كيف يعالج العراق نفسيا وعقليا؟ ... هيفاء زنكنة

  • مقالات
  • 462 قراءة
  • 0 تعليق
  • الثلاثاء 19-09-2017 04:01 مساء

 «أربعون في المائة من الأطفال العراقيين يعانون من أمراض عقلية». تقول د. الهام الدوري، وتواصل سرديتها لفاجعة الأمراض النفسية والعقلية، بالعراق، قائلة «كذلك الحال بالنسبة إلى 17 في المائة من الشباب، مما يجعل عدد الشباب المصابين بمستويات متباينة من الأمراض النفسية والعقلية يساوي خمسة ملايين وسبعة أعشار المليون، بالمقابل هناك 100 طبيب مختص، فقط، داخل العراق»، وحين تتحدث د. الدوري فإنها تدعم كل ما تقوله بالدراسات والاحصائيات عن فاجعة، تضيف بعدا جديدا، إلى حجم معاناة الشعب العراقي، على كل المستويات.

قد لا يكون التصريح صادما، لو ردده صحافي أو أديب، أو قام أي منا بالإشارة إليه، فربما نكون قد لاحظنا الأعراض، وإن لم نكن من ذوي الاختصاص، وربما حاولنا أن نتندر على حالنا، فهذه طريقتنا كعراقيين، لإيجاد السبل، مهما كانت ضيقة، لمواصلة الحياة، لكن سماع هذا من طبيبة ذات خبرة عملية كبيرة، ومستشارة بأعلى مستوى في وزارة الصحة البريطانية، كان له وقع يماثل من يحاول التنفس، وعلى صدره صخرة كبيرة لا يستطيع زحزحتها، هكذا شعر الحاضرون في الندوة العلمية التي أقامتها منظمة «تضامن المرأة العراقية»، بلندن، وعنوانها « تأثيرات الحرب النفسية والعقلية على العراقيين»، فأي مستقبل لبلد يضم مثل هذه النسبة العالية من المرضى؟، كيف وصلنا إلى هذا الوضع المتردي؟ وما هو العلاج؟.

هناك جوانب عدة للمأساة، يعود بعضها إلى الثمانينيات، فترة الحرب العراقية ـ الإيرانية، وما تلاها من حروب وحصار وغزو واحتلال أثناء الحروب، تقول د. الدوري «نحن، غالبا، ما نركز على الجنود والجرحى، ولكن ليس كثيرا على الأحياء، حيث تخلق الظروف الحربية ذكريات وجروح تبقى فترة أطول من الحروب نفسها، أنها تخلق ذكريات مؤلمة تستغرق عقودا للشفاء، مما يسبب ارتفاع معدلات المرض العقلي».

إن انتهاء الحرب، فشلا أو انتصارا، لا يعني التئام الجروح النفسية، إذ يبقى الأحياء ضحايا جروح داخلية، غير مرئية، وهذه مشكلة كبيرة، تعيق الاندمال، خاصة في مجتمعنا «الذي يعتبر العلاج النفسي والعقلي، أمرا معيبا أو وصمة عار، وهذا يعني أن العديد من الناس يتركون بدون دعم أو علاج، مما يسبب أعراضا جانبية تزيد من سوء وضعهم «حسب د. الدوري، وقد أدى تعاقب الحروب إلى عدم وجود وقت كاف للتعافي، مما سبب وجود «أجيال من العراقيين الذين لم يعرفوا سوى الحرب».

وإذا كانت سنوات الحروب السابقة لعام 2003 قد سببت إصابة العراقيين بأعراض الاكتئاب واليأس والصدمة الملازمة لما بعد الحرب، فإن غزو العراق، بقيادة أمريكا، وحملة قصف «الصدمة والترويع»، وكما يشير العديد من الدراسات، أدى إلى «ارتفاع مقلق في الوفيات والاصابة بالعجز والنزوح». فعملية «تحرير» الموصل، لوحدها، أجبرت حوالي مليون شخص على ترك بيوتهم هربا من الوضع المخيف، وحولت المعركة المدينة إلى خرائب غير صالحة للسكن.

ما هي الأعراض العامة المعيقة للحياة الطبيعية؟ تلخص د. الدوري الأعراض قائلة: «الاكتئاب مشكلة متنامية بين الأمراض النفسية الأخرى، اضطراب ما بعد الصدمة مشكلة شائعة جدا في السنوات العشرين الأخيرة. وتنشأ هذه الحالة عندما يتعرض شخص ما لتجربة أو حادثة تهدد الحياة، وتشمل الأعراض استعادة ذكريات حية من الحدث المؤلم، والأرق والقلق فضلا عن الاحساس باليأس والاحباط».

أما الأثر النفسي للحرب والتشرد على الأطفال، خاصة، فقد تناولته جوان بيكر، منسقة منظمة «الأطفال ضحايا الحرب»، مشيرة أولا إلى ما يتعرض له الأطفال اثناء الحروب من أخطار جراء القصف الجوي للمناطق المدنية، والهجرة القسرية، سواء كانوا مع ذويهم أو إذا انفصلوا عن أولياء أمورهم، حينئذ يصبحون أهدافا سهلة للإتجار بالبشر والاختطاف والرق الجنسي والتجنيد القسري، يعاني الأطفال من الجوع خلال الحصار من قبل القوات المسلحة، استهداف المدارس الذي يؤدي إلى التسرب فيشعر الأطفال بلا جدوى التعليم، ولا يخفى تأثير الإجهاد المناخي على الأطفال حيث یعاني النازحون من الظروف المناخیة القاسیة، حين یعیشون في خیمة مؤقتة تحت قسوة حرارة الصیف والبرد شتاء.

تسبب هذه الأوضاع غير الانسانية إلى انكماش الطفل نفسيا أو التصرف بشكل عدائي ضد الآخرين بالإضافة إلى القلق المستمر والكآبة واضطراب النوم، حيث يخشى الطفل النوم بسبب الصدمة والكوابيس، يصاب بعض الأطفال باضطرابات الكلام وعدم القدرة على التمييز بين الماضي والحاضر، فهم يستعيدون أهوالهم في كل وقت ولا يستطيعون الهروب منها ولا يركزون مما يعيق التعلم والقدرة على أداء المهام اليومية ولا يستطيعون الاسترخاء لاعتقادهم أن شيئا سيئا سيحدث،

إزاء هذا الوضع، ما الذي يجب عمله؟.

«هناك حاجة ملحة لوضع الطب النفسي في خطط الرعاية بعد الحرب. وهذا أمر ضروري لأن الرعاية الصحية والبنية التحتية العراقية قد تضررت بشدة وأوجدت نقصا في الأطباء، يحتاج السكان إلى الحصول على الرعاية الصحية النفسية كجزء من عملية إعادة الإعمار والتي لا تعتبر من الأولويات، حاليا، بالمقارنة مع القضايا الطبية الأخرى. هناك، أيضا، حاجة ماسة لإنشاء مراكز رعاية الصحة العقلية»، هذه بعض مقترحات د. الدوري وتؤيدها جوان بيكر في وجوب توفير الرعاية النفسية والعقلية كأولوية في مجال الرعاية الصحية، بالإضافة إلى المساعدة الاجتماعية / الأمومية، بمعنى المساعدة في دعم الاستقرار الأسري، الضروري جدا لتوفير جو الأمان للطفل، هنا تبرز أهمية العمل السريع على اعادة النازحين إلى بيوتهم. إذ يمثل استقرار العائلة وإعادة الأطفال إلى مدارسهم، نواة استقرار المجتمع. وتنبه جوان إلى أهمية أن تكون المدارس فعالة في سيرورة الرعاية وإعادة تأهيل الأطفال نفسيا وعقليا كخطوة أولى في إعادة تأهيل المجتمع.

إن إيجاد علاج حقيقي للأمراض النفسية والعقلية والتي بات من المؤكد انتشارها بين شريحة واسعة من المجتمع المرهق بالحروب والغزو، يتطلب مبادرات حكومية للعلاج الفردي والجماعي بالإضافة إلى المبادرات الفردية وحث المنظمات الدولية على تقديم العون، هذه الجهود، يكمل بعضها الآخر، فحجم المأساة أكبر من ان تقوم بها جهة واحدة، مع توفر بيئة آمنة بلا حرب، وهي ليست مهمة مستحيلة، فالتاريخ المعاصر يعطينا أمثلة عن شعوب تعافت بعد حروب مدمرة مثل ألمانيا واليابان وفرنسا، النقطة المهمة هي توفر النية الحكومية المبنية على الإيمان بالشعب ووضع حد لروح الانتقام، وهذا ما نفتقده في الوقت الراهن.