وحدة أراضي الدول ومحاولات الانفصال ... د. مثنى عبدالله

  • مقالات
  • 418 قراءة
  • 0 تعليق
  • الثلاثاء 24-10-2017 11:29 صباحا

لعل من أبرز وأخطر الأحداث التي شهدها الوضع السياسي الدولي هذه الأيام، والتي أثارت الكثير من التساؤلات، هما محاولة كتالونيا الانفصال عن إسبانيا، ومحاولة الأكراد الانفصال عن العراق.

وتأتي أهمية هذين الحدثين ليس من كونهما يشكلان تهديدا حقيقيا لوحدة أراضي دولتين وحسب، بل يوقدان طموحات أخرى على المنوال نفسه، فقد تتفتت إسبانيا إن سلكت الباسك طريق كتالونيا نفسه، ويمكن أن تنتهي بلجيكا كدولة إن اتخذت مقاطعة فلانديرز طريق الانفصال، وكذلك بادانيا وجنوب تيرول في إيطاليا، وربما تلحق بهم جزيرة كورسيكا في فرنسا ومقاطعة بافاريا في المانيا، إضافة إلى التهديد الذي قد يلحق بالاتحاد البريطاني حيث نزعة الانفصال في اسكتلندا وربما بقية المقاطعات.

كما لا يمكن أن ننسى الصحراء الغربية المتنازع عليها بين المغرب والجزائر، والدعوات الانفصالية في جنوب اليمن، من هنا تجاوز تأثير ما حدث في العراق وإسبانيا النطاقين المحلي والإقليمي الى النطاق العالمي.

هذه الحركات كان العامل القومي هو المحرك الأساسي في شروعها نحو الانفصال، حيث المحاولات للانتقال من حالة العرق إلى حالة الأمة، ثم تكوين الدولة القومية، على اعتبار أن كل أمة لا بد لها من دولة، لكن لا يمكن إغفال العوامل الأخرى في هذا الجانب، ففي أوروبا نشطت في الفترة الأخيرة الحركات اليمينية المتطرفة، وحققت بعض الانتصارات السياسية في دولها، وانتشرت ثقافة الكراهية ضد الأجانب والمختلفين عرقيا عنهم.

 كما برزت العوامل الاقتصادية بشكل كبير في هذه النزعة، فعلى الرغم من أن كتالونيا تتمتع بقدر من الاستقلال السياسي والثقافي، إلا أن العامل الاقتصادي برز واضحا في الأزمة الأخيرة، حيث يتهم الكتالونيون الحكومة المركزية باستنزافهم اقتصاديا.

 كما يتهم البادانيون في إيطاليا بقية أجزاء البلاد بأنهم يتطفلون ويعتاشون على وضعهم الاقتصادي، حيث يتواجد رأسمال المال في هذا الجزء من البلاد، وعلى الشاكلة نفسها تأتي ولاية بافاريا في ألمانيا، التي يدفعها للانفصال امتلاكها اقتصادا قويا، لكن وضع الأكراد قد يبدو مختلفا بعض الشيء، نظرا لاختلاف الظروف السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط عن أوروبا، حيث يرجع الأكراد مطالبتهم بالانفصال إلى ما يزعمون بأنه اضطهاد عانوا منه على مر عقود من الزمن، وعلى الرغم من هذا التبرير، لكن العامل الاقتصادي كان له دور كبير في أزمة الاستفتاء الأخير.

كان الكرد يتهمون الحكومة المركزية في بغداد بتجويعهم وقطع حصتهم المالية وعرقلة استثماراتهم للثروات الطبيعية الموجودة في المنطقة، وهنا لابد من الاعتراف بأن دول الشرق الأوسط فشلت في إيجاد أيديولوجية وطنية تكون فيها الأقليات الأخرى جزءا أساسيا منها، ما شجع الأكراد على المطالبة المستمرة بالانفصال.

وفي خضم هذه الأحداث يتمسك كل طرف بحججه التي يقول بأنها قانونية، فالدول ترتكز في معارضتها ومقاومتها لحالات الانفصال على القانون الدولي، الذي ينظر إلى وحدة أراضي الدول على أنها من المقدسات، بينما يرتكز الانفصاليون على مبدأ أساسي في القانون نفسه وهو حق تقرير المصير.

 لكن الدول تجد ضالتها في الرد على هؤلاء بأن القانون الدولي لا يعتمد الجزء من الشعب ضمن الدولة الوطنية الواحدة على أنه شعب له حق تقرير المصير، حتى لو كانت له حدود ثقافية وهوياتية مختلفة عن الآخرين، مثال ذلك الألبان في كوسوفو الذين لم يعتبرهم القانون الدولي شعبا قائما بذاته، أيضا هنالك خلاف على موضوع الإقليم، على اعتبار أنه جزء من أراضي دولة أخرى، ما يفقد الانفصاليين أحد أركان قيام الدولة التي حددها القانون الدولي بالشعب والسلطة والإقليم.

 كما أن الكثير من القانونيين يرون بأن الكتالونيين والأكراد لا يتعرضون اليوم إلى الاضطهاد وخرق حقوق الانسان، بما يهدد وجودهم وبالتالي يضفي على دعواتهما الانفصاليه رداء من الشرعية. فكلاهما يتمتعان بحكم ذاتي ويمارسان حقوقهما السياسية والثقافية بحرية كاملة، لذا نجد وحدة خطاب حكومي في العراق وإسبانيا يؤكد على أن ما يسعى إليه الاكراد والكتالونيون غير شرعي ومخالف للقانون والدستور، يرافقه وحدة خطاب من دول الجوار والعالم يرفض محاولات الانفصال، ويؤيد موقف الحكومتين في ما ذهبتا اليه من إجراءات سياسية واقتصادية للمحافظة على وحدة أراضيهما.

يضاف إلى كل ذلك وجود رؤية لدى المجتمع الدولي تقول، إن قيام دولة كردية في شمال العراق ستنشأ عنها حروب طاحنة في الشرق الاوسط، حيث التأثير لن يقتصر على حدود ضيقة، وذلك لوجود امتداد كردي في تركيا وإيران وسوريا، ما يهدد حدود سايكس بيكو التي ما زالت تحظى بأهمية في العلاقات الدولية، ولا توجد أية رغبة لحد الآن في إحداث تغيير جوهري عليها.

 وما يقال عن الكيان الكردي يمكن أن يقال عن انفصال كتالونيا كذلك، حيث سيمثل قيامها كدولة تهديدا خطيرا لأوروبا، ويفتح شهية الكثير من الحركات الانفصالية للمطالبة بالاستقلال، مما سيغير من خريطتها ويمحو دولا منها.

إن طريق الانفصال ليس معبدا بالزهور، وإذا كان البعض يعتقد بأنه شفاء للغليل وتنفيس عن أحقاد ماضية، فهي حسابات سياسية ليست خاطئة وحسب، بل يشوبها الكثير من قصر النظر وأمية في الوعي السياسي، لأن الدول لا تُبنى على هذه الأسس الواهية.

 كما أن التجارب التي سبقت والتي سلكت هذا الطريق ما زالت تعاني من حروب وسفك دماء وهدر للثروات، ولعل المثال الأبرز الذي ما زال يراوح مكانه وينتج صور تخبط وتوتر وعنف وفوضى هو دولة جنوب السودان، التي انفصلت عن شماله عام 2011، بينما نرى على الرغم من انفصال التشيك والسلوفاك سلميا من دون حرب عام 1992، فإنهما شرعا في التنسيق الثنائي السياسي والاقتصادي والأمني بخطى متسارعة، في سبيل الوصول مرة أخرى الى حالة ما قبل الانفصال، إضافة إلى وجودهما معا في الاتحاد الأوروبي الذي هو شكل من أشكال الوحدة أيضا.

إن إعادة النظر في السياسات المتبعة من قبل الحكومات تجاه المواطنين كافة، بما يجعل الجميع يشعرون بأنهم جزء من الأيديولوجية الوطنية للدولة، وأنهم على خط شروع واحد في نظام سياسي يعتمد القانون وحقوق الإنسان، هو السبيل الوحيد لمنع الآخرين من البحث عن بدائل يحققون بها إنسانيتهم ويصونون بها حقوقهم ويحفظون بها كراماتهم، لكن ربما تكون في الوقت نفسه نتائجها كارثية على الجميع.