أراكان المسلمة .. تُباد دون ضجيج ... د. زياد الشامي

ليست الحملة الحالية التي يشنها جيش ميانمار ضد ولاية أراكان ذات الغالبية المسلمة إلا استمرار للحملة الأخيرة التي بدأت في أكتوبر عام 2016م وما زالت مستمرة حتى الآن , لتستمر بذلك محنة هذه الأقلية التي لم تتوقف منذ استقلال بورما عن الاحتلال البريطاني عام 1948م .

لعل ما يميز الحملة الجديدة أنها تأتي بغطاء دولي وأممي واضح , فلم يمض سوى ساعات على صدور التقرير النهائي لعمل اللجنة الاستشارية لتقصي الحقائق بشأن تعرض مسلمي الروهينغا بإقليم أراكان (راخين) في ميانمار لانتهاكات والتي يرأسها الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان بتعيين من مستشارة الدولة في ميانمار "أون سان سو تشي" العام الماضي ... لتأتي استجابة حكومة ميانمار كرد على التقرير بشن حملة إبادة ممنهجة ضد مسملي الروهينغيا وموطنهم التاريخي "أراكان" .

التقرير الذي رحبت به الأمم المتحدة على لسان المتحدث الرسمي باسم أمينها العام "استيفان دوغريك" وكأنه فتح من فتوحاتها ونصر لقضية الروهينغيا يذكرنا بطريقة تعاملها مع كل عدوان صهيوني جديد بحق أبناء فلسطين المحتلة , حيث تكتفي بمطالبة المعتدي الغاصب المحتل بضبط النفس وعدم استخدام القوة المفرطة ضد أصحاب الأرض والحق من المدنيين الفلسطينيين , وهو نفس ما طالب به تقرير "عنان" حكومة ميانمار بالتخلي عن "القوة المفرطة" ..... ما يعني أن استخدام القوة غير المفرطة جائز ومباح , مع العلم أن أحدا لا يعلم معيار وضابط القوة المفرطة في نظر المنظمة الأممية !!!!

 الغطاء والذريعة التي تبرر بها حكومة ميانمار قتلها مسلمي الروهينغيا وحرق قراهم وبيوتهم وحرمانهم من حق المواطنة منذ عقود وتهجيرهم قسريا من أرضهم ..... هو "محاربة الإرهاب" الذي بات مطية كل من يريد أن يقتل المسلمين ويرمي بهم في البحر دون أي سبب أو مبرر سوى أنهم "مسلمون" !!

هذا ما يحدث لمسلمي الروهينغيا في ميانمار , فعلى الرغم من استمرار محنتهم عقودا من الزمان  بحرمانهم من حق المواطنة , و مع ارتفاع حدة جرائم حكومة ميانمار بحقهم بعد شن حملة دموية ضدهم في أكتوبر من العام الماضي طالت أرواحهم وقراهم وبيوتهم ....لم يحرك المجتمع الدولي ساكنا تجاه ذلك , وحين تظاهر بالتحرك من خلال ما يسمى "اللجنة الاستشارية لتقصي الحقائق بشأن تعرض المسلمين الروهينغيا لانتهاكات بإقليم "أراكان" كانت النتيجة إمعانا في الاضطهاد وتماديا في القتل والإجرام من خلال شن جيش ميانمار حملة جديدة ضدهم بدعوى مهاجمة من وصفتهم ميانمار بــ "الإرهابيين" لنقاط أمنية في البلاد .

 حملة الإبادة الجديدة التي يشنها جيش ميانمار ضد أقلية الروهينغيا مستمرة  منذ 25 اغسطس الماضي وحتى الآن دون ضجيج يذكر , اللهم إلا بعض التصريحات التي لا بد منها دبلوماسيا لاستكمال مسرحية عدم موافقة مصدر التصريحات على ما يحدث من أهوال في ولاية أراكان .

وعلى الرغم من فظاعة انتهاكات جيش ميانمار الذي لم يترك نوعا من الانتهاكات الجسيمة إلا فعلها ...إلا أن أحدا لم يعتبر تلك الممارسات والانتهاكات "إرهابا" , بل الأنكى من ذلك أن تصنف تلك الممارسات و الجرائم في خانة "محاربة الإرهاب" !!!!

حملة الإبادة الجديدة لم تكتف بقتل الروهينغيا فحسب , بل تقوم بحرق قراهم وتلاحق حتى من يحاول الفرار بنفسه منهم , وقد بث ناشطون صورا وتسجيلات مصورة تظهر هروب آلاف المدنيين من قراهم التي تعرضت للحرق من قبل الجيش والمتشددين البوذيين , كما أكدوا أن الآلاف من الروهينغيا عالقون في الجبال والغابات في ظروف إنسانية بالغة السوء .

 فنشير إلى بعض الأرقام المفزعة والإحصائيات المرعبة عن هول ما يجري من جرائم وحشية وإبادة جماعية وقتل واغتصاب وحرق للممتلكات وتشريد لمئات الآلاف من المسلمين الروهينغيا هناك في أراكان .

فقد أصدر اتحاد جمعيات الروهينغيا في بورما وبنغلادش تقريرا بيّن فيه الوضع الراهن للمسلمين في أراكان الآن بعد بدء الحملة الأخيرة ضدهم والمستمرة منذ 25 أغسطس الماضي .

التقرير أكد أن عدد الشهداء قد بلغ 6334 تقريبا , بينما وصل عدد الجرحى برصاص الجيش البورمي حوالي 8349 .

كما ذكر التقرير أن عدد النساء العفيفات التي اغتصابهن قد بلغ 500 امرأة تقريبا , بينما وصل عدد قرى الروهينغيا التي تم حرقها حوالي 103 قرية وعدد البيوت المحروقة 23250 بيتا تقريبا .

 وعن عدد مسلمي الروهينغيا الذين أصبحوا بلا سكن ولا وطن ولا ممتلكات أشار التقرير أن عددهم قد بلغ 335000 تقريبا , كما تناول عدد الأسر المهجرة التي وصلت إلى بنغلادش والذي بلغ 24166 أسرة , و عدد النازحين الذين وصلوا بنغلادش والذي أفاد التقرير أنه وصل إلى 145000 فرد , هذا عدا النازحين العالقين المنتظرين على الحدود الذي وصل عددهم إلى نحو 190000 تقريبا .

آخر أرقام التقرير المفجعة تناولت عدد المساجد التي هدمها الجيش البورمي حيث بلغت 250 مسجدا , كما بلغ عدد المدارس والمعاهد التي تم هدمها 80 مدرسة , ناهيك عن التنويه بأن جميع المساجد والمدارس والمعاهد التي تخص الروهينغيا قد تم إغلاقها من قبل الجيش البورمي .

إزاء هذا الواقع الذي لا تكفي كلمة خطير أو فظيع فحسب لوصفه هناك الكثير من التحديات أمام الأمة الإسلامية على مختلف الأصعدة لعل أقلها وأداناها وأكثرها إلحاحا في الوقت الراهن هو : الإغاثة العاجلة لمسلمي الروهينغيا .

أما الإدانة والتنديد واستجداء الحكومة البورمية بضرورة معالجة ملف مسلمي الروهينغيا ومنحهم أبسط حقوقهم المشروعة "المواطنة" ووقف عمليات قتلهم وإبادتهم وتهجيرهم من ديارهم ..........فلم يعد يجدي في محنة لم يزدها التنديد والاستنكار والاستجداء إلا شدة وتصعيدا من قبل الحكومة البورمية .

 التواطؤ الدولي والأممي مع ما تفعله حكومة ميانمار لا يظهر بالصمت والسكوت وإخفاء حقيقة ما يجري على الأرض فحسب , بل يظهر من خلال التنسيق والتناغم في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بإتمام عملية الإبادة دون ضجيج على ما يبدو , فكما ان

عبارات الإدانة التي قد تصدر من بعض الدول الكبرى ذات النفوذ الفاعل في المنظمة الأممية على ما يجري الآن في أراكان والتي لم تستخدم أي وسيلة ضغط ضد ميانمار لإجبارها على وقف اضطهادها لأقلية الروهينغيا ....هي في الحقيقة توقيع بالموافقة على إبادة المسلمين بشكل غير مباشر .

المطلوب من المسلمين المستهدفين من قبل عتاة الأرض وشذاذ الآفاق أن لا يقاوموا ولا يعترضوا على اضطهادهم وإرهابهم أو حتى قتلهم وإلا فهم حينها هم "الإرهابيون" الذين لا بد من محاربتهم !!!

يتعين أن تحمل هذه القضية دافعية جديدة للعالم الإسلامي برمته لوضع قاطرتهم على سكتها الصحيحة، وفي أول طريقها يبدو ضرورياً أن يُرسخ العلماء والدعاة والمفكرون والمثقفون الإيمان بالقضية لدى المسلمين على وجهها الصحيح وطرحها على وجهها الصحيح، العقدي، والتاريخي، والمبدئي، حتى لا تتحول كباقي القضايا إلى مجرد بكائية تاريخية عابرة، وفي الطريق فإن الأمة، كل الأمة، معنية بأن تدرك بأن تفرقها وابتعادها عن الشعور التضامني الأخوي الشامل سيسير بشعوبها إلى مصائر متشابهة إن لم تدرك طبيعة تحدياتها، ووجوب اعتصامها بمنهجها الإسلامي بكل مفرداته ومقوماته. إن قضية الأراكان مرشحة لنصاعتها كقضية واضحة جداً للاضطهاد الديني، والاستضعاف التام، والتخاذل العام، لأن تبرز كقضية جامعة يبدأ من عندها تذكير الأمة بمشروعها الأصيل: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } والذي يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم لبناته بقوله: "مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّىّ" رواه مسلم..

ويقول عليه الصلاة والسلام -: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )

فلسان حال الدول التي تمسك بزمام المنظمة الأممية يقول هذا , فهي لا تريد أن ترى لدين الله الحق وجودا ليس في الدول غير الإسلامية فحسب , بل وحتى في عقر ديار الإسلام , ولكن الله غالب على أمره ودينه الإسلام باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولو كره المشركون والكافرون ولو كره من كره .

نسال الله ان يفرج عن إخواننا في بورما وان يحفضهم ويرعاهم ويحميهم ويعيدهم الى ديارهم سالمين غانمين . اللهم امين..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بتصرف يسير