستشراف الصحيح للقوى المناهضة للاحتلال ومن ثم للعلمية السياسية؛ منذ بداية الاحتلال، فقد كانت هذه القوى تؤكد على أن العملية السياسية ـ وفقًا للقواعد التي بنيت عليها والمحددات التي وضعت فيها ـ لن تجلب للعراقيين إلا الخراب عاجلاً أو آجلاً، وهذا ما حصل الآن، فالاستفتاء كشف عوار هذه العملية، وأعلن الصراع بين القوى السياسية التي هي في الأصل تحالف على تقاسم هذه العملية وفق سياسة التوافق، وإذا بنا بين ليلة وضحاها ـ بسبب موضوع الاستفتاء ـ نرى خلافًا كبيرًا، واتهامات بالتخوين وبالعمالة، وبفشل العملية السياسية، وبأن الدستور هو أساس المشكلة، بل وصل الحال أخيرًا إلى التهديد بالانسحاب من العملية السياسية.

وهذه كلها تصب في خانة من كان يقول: إن العملية السياسية هي سبب البلاء في العراق بعد الاحتلال.

الرافدين: بتقديركم؛ هل هذا التلويح بالانسحاب من العملية السياسية يجب التوقف عنده الآن؟

ــ ــ الأمين العام: نعم بالطبع؛ لأنه عندما كنا نبين أخطاء ومخاطر العملية السياسية، وعندما ذهبنا ـ كقوى عراقية كبيرة ـ في بداية الاحتلال إلى خيار مقاطعة العملية السياسية، ثم أقدمت قوى أخرى وخالفت القرار الجمعي بمقاطعة العملية السياسية، فدخلتها بحجة (الإصلاح) وذريعة (التخفيف من الضرر)؛ وصلت إلى طريق مسدود، وقد كانوا يقولون: إن المقاطعة لن تُجدي، وإن الأصل أن يعمل الإنسان في السياسة حتى وإن كانت العملية السياسية لن تأتي بالنتائج المتوقعة.

وإذا بنا اليوم بقوى سياسية كبيرة؛ وأقصد هنا الجانب الكردي الذي ساهم في بناء هذه العملية السياسية، وساهم بوضع أسس الدستور، واستفاد كثيرًا من العملية السياسية، ومع ذلك وبسبب اختلاف المصالح يهدد بالانسحاب من العلمية السياسية، وهذا كما قلت؛ يصب في خانة من كان يقول بأن العملية السياسية ستؤدي بمخرجاتها المستقبلية إلى تأزيم الأوضاع، وقد تأزمت الأوضاع في العراق، وكان العراق على حافة اندلاع حرب داخلية بسبب موضوع الاستفتاء.

الرافدين: هل ما جرى اليوم يُشكّل مناسبة للوقوف والتفكر في هذه الأحداث والموقف من العملية السياسية، بالنسبة للقوى السياسية في العراق؟

ــ ــ الأمين العام: نعم، هي مناسبة للتفكر، ومراجعة الذات ومراجعة الأداء، ولإعادة النظر في هذه العملية السياسية، وهذه الدعوة لمن يعي ولمن يعقل ولمن يريد مصلحة العراق حقيقة، داخل العملية السياسية أو خارجها، أو لعامة الناس، ولكن للأسف من في داخل هذه العملية ـ في غالبهم ـ لا ينظرون إلا إلى المصالح الضيقة والمصالح الحزبية والخاصة. وهم يعلمون تمامًا في دواخلهم بأن هذه العملية السياسية فيها كل ما نتحدث عنه، بل عندما يتحدثون فيما بينهم عنها؛ يذكرون أكثر مما نذكر.

الرافدين: إذا أردنا أن نتحدث عن المواقف الدولية التي صاحبت الاستفتاء، ربما الموقف الأبرز الذي كان الكل يتطلع إليه هو الموقف الأمريكي؛ وربما كان هناك انتظار لموقف أمريكي أكثر قوة، وأكثر وقوفًا إلى جانب كردستان.. وإذ به موقف مختلف عمّا توقعه الكثيرون، ما هو تقييمكم للموقف الأمريكي من الاستفتاء؟

ــ ــ الأمين العام: الموقف الأمريكي كان مضطربًا وغير واضح، وغير حاسم؛ وهذا ليس في موضوع الاستفتاء فقط، وإنما هذه تبعات قرار الإدارة الأمريكية المرتهن الآن بالخلافات الداخلية في الإدارة أولًا، وثانيًا عدم قدرة الإدارة الأمريكية على فرض رؤاها على أرض الواقع؛ لأن المهيمن على الأرض الآن ليس الأمريكان، وإنما الإيرانيون، فإذا فقد القدرة على التحرك في الميدان بالطريقة التي يريد؛ فلن يكون قراره السياسي بالوضوح والصراحة والحزم، لذلك كان الرأي مضطربًا.

 وهنا نفرّق بين رأي وقرار الإدارة الأمريكية الذي كان في أعلى درجاته يتمنى ألا يحدث الاستفتاء، ويتمنى أن يؤجل، بينما أذرع الإدارة الأخرى السابقة ـ الموظفون السابقون في الإدارة الأمريكية ـ كانوا يعملون كمستشارين من أجل الترويج لإجراء الاستفتاء، وبعد إجراء الاستفتاء تراجع بعض هؤلاء عن استشاراتهم، واعترفوا بأنهم كانوا على خطأ، وأن الاستفتاء جرّ أخطاءًا بعده، والمفروض أنها لا تقع.

إذا نظرنا للموضوع من زاوية أخرى؛ فأنا أرى أن الأمريكان أرادوا أن يُجرّبوا، إذ لم تكن لديهم الرؤية الكاملة أو الواضحة حول هذا الموضوع، فتقاسموا الأدوار فيما بينهم؛ جهة تحذر وتخوّف ولكنها غير رافضة والمشكلة عندها في التوقيت والطريقة، وجهة أخرى مُشجّعة، وجاءت النتائج التي على ضوئها بنوا رأيهم في المرحلة التالية؛ وهو التصريح بأن إجراء الاستفتاء كان خطأ! فأين كانوا قبل ذلك؟ أبعد وقوع الخطأ يكتشفون الخطأ!

الرافدين: الموقف الإيراني كان رافضًا للاستفتاء، وإيران حريصة على وحدة العراق، كيف تقرأ الموقف الإيراني وخلفية هذا الموقف؟

ــ ــ الأمين العام: في موضوع الاستفتاء انكشفت كثير من أساليب الخداع التي يمارسها النظام الإيراني.

النظام الإيراني من رُعاة العملية السياسية ومن مؤيديها، ومن داعميها الأساسيين، وفي كل مرة تصل العملية السياسية إلى مفترق طرق وتكاد تنهار؛ كان النظام الإيراني يمدها بأسباب الحياة، ولعلنا نذكر زيارتَيْ أحمدي نجاد الرئيس الإيراني السابق إلى العراق في ظل الاحتلال الأمريكي.

إيران من حيث المنظور السياسي؛ تسير مع نتائج العملية السياسية، ومع ما هو مقرر فيها، ومن ضمنه موضوع الاستفتاء الذي له أصول وقواعد اتفاقية بين هذه الأطراف، بل كان موضوع الفيدرالية والأقاليم؛ أحد القواعد الأساسية التي قامت ما تسمى بـ(المعارضة العراقية) قبل الاحتلال، ولكن إيران تنظر إلى الموضوع الآن باعتبارها المهمين الأكبر وصاحب النفوذ الأكبر، وهي تعتقد أنها تمتلك العراق جميعًا، ولا تريد لأحد المؤثرين في الساحة ـ وأقصد هنا الأكراد ـ أن ينفرد بقرار قد يؤثر على هذه الهيمنة الكاملة؛ لذلك كان موقف الإيرانيين واضحًا وصريحًا في رفض موضوع الاستفتاء، ومن ثم قاموا بالوقوف ضده بكل قواهم السياسية والعسكرية والأمنية والإعلامية، وكانوا على الأرض وحققوا ما يريدون، وما تسمى (المناطق المتنازع عليها) والمناطق غير المتنازع عليها والتي كانت القوات الكردية تبسط يدها عليها؛ أصبحت الآن في متناول وتحت سيطرة القوّات الحكومية؛ قوّات حكومة بغداد وبطرقة أخرى هي تحت سيطرة وهيمنة الإيرانيين، الذين ما كانوا يحلمون بأن يبسطوا أيديهم على هذه المساحات الواسعة لولا الخطأ الكبير الذي وقع فيه السيد مسعود البارزاني بإصراره على موضوع الاستفتاء.

الرافدين: استغلت الميليشيات بتوجيه من إيران وبقيادة قاسم سليماني؛ الاستفتاء إلى أبعد حدود؟

ــ ــ الأمين العام: بالضبط، هي تُحسن استغلال الفرص، ولديها القدرة على اللعب في العراق والتأثير فيه أكثر من غيرها، ولديها أذرع كثيرة جدًا، وقد ظهر الخلاف الكردي، وظهر أن هناك طرفًا كرديًا ولاؤه قد يكون ـ للأسف ـ لدولة ولاية الفقيه أكثر من ولائه للفكرة الكردية التي كان يُنادي بها.

الرافدين: إذن هي تداعيات كبيرة على العراق نتيجة الاستفتاء، بتقديركم؛ هل انتهت هذه التداعيات عند هذا الحد؟ أم هناك خشية من أمور أخرى ربما تحدث؟

ــ ــ الأمين العام: قد تكون التداعيات الأخطر والأكبر تم تجاوزها، ولكن هي مستمرة، أما بالنسبة لنا فنرى أن هيمنة النفوذ الإيراني على مناطق مهمة في أربع محافظات؛ في نينوى، وصلاح الدين، والتأميم، وديالى؛ أمر خطير جدًا وهو يُعزّز من قوة ونفوذ حكومة بغداد، ويفرض خيارات ما كانت متوقعة عند كثيرين ـ وهي متوقعة بالنسبة لنا ولكنها لم تكن بالنسبة للكثير متوقعة أن تصل إلى هذا الحد ـ وأيضًا؛ كشف عن أمر خطير، وهو أن هناك أطرافًا عديدة، وأقول ـ للأسف ـ أطرافًا سُنيّة تتلاعب بعواطف الناس ومشاعرهم، فكانت تدعو قبل الاستفتاء إلى الإقليم وإلى الاقتداء بتجربة كردستان وما إلى ذلك؛ وعندما حانت ساعة الجد رأيناهم يصطفون إلى جانب أحزاب النفوذ الإيراني وأذرع إيران، ويُصرّون على وحدة العراق التي كانوا يُنكرونها على غيرهم عندما يتحدث عنها.

كنّا نتحدث سابقًا عن مخاطر الفيدرالية والإقليم وبأنها ستؤدي إلى تقسم العراق، وكان هذا الخطاب بالنسبة لهم خطابًا غير واقعي، وإذا بهم بعد سنوات يستخدمون الخطاب نفسه ويؤكدون على وحدة العراق، وكأنهم بين ليلة وضحاها أصبحوا وحدويون!

الرافدين: رغم التداعيات السلبية الكثيرة لهذا الاستفتاء إلا أنه ربما كشف مزيدًا من مساوئ العملية السياسية.

ــ ــ الأمين العام: بالضبط؛ كشف كثيرًا منها، والكثيرون الآن ينظرون إلى الموضوع نظرة أخرى ـ نظرة واقعية ـ وبدأوا يكتشفون أن كثيرًا مما يقال عن مساوئ العملية السياسية بدأ يظهر حتى قبل الأوقات المناسبة له.

وبالنسبة لنا؛ كنّا نظن بأن موضوع الفيدرالية والإقليم لن تنكشف مساوئه لعامة الناس إلا بعد وقت متأخر، ولكن ـ سبحان الله ـ خلال مدة قصيرة جدًا انكشف الأمر للناس، وهذا عزز من كشف مساوئ هذه العملية ومخاطرها على العراقيين جميعًا، وإن كان الخطر أو المشكلة قد تعرض لها الأكراد اليوم، فقد تعرض العرب السنة لها قبلهم، وسيتعرض لها العرب الشيعة ـ بل يتعرضون لها الآن ـ فهي مشكلة تعم العراقيين جميعًا.

الرافدين: ما هي رؤية هيئة علماء المسلمين؛ لخروج العراق من الأزمات التي يعيشها خاصة ونحن نعيش تداعيات الاستفتاء؟

ــ ــ الأمين العام: الرؤية هي نفسها الرؤية القديمة التي ذُكرت في بداية الاحتلال، والتي أكدنا عليها مرارًا وتكرارًا، وبيّانها في البيان الذي أصدرناه بمناسبة الاستفتاء، وحذرنا فيه القيادة الكردية ن المضي في الاستفتاء، وأعطينا وجهة نظرنا فيما يتعلق بالقضية الكردية، وأن للشعب الكردي حقوقه اللغوية والثقافية وما إلى ذلك، وأن هذه الأمور كلها يمكن أن تحقق في الشأن الكردي في إطار خصوصية الوضع الذي تعيشه المحافظات الكردية، ومن خلال اتفاق وتفاهم مع العراقيين جميعًا بعيدًا عن التأثيرات الدولية والتأثيرات الإقليمية؛ ولكن ـ للأسف ـ هذا الأمر لم يتحقق، وفيما يبدو لن يتحقق قريبًا.

وجهة نظرنا ـ كانت وما زالت ـ أن العملية السياسية بدستورها هي المشكلة الأكبر على العراقيين وعلى المنطقة، وأنه إذا لم يُنظر إلى القصة في العراق بشكل كامل وتُحل في إطار وطني يضمن للعراقيين جميعًا حقوقهم، ويلزمهم بواجبات تجاه وطنهم، ويؤكد على سلمية أي عملية سياسية قادمة وباشتراك الجميع فيها على أسس من المساواة والمواطنة وإعطاء كل ذي حق حقه؛ هذا كله لن يكون إلا إذا كانت هناك إرادة دولية وإرادة إقليمية بضرورة تغيير الواقع الجاري على الأرض، وللأسف هاتان الإرادتان غير موجودتين؛ لأن الإرادة الدولية والإرادة الإقليمية مستفيدة مما يجري في العراق، ومستفيدة من استمرار الأوضاع المضطربة فيه لصالح غلق ملفات أخرى في المنطقة، وحتى هذه الملفات يبدو أنها لن تغلق، فالقصة متداخلة وطويلة وصعبة وتحتاج إلى حل جذري وشامل وكامل، وهذا ليس في المتناول..

الرافدين: وليس قريبًا على ما يبدو؟

ــ ــ الأمين العام: هو ليس قريبًا  ـ وللأسف ـ كانوا يقولون من قبل: الحل في العراق ليس قريبًا ولكن يبدو أن الحلول في المنطقة كلها ليست قريبة، والمشكلة فيها متفاقمة، والآن نحن نتحدث بخصوصية الوضع العراقي لكون هذا اللقاء والحوار معني بالشأن العراقي، وإلا فالقصة متداخلة، وهناك نوع من العلاقات الوثيقة بين كل ملف من الملفات المضطربة في المنطقة، ولا يُحل ملف إلا بحل ملف آخر، ولعل الدليل على ذلك؛ أن ملفات كثيرة يُراد حلها من خلال العراق، على سبيل المثال: يتم تعزيز العلاقات مع العراق، والانفتاح مع العراق مجددًا، فما الهدف؟ هل هو العلاقة مع (حكومة عراقية) بائسة وضعيفة في ظل احتلال أمريكي وهمينة ونفوذ إيراني؟ لا؛ الهدف هو إيصال رسائل لإيران لتخفيف الضغط هنا أو هناك. فإذن أصبح العراق هو الساحة الأساسية لتبادل الرسائل بين الأطراف الإقليمية والدولية، وهذا يزيد من معاناة العراقيين ويفاقم من مشاكلهم.

الرافدين: اليوم العراق ساحة مشتعلة في محيط عربي مشتعل؛ فإلى أي مدى تؤثر الأزمات التي تعيشها الدول العربية سلبًا وتفاقم من أزمة العراق؟

ــ ــ الأمين العام: في البداية؛ إذا كانت هناك مشكلة في مكان ما، ويُراد حلها، ثم تندلع مشكلة أخرى في مكان آخر؛ بالنتيجة وبغض النظر إذا كانت المشكلة في العراق أو في غيره ـ سيقل الاهتمام بالمشكلة الأولى، وسيُوزع الاهتمام على مشكلتين، وهذا ما حصل في العراق؛ هذا أولاً.

وثانيًا؛ في المشاكل الجارية الآن في المنطقة ـ ولنأخذ المشكلة السورية والمشكلة اليمينة ـ الدور الإيراني واضح وظاهر وبارز، وكان قبل ذلك ظاهرًا وبارزًا في العراق، بل استخدم العراق كرأس جسر للوصول إلى هذين البلدين العربيين بطريقة أو بأخرى، فإذن لم يحسم أو يعالج الخطأ في العراق؛ فانتقل الداء إلى سورية وانتقل إلى اليمن، وما زال مؤثرًا في لبنان، وقد ينتقل إلى أماكن أخرى، فمشاكل المنطقة تؤثر بالنتيجة على العراق كما تؤثر مشكلة العراق على مشاكل المنطقة.

وأمر ثالث؛ أن الساسة في المنطقة والنظام العربي الرسمي منشغل بالمشاكل الأخرى عن العراق، وكلما تفاقمت مشكلة معينة طلبوا من العراقيين جميعًا من هم في العملية السياسة أو من في خارجها؛ نوعًا من (التفاهم و(التوافق) و(الاحتواء المتبادل)، وركنوا القضية العراقية على الرف، وأعادوا العلاقات مع حكومة بغداد لتبدأ مرحلة جديدة من الضياع ما بين سنة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع بدون جدوى؛ وكأننا نعود إلى نقطة الصفر، وللأسف؛ الجميع يعود إلى نقطة الصفر ويعودون إلى المربع الأول ويطلبون منا أن لا نفعل ذلك!

الرافدين: إحدى أبرز المشاكل التي يتحدث عنها الدبلوماسيون الإقليميون والدوليون؛ هي دور إيران وميليشياتها وأذرعها والحرس الثوري في المنطقة، وهناك حديث عن ضرورة وضع حد لهذه الميليشيات، وتقليم أظافر إيران في المنطقة.. نسمع ذلك بشكل كبير في الآونة الأخيرة؛ فهل تعتقدون ان هناك إرادة حقيقية دولية وإقليمية للحد من دور إيران في الدول العربية؟

ــ ــ الأمين العام: الأمر متفاوت، فهناك طرف لديه إرادة حقيقة ولكن ليست لديه القدرة على تحقيق هذه الإرادة، وهناك طرف لديه إرادة حقيقية ولديه قدرة ولكنه لا يُحسن توظيف هذه القدرة، وهناك طرف ثالث قد لا تكون لديه الإرادة الكاملة؛ فلديه القدرة ولديه الطريقة المناسبة ولكن قد لا تكون لديه الإرادة الكاملة بسبب سياسيته الخاصة ومصالحه الخاصة.. وهناك طرف؛ ليست لديه إرادة أصلاً في هذا الموضوع.

وهنا أضرب مثلاً بالموقف الأمريكي؛ فالأمريكان لديهم إرادة حقيقية؛ لأنهم يعدون إيران عنصرًا مشاغبًا في المنطقة، وعلى المدى البعيد يعدونه عدوًا لهم؛ ولكن في هذه المرحلة يرون بأن إيران تخدم مصالحهم في هذه المنطقة، وأنها يمكنها أن توفر لهم أسبابًا معينة لتنفيذ سياساتهم، ومن سياساتهم ـ كما هو معروف ـ حماية الكيان الصهيوني والمحافظة على موارد النفط، فلذلك تراهم يمارسون سياسة التخادم بينهم وبين إيران، والإدارة الأمريكية تراها يومًا ترعد وتزبد، ويومًا آخر تمطر بالخيرات على إيران، وستبقى الأمور هكذا، وهذه هي خصوصية الموقف العراقي، فالمشكلة في العراق هي مع أمريكا، بينما المشكلة في بلدان عربية أخرى  ـ وهذا قلنا مرارًا وتكرارًا ـ ليست مع أمريكا، فطريقة المعالجة ستختلف؛ لأن الخصم والعدو والمشكلة الأولى عندنا هي أمريكا في الظاهر والهيمنة الحقيقية هي لإيران.

الرافدين: بتقديركم؛ ما هو المطلوب من الدول العربية تجاه العراق والعراقيين؟

ــ ــ الأمين العام: هذا السؤال قديم ـ جديد، وقد أجبنا عنه في الإعلام وأجبنا عنه بشكل مباشر للساسة العرب، وكل من التقينا معه عندما تتاح الفرصة كنا نحدثه عن هذا الأمر، منذ أيام مؤتمر الوفاق في القاهرة سنة 2005 وحتى الآن، كنا نقول: للأسف ليست هناك رؤية واحدة مشتركة بين جميع الأطراف العربية لما يجري في العراق، وأحيانًا تكون الرؤية الواحدة موجودة ولكنها في الطريق غير الصحيح، ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الغالب العام من الأطراف العربية ترى أن الحل في العراق هو في دخول العملية السياسية، لا قناعة بجدوى هذه العملية ولكن لأنها الإطار الوحيد المسموح بالعمل به في العراق وفق الإرادة الدولية، فهذه مشكلة!

وأمر ثانٍ؛ أن وجهات نظر بعض الدول العربية تتأثر لأسباب خاصة؛ إما لمتغير دولي أو لمتغير إقليمي، أو لمتغير داخلي في بلد ما؛ فتتغير وجهة نظرها في معالجة موضوع العراق، فتبادر منفردة إلى القيام بهذا الأمر، وهذا يوقعنا في مشاكل كبيرة جدًا، لأنه ليس بالضرورة أن تكون هذه الرؤية مصيبة.

فهاتان هما المشكلتان في النظام السياسي العربي الرسمي.

الرافدين: بهذا نصل إلى ختام هذا اللقاء مع الدكتور مثنى الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق، فشكرًا جزيلاً.

ــ ــ الأمين العام: حيّاكم الله وبارك الله فيكم.