حوار الدكتور مثنى الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين مع قناة الرافدين الفضائية ضمن برنامج (لقاء خاص)

حوار الدكتور مثنى الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين؛ مع قناة الرافدين الفضائية ضمن برنامج (لقاء خاص)، من تقديم محمد كردي؛ بتاريخ 11/8/2017.

الرافدين: أهلًا بكم مشاهدينا الكرام، إلى هذه الحلقة من برنامج لقاء خاص.

تشهد الساحة العراقية تطورات متلاحقة في الوقت الراهن، فمن حرب الموصل ودمارها ومعاناة النازحين في عموم البلاد، إلى تصارع القوى السياسية وإعادة تشكيل خارطتها، فضلاً عن معاناة العراقيين وخاصة النازحين منهم في ظل الإهمال الحكومي.

نناقش هذه الملفات في حلقة اليوم من برنامج لقاء خاص مع الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق الدكتور مثنى حارث الضاري، فأهلا بك دكتور.

ـ الأمين العام: أهلًا ومرحبًا، وحيّاكم الله.

الرافدين: نبدأ من زيارتكم إلى تركيا؛ فهي زيارة رسمي، أجريتم خلالها لقاءات مع عدة مسؤولين أتراك، وربما ناقشتم ملفات تمس الشارع العراقي والقضية العراقية، ماذا ـ بداية ـ عن هذه الزيارة، وأبرز ما جرى فيها؟

ـ الأمين العام: بسم الله الرحمن الرحيم، زيارتنا لتركيا؛ تأتي في إطار المشاورات التي تجريها الهيئة مع عدد من الدول العربية والإقليمية، في كل مفصل مهم من مفاصل الواقع السياسي في العراق وفي المنطقة، وهذه هي الزيارة الثانية خلال عدة أشهر؛ تم فيها اللقاء بعدد من المسؤولين ومناقشة الملف العراقي بكل تفاصيله ولاسيما الظروف الأخيرة المحيطة بالموضوع العراقي.

وهذه الزيارات تأتي لإطلاع الإخوة في البلاد العربية وتركيا على الواقع الحقيقي لما يجري في العراق، وبعيدًا عمّا يُروّج من أخبار ووقائع غير صحيحة بالمرّة، وقد لمسنا من هذه الزيارات أن هناك تغيّرًا في كثير من التفاصيل، وانطباعات جديدة عمّا يجري في العراق، واستعدادًا كبيرًا للاستماع لوجهة نظر الهيئة والقوى المناهضة للاحتلال والعملية السياسية.

الرافدين: إلى أي مدى يُمكن التعويل على هذا التغيير في النظرة التركية إلى ما يجري في العراق على دور تركي جديد ـ ربما ـ لإيجاد حلول جذرية لما يُعانيه العراق؟

ـ الأمين العام: أي تغيّر في النظرة نحو الاقتراب من وجهة النظر التي نطرحها؛ هو أمر جيّد؛ ولكن تعوّدنا منذ الاحتلال وإلى الآن ألا نعوّل كثيرًا على المتغيرات الإقليمية؛ لأن هناك متغيرًا أساسيًا في الساحة العراقية ينبغي أن يحصل؛ ألا وهو موضوع العُدول عن الخيار الوحيد الذي يُراد إجبار العراقيين عليه، حينذاك ـ عندما يتغير هذا الأمر ـ نستطيع أن نعوّل على شيء، ولكن إلى الآن يبدو أن الأفق ليست فيه هذه المتغيرات الكبيرة، ومع ذلك نحن نسعى من أجل أن نصل إلى هذه المرحلة بكل الجهود الممكنة.

المشهد العراقي

الرافدين: تأتي هذه الزيارة في ظل ازدحام الساحة العراقية بالأحداث ـ وللأسف ـ هي أحداث مأساوية؛ ما قراءتكم بشكل عام للمشهد العراقي اليوم؟

ـ الأمين العام: المشهد العراقي ـ مع الأسف ـ لا يسُر، وكلّما وصلنا إلى مرحلة من السوء؛ نعتقد أن هذه المرحلة لن يأتي بعدها أسوأ مما هي عليه، ولكن واقع الأحوال يدل على أن السوء ـ للأسف ـ يزداد يومًا بعد يوم.

الصورة في العراق مؤلمة، ومقلقة جدًا، وتفاصيلها مأساوية؛ وهذه نتيجة طبيعية لكل ما تمّ منذ الاحتلال وحتّى اللحظة، فما زال العراق يعاني وما زال العراقيون ينزفون، ولا ينعمون بما يتمنونه من أدنى درجات الحياة الطبيعية، فما جرى في العراق منذ الاحتلال وإلى الآن يكاد يكون مسلسلًا متكررًا مع زيادة في الألم والمعاناة، وما جرى الآن ولاسيما بعد الأحداث الأخيرة في الموصل وما حولها؛ يؤكد استشرافنا الصحيح لهذا الموضوع، وتحذيرنا لكثير من الدول العربية والإقليمية وللمجتمع الدولي؛ من أنه ما دام خيار تغييب الرأي العراقي الحقيقي عن الساحة هو السائد؛ فلن يجني العراق ولن يجني غيره خيرًا مما يجري، بل إن فصولاً جديدة ستُفتح على العراقيين وقد تكون أسوأ مما هي عليه الآن.

مأساة الموصل

الرافدين: حرب الموصل وتداعياتها؛ هذه التداعيات ما زالت وربما بدأت بشكل كبير الآن، وأنتم أدنتم ما جرى في الموصل وكان لديكم الكثير الملاحظات عمّا جرى، والآن تم الإعلان عن انتهاء الحرب في الموصل، فما هو المطلوب اليوم فيما يتعلق بالمدينة وأهلها؟

ـ الأمين العام: أعتقد أننا تجاوزنا مرحلة (ما هو المطلوب؟)؛ لأنه ليست هناك جهة تنفذ ما هو المطلوب، فالذي يجري في العراق هو تنفيذ ما تريده الإرادات الخارجية والإرادات الداخلية المتنفذة في الساحة، وليس ما هو مطلوب للعراقيين ولغير العراقيين.

للأسف؛ ما جرى في الموصل يكاد يكون الصورة الأسوأ منذ ساعة الاحتلال وحتى الآن؛ من تدمير المدينة واقتلاعها حجرًا حجرًا، ثم هدمها على كثير من أهلها الذين ما زالوا إلى الآن تحت الأنقاض، وهذه مأساة كبيرة جدًا ـ تحاول وسائل الإعلام تغييبها ـ فصولها متعددة، وستأتي فصول أخرى جديدة؛ عندما يُكشف عن واقع المدينة بعد رفع الأنقاض؛ سندخل في حالة لا يُمكن تصورها قد تكون أقرب إلى الخيال إن لم نشاهدها بأعيننا.

المأساة في الموصل تعبّر عن مأساة العراق جميعًا، ولكن مأساة الموصل بلغت الحد الأعلى من استهداف الإنسان العراقي بغض النظر عن الذرائع والحجج، وهذا الأمر حذّرنا نحن منه ـ وحذّر غيرنا ـ وأذكر بالتحديد قبل انطلاق معارك الموصل تحدثتُ في هذا الموضوع باستفاضة ووضوح، وبيانات الهيئة تحدثت عنه، وذكرنا بأن الموصل ستُستهدف لأنها الموصل، وليس لأن (تنظيم الدولة) فيها، ومع ذلك ومنذ البداية وقبل أن يحصل أي شيء؛ أدنّا كل ما يجري في الموصل؛ أدنّا الحكومة، وأدنّا التحالف الدولي، بل أدنّا (تنظيم الدولة) منذ ذلك الوقت، وقلنا بأنه سيتسبب هو والقوّات المهاجمة بمأساة لأهل المدينة، وهذا ما حصل، ثم توالت بيانات الهيئة منذ شهر آذار/ مارس، وفي غضون أربعة أشهر فقط؛ أصدرت الهيئة تسعة وثائق من بيانات، ورسالة مفتوحة؛ تحمّل مسؤولية ما وصلت إليه المدينة كُلّ الأطراف المتصارعة فيها؛ بغض النظر عن المنطلقات والحجج والذرائع، ومَن المعتدي، ومَن المتسبب؛ وقلنا إن الجميع متسبب في النتيجة؛ فهم متساوون من حيث النتيجة التي وصلوا إليها، مع الفارق ـ طبعًا ـ فالمعركة بين دولة تدّعي أنها شرعية وتحالف دولي يسير وفق قرارات ومواثيق الأمم المتحدة ويدعمها المجتمع الدولي، وبين مجموعة موصوفة أو مصنفة بأنها (إرهابية)؛ فالمسؤولية التي تقع على عاتق هؤلاء غير المسؤولية التي تقع على أولئك، ولكن مع ذلك نحن لا نفرّق فيما يتعرض له الإنسان العراقي، فالكل مُدان وسيتحمل وزر ما قام به في المدينة.

الرافدين: مشهد المعاناة في الموصل هل سيتكرر في مناطق ومدن أخرى من العراق؟

ـ الأمين العام: هو حصل قبل أن نصل إلى الموصل؛ في جرف الصخر، ثم في محيط بغداد، ثم في تكريت وبيجي، ومحافظة ديالى بالكامل، وصولاً إلى الموصل، والمسلسل سيستمر؛ فالآن موضوع الحويجة ومشكلتها المزمنة، وللأسف قد يتكرر ويحصل فيها ما حصل في الموصل، خصوصًا في وسط الحملة الإعلامية الكبيرة التي تتهم أهالي هذه المدن التي صودر رأيها من قبل التنظيم؛ بأنها داعمة له، فالنتيجة واحدة؛ ستدمر هذه المدن رأسًا على عقب.

الرافدين: بالتزامن مع هذه المعاناة الإنسانية، هناك معاناة من نوع آخر؛ فالقوى السياسية متصارعة ومتضاربة، وهناك انشقاقات وتشكيل أحلاف وأحزاب جديدة؛ كيف تنظرون إلى هذا التخبط في الخارطة السياسية للقوى الموجودة في العراق؟

ـ الأمين العام: التخبط في العمل السياسي أصبح سمة مميزة وفارقة لِما يُدعى بـ العمل السياسي في العراق، وهذا شأن العملية السياسية ومن فيها بغض النظر عن الأسماء والعناوين وعن المراحل الزمنية، منذ أول تجربة انتخابية وحتى الآن؛ فعندما يبدأ موسم الانتخابات يبدأ هذا التخبط، وليته تخبط ناتج عن عدم الخبر أو العفوية وما إلى ذلك؛ بل هي عملية مدروسة تأتي في سياق التناحر السياسي، والاصطفافات الجديدة، وتبدل الولاءات ـ أعداء الأمس أصبحوا أصدقاء اليوم والعكس صحيح ـ والمتضرر من ذلك كلّه هو العراق؛ لأن النتيجة أن العملية السياسية بقواعدها ومحدداتها ونسبها وأشخاصها ستبقى كما هي ولا يستفيد منها المواطن، وقد يتفاءل المواطن قليلًا؛ ثم بعد الانتخابات تعود حالة الإحباط التي أصبحت مزمنة، وقد تنثر بعض التوابل هنا وهناك لتلميع هذه العملية، ولكن واقعها كما بدأت، وكما ستنتهي إن شاء الله.

مشروع العراق الجامع

الرافدين: تفصلنا أيّام قليلة عن الذكرى الثانية لمشروع العراق الجامع الذي أطلقته الهيئة، أين أصبح هذا المشروع اليوم؟

ـ الأمين العام: مشروع العراق الجامع كان محطة فارقة ومهمة جدًا في عمل الهيئة السياسي بالتعاون مع القوى المناهضة للعملية السياسية، وهذا المشروع تطور إلى ما نسميه الآن الميثاق الوطني؛ وأقول بكل صراحة وبكل أسف: أن مشروع العراق الجامع وضعت أمامه عوائق من عدة جهات في الساحة العراقية، لا تريد لهكذا مشاريع أن تنجح؛ ونحن نتكلم عن قوى خارج العملية السياسية، وقوى من المفترض أن تكون ضد العملية السياسية، ولكنها كما يبدو اختارت طريقًا بين هذا وذلك ـ منزلة بين المنزلتين ـ بين العملية السياسية وبين المناهضة لها، فحاولوا إجهاض هذه الفكرة أفرادًا أو جماعات، ولكن القوى المناهضة للعملية السياسية أصرت على استمرار هذا الأمر، واستجابة لمشاورتنا مع الإخوة في القوى المناهضة للعملية السياسية واستفادة من التجربة التي جرت بعد الإعلان عن العراق الجامع؛ تولّد الرأي بالانتقال إلى المرحلة الثانية والثالثة من المشروع، وهي الوصول إلى الهدف؛ بكتابة ميثاق وطني عراقي تجتمع عليه القوى خارج العملية السياسية لوضع الخطوط العامة لثوابتها ومبادئها وطرق تحرّكها في العمل السياسي.

وقد بدأت النقاشات حول الميثاق الوطني قبل حوالي عشرة أشهر، وعُقدت عدة لقاءات؛ منها لقاء في إسطنبول، ولقاءين في العاصمة الأردنية عمّان، ثم تم الانتهاء من كتابة الميثاق الوطني منذ شهر نيسان/ أبريل 2017، ولكن بسبب الظروف المتغيرة في المنطقة، وتطلب المشاورات مع إخوة آخرين وقوى ومكونات عراقية خارج العراق؛ أرجأنا الإعلان عنه، وإن شاء الله قريبًا قد تكون الذكرى الثانية لإعلان العراق الجامع في 15/8 مناسبة للإعلان عن التوقيت الذي سيُعلن فيه الميثاق الوطني وأين سيُعلن.

الرافدين: ما هي أبرز بنود هذا الميثاق؟ وما هو هدفه؟ وما أبرز القوى التي شاركت في كتابته؟

ـ الأمين العام: أبرز هدف للميثاق هو ما ذكرناه في العراق الجامع في وقتها: أن تجتمع القوى الوطنية العراقية المناهضة للاحتلال ومن ثم لعمليته السياسية؛ على مبادئ وخطوط عامة تكون هي قاعدة الانطلاق للعمل والحراك السياسي، وأن تكون هذه المبادئ والنقاط الأساسية بمثابة الثوابت والمعايير الضامنة لأي تحرك؛ بحيث تقاس تحركات القوى السياسية والمكونات على هذه الوثيقة، وننتهي من حالة الاجتهاد الفردي والعمل الفردي ومحاولة التبرير والتأويل لكل خطأ سياسي تقع فيه هذه الجهة أو تلك.

بمجرد التوقيع على هذا الميثاق الذي اشتركت فيه معنا قوى عراقية عديدة وشخصيات مستقلة وفعاليات وطنية؛ فستكون هذه الوثيقة هي المعيار الذي تُقاس عليه المواقف، ولن نكتفي بعد الميثاق بإيجاد الأعذار، أو الاستماع للتأويلات أو للاجتهادات أو للاعتذار بالخطأ أو عدم القصد؛ فالقصة أصبحت واضحة، وهي واضحة من البداية؛ ولكن للأسف بعض الأطراف أو بعض الجهات أحيانًا تُحاول الالتفات على هذه الأمور البدهية.

الميثاق إذا أُعلن؛ فسيُعلن لجميع الشعب العراقي، وسيكون الهوية الواضحة؛ فمن بقي على ثباته في موقفه من الاحتلال والعملية السياسية؛ سيسير وفق الميثاق، وصولاً إلى تشكيل إطار وطني عام يتحرك في الساحة السياسية داخل العراق وخارجه بصيغة عمل جماعي وليس عملاً فرديًا، وهيئة علماء المسلمين رغم أنها تسعى في هذا المجال؛ ولكنها ليست الوحيدة في الساحة، وهي لا تُصغّر عمل الآخرين، والآخرون أيضًا يعترفون للهيئة بتوفيرها لكثير من إمكاناتها لإسناد العمل الوطني، ولكن نحن الآن في مرحلة نحتاج إلى أن يكون هناك فريق وطني، مجموعة عمل وطنية تتحدث بلسان الجميع لا بلسان الفرد، ونحن في الهيئة أيضًا سنستفيد من هذا الأمر بأن نخفف الكثير من الأعباء التي تُلقى على كواهلنا وكأننا لوحدنا الذين نتحرك في الساحة، فالجهود كبيرة ولكن قد لا يُتاح لها الظهور إلا من خلال صيغة عمل جماعي.

الرافدين: ألا يحتاج هذا الميثاق إلى دعم إقليمي لنجاحه؟

ـ الأمين العام: بالضبط، كل عمل سياسي من هذا النوع يحتاج إلى دعم إقليمي، ولكن في تجربتنا في العراق؛ الدعم الإقليمي غير متوقع، وأقولها بكل صراحة وأمانة ـ رغم كل الجهود التي نبذلها؛ وهذا من باب القيام بالواجب: مشكلة العراق ليست في الإقليم، فمشكلتنا في العراق خاصة تختلف عن مشاكل باقي الدول العربية، لأن الجهة التي نُخاصمها أو تخاصمنا هي الولايات المتحدة الأمريكية، بخلاف الساحات العربية وغير العربية الأخرى، فالمشكلة هنا: الإرادة الأمريكية هي الغالبة، والقرار الأمريكي هو الغالب، وعليه فلا يُمكن للقضية العراقية أن تأخذ الطريق السياسي الصحيح.

كل عمل سياسي يقتضي التحرّك، والاتصالات، والتأثير على دول الجوار ودول الإقليم، والتأثير على المجتمع الدولي، وكل الدول تفعل هذا، وكل حركات التحرر تفعله أيضًا، ولكن إذا كان الأمر مقفلًا من قبل الجانب الأمريكي، ولا يُسمح لنا بالحركة؛ حينذاك سيُصبح الأمر غير مُتاح، ولكن مع ذلك نعمل ولا نكِلّ، ونأمل من الله سبحانه وتعالى أولًا، ومن أبناء بلدنا ثانيًا، وأيضًا من الشعوب العربية والمسلمة المساندة لقضية الحق في العراق وغيره، والله سبحانه وتعالى يتكفل بكل شيء.

الرافدين: العراق كغيره من الدول يُؤثر ويتأثر بمحيطه، وهناك جهود مُعلنة لحل الأزمة السورية؛ فإلى أي مدى يؤثر أي حل في سورية على الاضطراب والفوضى القائمة الآن في العراق؟

ـ الأمين العام: الملفان العراقي والسوري مرتبطان ارتباطًا وثيقًا وعضويًا، وكل حل في سورية سيؤثر بلا شك على القضية العراقية، وقد لا يؤثر في حلّها ولكنه سيؤثر في طبيعة ما يجري من حراك في الساحة العراقية، وهذا ليس حكرًا أو حصرًا على القضية السورية؛ بل حتى ما يجري في اليمن له تأثير كبير على ما يجري في العراق وتأثر بما يجري فيه، وليس بالضرورة أن حل القضية في العراق سيؤثر على سورية واليمن، والسبب في ذلك من وجهة نظرنا؛ أن قضية العراق ستبقى كما هي إلى أمد غير معلوم؛ لأن المشكلة فيها هي نوع من التوافق والتخادم وتقاطع المصالح ـ فسّره كما تشاء ـ بين الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإيراني، وأنّه يُراد لهذه الساحة أن تبقى هكذا؛ ساحة سيّالة ومتحركة، وغير هادئة وغير مستقرة، إلى أن تُغلق ملفات أخرى في المنطقة.

الرافدين: يعني هي إرادة دولية وإقليمية لاستمرار الفوضى في العراق؟

ـ الأمين العام: إرادة دولية إقليمية، كلا الطرفين ـ الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ـ بل حتى روسيا مستفيدة من بقاء الأوضاع هكذا في العراق، بل هذه هي الحالة منذ الاحتلال وإلى الآن؛ فحالة الاضطراب في العراق رغم الألم الذي سببته للعراقيين وللأمة، لكن استفادت منها أطراف دولية وإقليمية كثيرة جدًا، فلا يُراد لها أن تنتهي إلى أن تستقر الرؤية الأخيرة لوضع المنطقة عند الأمريكي وعند الإيراني.

جهد الهيئة الإغاثي والإنساني

الرافدين: نختم بمحورنا الأخير؛ مأساة النازحين، فالنازحون في العراق عددهم كبير، ومعاناتهم مستمرة بشكل متصاعد، كيف تنظرون إلى مأساة العراقيين وخاصة النازحين منهم؟

ـ الأمين العام: يعجز الكلام في التعبير عن هذه المأساة، لأنها مأساة ذات وجهين، الأول: هو الوصف الطبيعي لهذه المأساة وما يجري فيها من دمار أو قتل وانتهاك للأعراض، وسلب للحقوق، وتدمير للمدن، وما إلى ذلك من فصول كثيرة ومتعددة، وتحتاج إلى كلام كثير ليوضح عمق هذه المأساة.

الجانب الآخر: أن هذه المأساة ـ للأسف ـ لا يُنتبه لها ولا يُعبأ لها دوليًا ولا إقليميًا بالشكل الكافي، وكأنه أمر لا يريدون الحديث عنه، وكأن أهل الموصل وأهل المدن العراقية الأخرى حُسبوا هكذا دفعة واحدة على (الإرهاب) وعلى (تنظيم الدولة)، وأن أي حديث عن هذا الموضوع هو من قبيل دعم ومساعدة (الإرهاب)، وهذه المشكلة نعانيها نحن في الهيئة ومؤسساتنا الإغاثية، لدينا القسم الإغاثي والقسم الاجتماعي وقسم حقوق الإنسان؛ هي المعنية بتتبع هذه الحالة وتخفيف الضرر ما أمكن عن أهالي الموصل وغيرهم، سواء في المدينة أو في مخيمات النزوح، فعندما نتحدث عن هذا الموضوع ونسعى للتعاون مع جهات كثيرة؛ لا يتم التعامل معنا بالصورة المناسبة، وكأنه هناك خط أحمر على العراق بأن الدعم الإغاثي للعراق يُسبب مشاكل لأنه دعم لحالة إرهابية، مع أن الفارق واضح وكبير، وأهل الموصل أنفسهم من أكثر الناس تضررًا من هذا الموضوع، ويتكلمون بكل صراحة فيه، ويفرقون بينهم وبين من استولى على مدينتهم وصادر رأيهم، ومع ذلك؛ نقوم بما يمكن من جهود، وفرقنا الإغاثية وصلت إلى أجزاء كثيرة في الساحل الأيسر بل وحتى في الساحل الأيمن، ووجدت تقبلًا كبيرًا من المواطنين ومن الأهالي للدعم الذي تقدّمه مؤسسة شعبية، غير رسمية، وبجهود ذاتية لا تُقارن بجهود الآخرين، ولكن السمة الأساسية لعملنا هي  التخفيف عن الضرر ما أمكن، بكل الإمكانات والوسائل، وبدون أن نرتب على ذلك مصالح سياسية ودعائية كما تفعل أطراف أخرى.

ومن هنا؛ أنا أتقدم بالشكر للإخوة في القسم الإغاثي والقسم الاجتماعي في الهيئة، على ما يقومون به أعمال ومنجزات كبيرة جدًا، وأقدم العذر لأهالي الموصل وأقول لهم: هذا ما نستطيعه، وإلا فإنكم تستحقون أكثر من ذلك، خفف الله عنكم ويسّر لكم أموركم، وأعادكم إلى دياركم آمنين سالمين إن شاء الله.

الرافدين: جهود الهيئة في إغاثة النازحين واضحة، لكن مأساة النازحين كبيرة وتحتاج إلى تحرّك دولي، واستنادًا لما تفضلتم به؛ كأن الحل الجذري لمعاناة النازحين يبدو صعبًا في الوقت الراهن.

ـ الأمين العام: بالضبط، وهذا ما طرحناه منذ سنين وليس الآن؛ كُنّا نقول بأن: المساعدات التي تُقدّم ضرورية، ولكنها ليست الحل، بل الحل هو في إيجاد المخرج الحقيقي لمعاناة هؤلاء، والحل الآن بعدما خرجوا من مُدنهم وأصبحوا في العراء وفي مخيمات النزوح؛ هو سرعة العودة بهم إلى مُدنهم، ولكن للأسف لا أحد يُلقي لهم بالًا، وأصبح موضوع العودة إلى المدن وموضوع النازحين من قبيل المراهنات والمزايدات السياسية بين الأحزاب والقوى السياسية الموجودة في الساحة، وإلى الآن لم يحدث أي تطور ـ حتى ولو نسبي ـ في إعادة تأهيل وبناء المدن لاستقبال النازحين، وكأنه كُتِب على هؤلاء النازحين أن يبقوا سنوات على حالهم هذا، وأنا أعتقد أن بقاءهم هكذا هو قرار سياسي لاستخدامهم كورقة في الانتخابات القادمة، فعلى النازحين والمُهجّرين أن يعوا هذه الحقيقة، وألا يقعوا ضحية الافتراءات والأكاذيب والوعود التي تُعطى لهم من هؤلاء، فمشكلتهم الأساسية الضغط على هؤلاء للعودة إلى مدنهم، وأنا هنا أهيب بكل جهة تستطيع العمل على هذا الموضوع أن تعمل معنا وتساعدنا عليه.

الرافدين: إلى هنا تنتهي هذه الحلقة من برنامج لقاء خاص، شكرًا جزيلاً لك دكتور، على أمل أن يتجدد اللقاء بكم في ظروف أفضل إن شاء الله.

ـ الأمين العام: إن شاء الله، أشكركم، وبارك الله فيكم، وتحياتي للعاملين في القناة جميعًا، وللإخوة المشاهدين.

الرافدين: حيّاك الله، الدكتور مثنى حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق، شكرًا جزيلاً لك، والشكر موصول لكم مشاهدينا الكرام على طيب المتابعة، وإلى اللقاء.

الهيئة نت

ج