مواقع "التواصل الطائفي"! ... د. جاسم الشمري

العقول البشرية - وإن كانت واعية ومتعلمة ومثقفة-، فإنها تتأثر – أحياناً-  بالخطاب السلبي الموجه والمتكرر والمدعوم والقادر على قلب الحقائق، أو على الأقل إخفاء الجوانب غير المتفقة مع أهداف الوسيلة الإعلامية الراغبة بنشر، أو ترويج فكرة ما.

الخطاب الإعلامي بكافة صوره وأشكاله المرئية والمسموعة والمقروءة له القدرة على نشر الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والنور والظلام، والمحبة والكراهية، والسلام والحرب، والسعادة والتعاسة، والعلم والجهل، والأبيض والأسود، والجميل والقبيح، وكل ما تريد إيصاله للمتلقي الذي يُعد ضحية للخطابات السلبية، غير الوطنية، أو غير الخادمة لمفاهيم السلم المجتمعي والحياة الإنسانية الكريمة، وهي خطابات موجهة، ولها أهداف استراتيجية تحاول تحقيقها بكل ثمن.

في عالمنا تتنوع أنماط الخطاب الإعلامي الموجه للجماهير ومن بينها مسلسلات الدراما، والمسرحيات، والأفلام، ونشرات الأخبار، والتقارير، والبرامج السياسية، ويتصدر جميع هذه الأدوات المؤثرة منصات مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت – أحياناً- مرتعاً لنشر الأحقاد والكراهية والخطاب الطائفي في المجتمع.

وفي الساحة العراقية لاحظنا في الآونة الأخيرة ازدياد كم البرامج التلفزيونية الطائفية وكأننا أمام خطة مدروسة للإجهاز على روح الانتماء الوطني لدى الإنسان؛ ولهذا ينبغي التذكير بخطورة الخطاب الطائفي، وبالذات حينما يكون مدعوماً من بعض أركان الحكومة، أو نواب البرلمان، أو غالبية زعامات المليشيات، أو حتى بواسطة الأفعال الطائفية المؤثرة أكثر من الكلام لأنها تقود لنتائج مباشرة.

المحير والمخيف أن الخطاب الطائفي وصل لنسبة ليست قليلة من المثقفين والأكاديميين والعلماء والمفكرين، وصاروا يتباهون به، وكأنها حالة ايجابية وثقافة منتجة وتنويرية، وهذا انحراف لن تقف آثاره الساحقة إلا  بعد أجيال متعددة إن لم تتداركه القوى الخيرة في المجتمع.

معلوم أن الآثار التدميرية للحروب -سواء تلك التي خلفتها قوات الاحتلال الأميركية، أو التي تركتها المواجهات الأهلية والحكومية في بعض المدن- يمكن تداركها ببضع عشرات من مليارات الدولارات، لكن كيف يمكن اجتثاث آثار الخطاب الطائفي من عقلية نسبة ليست قليلة من المواطنين الواعين، فضلاً عن صعوبات اقتلاعه من غير المتعلمين والمتنورين؟ وهذه حقيقة يجب الاعتراف بها والوقوف عندها لأن تجاهلها يعني القفز على الواقع وترك هذه الآفة دون علاج قاطع.

العزف على الوتر الطائفي ليس من الحكمة الدينية، أو السياسية، لأن قضية الانتماء الطائفي مسألة دينية خالصة، واليوم استخدمت كأداة فاعلة - ومدعومة بمحاولة ليّ بعض النصوص الشرعية- للوصول للحكم، وهذه جرأة غريبة على الدين، واستخفاف بعقول الجماهير لأنه لا يمكن تصور  خلط الطائفية بالدين، وجعلها بساط سندباد للتحليق به ثانية إلى الحكم.

إن خطر مواقع "التواصل الطائفي" وليس الاجتماعي على بنية عموم المجتمعات تتمثل في كون أن هذه المواقع يمكن الدخول لها بأسماء وحسابات وهمية، ويمكن ولوجها من مقاهي الانترنيت المنتشرة في غالبية الأحياء، وبهذا يمكن لمن يشاء أن ينشر ما يريد سواء أكان ما ينشره يتفق مع الدين، أو القانون، أو العرف، أو الأخلاق، أم لا؛ وبهذا يكون بمأمن من الملاحقة القانونية، وهنا تكمن أهمية التثقيف المجتمعي في التقليل من أضرار الخطابات السلبية التي تنخر جسد العائلة الواحدة لتصل آثارها حتماً للعشيرة والأصدقاء وعموم البلاد.

مسؤولية إيقاف منصات "التناحر الطائفي" تقع على كافة شرائح المجتمع الواعية، والمسؤولية الأبرز تتحملها الحكومة التي يتوجب عليها إيقاف القنوات الإعلامية الطائفية التي تنشر أخبارها دون الاستناد للواقع، أو التي تفبرك الأخبار لتحقيق غايات سياسية وانتخابية، وبالذات تلك المدعومة حكومياً، وهذا الكلام ينطبق على المواقع الرسمية وتصريحات المسؤولين من الوزراء والنواب وأعضاء الأحزاب الحاكمة وزعماء المليشيات، وإلا فان هذه الخطابات الطائفية أكبر أنواع الإرهاب التي تستهدف الإنسان والقيم والأجيال القادمة.

الانفلات الإعلامي الطائفي من اخطر الأسلحة الفتاكة الهدامة لمستقبل العراق؛ ولهذا ينبغي الانتباه لهذه الآكلة الساحقة لأننا نتحدث عن قضية فكرية وليس مجرد حادثة عابرة تنتهي آثاره في لحظتها.

مواقع التواصل الاجتماعي منصات بناء للمجتمع إن وجهت الوجهة الصحيحة، وإلا فان آثارها ستسحق الأجيال الحالية والقادمة وحينها لا ينفع الندم!.