قضية كركوك بين الصفقات السرية ومصالح الدول المشاركة في اللعبة

مع ساعات الصباح الأولى من يوم الأثنين السادس عشر من تشرين الأول الجاري انطلقت القوات الحكومية المشتركة وميليشيات الحشد الطائفي المدعومة بالطائرات العسكرية والدبابات الى مدينة كركوك مركز محافظة التأميم وتمكنت في وقت قياسي من السيطرة على أجزاء كثيرة من المدينة وعلى رأسها المنشآت النفطية المهمة، وفي أعقاب ذلك استولت تلك القوات على القاعدة العسكرية (كي وان) وقاعدة كركوك الجوية ومبنى المحافظة ومقري شركة بترول الشمال وشركة غاز الشمال، اضافة الى تقاطعات الطرق الرئيسية.

وازاء التقدم السريع للقوات الحكومية والميليشيات المصاحبة لها، لم تُظهر قوات البيشمركة التي كانت تسيطر على تلك المنشآت منذ عام 2014، سوى مقاومة تكاد لا تُذكر، ويعود سبب ذلك ـ وفقا لما تبين لاحقا ـ إلى ان حزب الاتحاد الوطني الكردستاني المسؤول عن قوات البيشمركة في كركوك لم يكن مصمماً على مقاومة القوات الحكومية، وسط صمت دولي وغض الطرف عن ذلك التحرك الذي لم يكن مفاجئا حتى للولايات المتحدة الامريكية ورئيسها (دونالد ترامب) الذي إدعى ان ادارته لن تنحاز إلى أي طرف في هذا النزاع.

واوضحت الانباء الصحفية التي تتابع هذه التطورات عن كثب ان الولايات المتحدة لم تعترض علنا على استعادة مدينة كركوك وما تسمى المناطق المتنازع عليها في محافظات ديالى ونينوى وصلاح الدين الى سلطة الحكومة الحالية، وبررت واشنطن هذه الخطوة بانها تأتي في إطار إعادة الاوضاع الى ما كانت عليه قبل أزمة (تنظيم الدولة) التي بدأت في حزيران عام 2014.

واشارت الانباء الى ان التطورات المتسارعة التي اعقبت دخول القوات الحكومية المشتركة الى مبنى محافظة التأميم تمثلت بانسحاب قوات البيشمركة دون قتال من جميع المناطق المتنازع عليها وعلى رأسها مدينة كركوك وما يجاورها .. لافتة الانتباه الى ان المشاركة الواسعة للقوات الايرانية في عملية اقتحام مدينة كركوك بذريعة دعم القوات الحكومية المشتركة جاءت في اطار تدخل النظام الايراني السافر في شؤون العراق الداخلية، حيث اعترف (أردلان نور الدين) عضو مجلس النواب الحالي بوجود أعداد كبيرة من القوات الإيرانية ضمن ميليشيات الحشد الشعبي التي شاركت في العمليات العسكرية.

ان الاتفاقات السرية التي أُبرمت برعاية ايرانية وقبول امريكي لقلب موازين اللعبة، بدأت تتكشف شيئا فشيئا مع مرور الساعات والايام القليلة التي تلت السيطرة على محافظة التأميم، وكان ذلك باعتراف (مسعود حيدر) عضو التحالف الكردستاني الذي أكد ان (هادي العامري) القيادي الابرز في ميليشيا الحشد الشعبي و(بافيل طالباني) القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني، ابرما اتفاقا بشأن المناطق المتنازع عليها في كركوك قبل اقتحام القوات الحكومية المشتركة وميليشيا الحشد الطائفي لاسوار المدينة.

ونقلت الانباء عن (حيدر) قوله: "ان توقيع الاتفاق جاء بهدف القضاء على فكرة استقلال كردستان وفقا لما نص عليه الاستفتاء الذي أُجري في الخامس والعشرين من أيلول الماضي مقابل تشكيل إقليم جديد يضم محافظات (السليمانية، والتأميم، وحلبجة)" .. موضحا ان الاتفاق تضمن إستعادة القوات الحكومية المشتركة للمناطق المتنازع عليها، وتسليم (17) وحدة إدارية من الوحدات التي تديرها حكومة كردستان بعد عام 2014 الى سلطة بغداد التي ستقوم بدفع رواتب الموظفين والبيشمركة في السليمانية وكركوك.

واشارت الانباء الى انه بالرغم من حدوث تبادل محدود لإطلاق النار بين القوات الحكومية المشتركة والبيشمركة خلال الساعات الأولى من اقتحام مدينة كركوك، الا ان الاتفاق الذي أُبرام بين الاطراف المذكورة سار بنجاح، حيث دخلت القوات الحكومية الى كركوك بصورة سلمية وسلسة دون الاقتراب من الخطوط التي كان يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة (مسعود البارزاني) والذي بقي خارج هذه الصفقة، ما جنّب تلك الأطراف اندلاع معارك قد ينجم عنها خسائر بشرية ومادية جسيمة.

وفي ختام اللعبة، خرج رئيس الحكومة الحالية (حيدر العبادي) عن صمته ليؤكد ان استفتاء الانفصال الذي حاولت حكومة أربيل تمريره اصبح من الماضي .. داعيا حكومة اقليم كردستان الى الحوار تحت ما اسماه سقف (الدستور)، كما طالب ساسة الاقليم بعدم تصغير دور قوات البيشمركة من خلال تقسيمها الى احزاب وفئات!!؟؟.

ان ما شهدته مدينة كركوك والمناطق المتنازع عليها من توتر بين حكومتي بغداد وأربيل خلال الاسبوع المنصرم أشبه بمسرحية درامية معروفة الشخوص، لكن حقيقة هذه اللعبة التي تحمل الكثير من المفآجات ستتكشف بعد ظهور أهداف الصفقة السرية التي تم ابرامها تحت جنح الليل وخلف الكواليس خدمة لمصالح واطماع الدول المشاركة في هذه اللعبة وعلى رأسها ايران وامريكا.

وكالات + الهيئة نت

ح