تقرير: مخيمات النزوح .. سجون في الصحراء

هذا التقرير يسلط الضوء على جانب من الأوضاع المأساوية التي يعيشها أكثر من (1100000) مدني، بينهم نحو (67000) من داخل الموصل، في مواقع الطوارئ ومخيمات الإيواء التي تم إنشاؤها في الصحراء لاستيعاب نازحي الموصل والمناطق المحيطة بها وسط برد وأمراض وأوحال وأوضاع تسوء أكثر فأكثر؛ وخيام تتساقط تحت الأمطار وتلف الملابس والمخزونات ومنع من الخروج، حيث يعيش النازحون داخل أسوار المخيمات في ظل انعدام مقومات الحياة، لأن السلطات الكردية تمنع خروج النازحين منها لدواع (أمنية)، كما تقول.
 ويرافق نازحي نينوى ألم التشرد وضيق ذات اليد، وباتت أمنيتهم الوحيدة لم شمل العائلة والعودة لبيوتهم في وطن حرموا فيه من أبسط الحقوق، فضلا عن القلق والشتات الذي تعيشه مئات العائلات النازحة من الموصل وما حولها في انتظار أنباء عن أفراد أسرهم الذين افترقوا عنهم تحت وطأة القصف العنيف والقتال المستمر والإجراءات التعسفية عند حواجز التفتيش، ونزحت عوائل كثيرة من الموصل دون أوراق تثبت هويتهم بعد تدمير منازلها جراء القتال وتعيش معاناة مركبة بسبب حرمانها من الحقوق المدنية.
 وفي أكثر من مناسبة عبرت الأمم المتحدة عن خشيتها من أن معركة الموصل قد تفضي إلى أكبر أزمة إنسانية من صنع الإنسان في الذاكرة الحديثة؛ حيث يتوقع نزوح أكثر من مليون شخص من مدينة الموصل وحدها، وسط إهمال ملحوظ من قبل السلطات الحكومية لمخيمات النزوح، واتهمت عدة منظمات حقوقية دولية الحكومة الحالية في بغداد بالتعامل مع ملف النازحين على أساس طائفي يتسبب بتعميق شعور الحرمان والإذلال لدى ملايين العراقيين الذين اضطروا إلى النزوح، وقد دللت الحكومة في كثير من الوقائع السابقة أن الحالة الإنسانية للمدنيين العزل في تلك المناطق ليست أولوية لديها.
وللوقوف على أحوال النازحين، قام بتأريخ 16/11/20166، وفد مشترك بين قسمي متابعة الفروع والقسم الاجتماعي في الهيئة بزيارة إلى مخيم الخازر شرق الموصل الذي تم افتتاحه في 2014، ومخيم حسن شام القريب منه الذي افتتحته الأمم المتحدة مطلع شهر نوفمبر الماضي لاستيعاب الأعداد الكبيرة للنازحين الذين أجبروا على ترك منازلهم بين ليلة وضحاها، واستغرقت الزيارة يومين، ورصد الوفد خلالها الأوضاع هناك بناءً على مشاهدات وإفادات من التقوا به هناك.
الجهات القائمة على المخيمات
 إن الجهات المسؤولة على المخيمين هي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين و (مؤسسة بارزاني الخيرية)، وصرحت المفوضية في وقت سابق بأن لديها ستة مخيمات لاستقبال الفارّين من الموصل، ثلاثة منها وصلت الطاقة الاستيعابية فيها إلى منتهاها وهي (الخازر وحسن شام وقيماوا (زيلكان سابقا)). وقالت المفوضية إنه تم افتتاح مخيمين جديدين لاستيعاب الأسر النازحة من الموصل وما حولها مع توقع المزيد من الوافدين الجدد، مخيم (عملة) قرب تلعفر ومخيم (العلم) في تكريت، وإن العمل جار لإنشاء ثلاثة آخرين حول الموصل، وتؤكد الجهات القائمة على أنها لا تستطيع تحمّل الأعباء وحدها وسط تزايد سريع لأعداد النازحين.
وقال بعض العمال القائمين على الموقع ان عدد الخيم الذي تم تركيبها في مخيم الخازر يبلغ حوالي (11000)، بينما في مخيم حسن شام تم نصب (450) خيمة، ويجري العمل على نصب خيام إضافية؛ علما أن أعداد النازحين في المخيمين تجاوزت (56000) شخص، وفقا لبيانات المنظمة الدولية للهجرة.
سكان المخيم
 سكان مخيم (الخازر) قدموا من مدينة الموصل ومن مدن وبلدات أخرى مثل الشرقاط والقيارة وبيجي وغيرها، أما بالنسبة إلى مخيم (حسن شام) فإن سكانه نزحوا من الموصل ومن المناطق المحيطة بها، الذين هربوا خوفا من القصف العشوائي على الأحياء المأهولة بالسكان، في خرق واضح للقانون الدولي، فضلا عن الحصار الذي تفرضه القوات الحكومية على مناطقهم ومنعها وكالات الغوث من إيصال المساعدات الإنسانية الأساسية إلى تلك المناطق بحجة أنها ستصل للإرهابيين، وقال مسؤول في جمعية الهلال الأحمر العراقي إن حجم الدمار الكبير وغياب الخدمات الأساسية وتفاقم الوضع الإنساني في أحياء الموصل المستعادة يدفع الأهالي إلى النزوح.
نقص الاحتياجات
 عند تفقد الأسر القابعة في الخيم تلاحظ عدم توفر الأدوية الضرورية للزكام ونزلات البرد والأمراض الطارئة الأخرى فضلا عن الأمراض المزمنة عموما، والأدوية الخاصة الأخرى مثل الإنسولين وأدوية مرضى الصرع، ناهيك عن شح حليب أطفال وحفاظات الرضع.
 وما يلاحظ أيضا افتقار تلك العائلات إلى مواقد صغيرة للطبخ تعمل بالكاز أو النفط وكذلك عدم وجود وسائل كافية للتدفئة مع حلول فصل الشتاء الذي يكون قاسيا جدا على النازحين الساكنين في مخيمات النزوح المتناثرة في الصحراء.
 وقد يحصل سكان المخيم على أرزاق جافة مثل الرز والطحين والزيت؛ لكنهم لا يستطيعون الاستفادة من هذه المواد لعدم امتلاك معظمهم أدوات الطبخ فضلا عن المواقد اللازمة والوقود.
مركز صحي واحد
 هناك مستوصف واحد فقط في كل مخيم يعمل بإمكانات متواضعة ويعالج الحالات البسيطة فقط -حسب المفوضية تم تقديم خدمة الاستشارة الطبية لنحو (53000) حالة مرضية بسيطة- أما الحالات المرضية المتوسطة والصعبة فلا يستطيع المستوصف استقبالها، والولادات تحدث في المخيم بدون وجود طبيبة نسائية ولا توجد حواضن لاستقبال حديثي الولادة؛ ما يجعل نسبة الخطورة عالية على الأم والوليد على حد سواء.
 ويلاحظ أيضا انتشار الأفاعي والعقارب والجرذان في المخيمات دون وجود جهود لمكافحتها وهذا الأمر يتسبب بمخاطر صحية كبيرة وانتشار الأمراض لاسيما بين الأطفال الذين لا يجدون غير المسارات والمساحات الفارغة مكانا للعلب والتسلية؛ فيكونون عرضة للتعرض إلى لدغة الأفعاعي والعقارب وما لها من تداعيات سمية سريعة تؤثر على الجهاز العصبي للمصابين.
شح الخدمات
 فيما يخص الخدمات، يلاحظ تكدس الأزبال والنفايات في زوايا المخيم ومساراته وبين الخيم أيضا؛ إذ يجري رفعها بواسطة السيارات المخصصة مرة واحدة فقط وربما مرتين في الأسبوع.
وتوجد دورات مياه بدائية في مخيم الخازر لا تزيد عن (75) وحدة يستعملها ما يزيد على (230000) شخص، وفي مخيم حسن شام هناك أقل من (40) دورة مياه تخدم نحو (16000) شخص، ما يجعل الأمر أكثر صعوبة في المخيمات.
 وإلى مدة قريبة لم تكن في المخيم حمامات ولكنها توفرت بأعداد محدودة لا تتجاوز أصابع اليدين ما يضطر السكان إلى الاغتسال داخل الخيم أو في العراء، كما تفعل بعض العائلات مع أطفالها عندما يكون اليوم مشمسا ودرجات الحرارة معتدلة.
ما يلفت الانتباه أيضا داخل المخيم هو ان الطاقة الكهربائية إن وجدت فهي لا تصل إلى نحو 700% من الخيم حيث يقضي معظم النازحين ليلتهم في ظلمة دائمة، وهناك أزمة في المياه أيضا حيث تؤدي الزيادة اليومية في أعداد النازحين الوافدين إلى صعوبة كبيرة جدا في الحصول على مياه الشرب فضلا عن المياه اللازمة للغسل.
 وإن تلوث المياه وقلة الخيام واستمرار حركة النزوح، فضلا عن تواضع المساعدات؛ يجعل حياة ساكني المخيمات صعبة للغاية لاسيما الفئات الضعيفة التي تكون أكثر عرضة للأمراض، خاصة مع حلول فصل الشتاء.
سوء التوزيع
 توجد مشكلة أخرى تواجه سكان المخيم حيث إن المساعدات والتبرعات أو المعونات النقدية التي تصل إلى المخيم لا توزع بشكل عادل على النازحين إذ يكون من الصعوبة بمكان على فئات كثيرة الاستفادة منها، ويتم في بعض الأحيان الاستيلاء على جزء كبير منها من قبل جهات خارجية، حسبما قال بعض النازحين، الذين قالوا أيضا إنهم لم يحصلوا على إعانة منذ مجيئهم.
 ويجري كذلك تسريب كميات من المساعدات الغذائية التي تصل إلى المخيم، حيث يتم تهريبها بواسطة سيارات إلى خارج المخيم لصالح جهات غير معلومة حسبما أفاد أحد النازحين.
 وقال جميع النازحين الذين التقيناهم عند توزيع المساعدات من قبل حرس المخيم غالبا ما يقومون برميها بشكل مهين من بوابات شاحنات النقل، كما أن بعض الحراس يعتدون على النازحين بالضرب ويقومون بكيل الشتائم لهم أثناء توزيع المساعدات.
الوافدون الجدد والنزوح المتكرر
 في ظل استمرار المعارك؛ يعاني أهل الموصل الأمرّين، إما البقاء في المدينة تحت وطأة القصف العشوائي والضربات الحوية والقتال العنيف، أو النزوح والمخاطرة بكل شيء.
 ومع ذلك يخاطر المدنيون بحياتهم على أمل الهروب من جحيم الحرب فيصطدمون بواقع مرير ينتظرهم حيث يواجهون إجراءات تعسفية معقدة عند حواجز التفتيش ولدى وصولهم مخيمات النزوح؛ بسبب فصل الذكور عن الإناث وتعرض الرجال والفتيان للإذلال والتهديد والاحتجاز.
 وافترش النازحون الجدد الأرض وباتوا في العراء؛ بسبب عدم وجود خيام كافية فضلا عن افتقار المخيمات لمستلزمات الحياة الضرورية، وأحصت منظمة الهجرة الدولية في إحدى جولاتها أكثر من (200) أسرة بدون خيام في مخيم الخازر، وما يعقد الأمور أكثر هو استمرار حركة نزوح بشكل كثيف.
 وقالت الأمم المتحدة إن فرص النازحين ضئيلة للحصول على الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية؛ ما يسبب نزوحا متكررا للعائلات بحثا عن الأساسيات الضرورية للحياة.
 وتظل حصيلة أعداد النازحين مفتوحة بسبب استمرار المعارك في الموصل، والقتال يعيق الجهود الميدانية لإيواء وإغاثة المدنيين الفارين، بحسب المفوضية السامية للاجئين.
نازحون ذوو إعاقة
 تسكن في المخيمات أعداد كبيرة من الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يحتاجون اهتماما خاصا من حيث توفير الأدوية والتجهيزات والملابس التي تعينهم على التعايش مع الحالات المختلفة التي يعانون منها فضلا عن تسهيل تنقلهم داخل المخيمات، التي يعد العيش فيها تحديا بحد ذاته يعاني منه ذوو الإعاقة الحركية وكبار السن خاصة مع غياب المرافق بسبب تغييب الرجال والشبان النازحين بعد احتجاز الآلاف منهم بالشبهة من قبل القوات الحكومية والميليشيات الطائفية، الذين ما يزال مصيرهم مجهولا.
الجانب التعليمي
الأطفال ضحايا الحروب هم الفئة الأكثر ضعفا التي تعاني من نقص المرافق الصحية والبنية التحتية والتعليم بعد وقوع المعارك، حيث لا توجد خطط لتوفير ولو الحد الأدنى من خدمات التربية والتعليم، والأطفال بلا مدارس منذ أكثر من سنتين والجهود في هذا المجال إن وجدت فهي فوضوية وتفتقر إلى أدنى حدود التنظيم والانضباط.
فصل الشتاء
تقع المخيمات في بيئة صحراوية قاسية وعرضة لهطول الأمطار الرعدية في هذا الوقت من السنة إلى جانب الرياح والبرد الشديد المصاحب لها خاصة خلال الليل، أما الخيام فإنها تبدو في حالة بائسة داخليا وخارجيا حيث يتساقط العشرات منها مع أولى زخات المطر، ولا يوجد في المخيم سوى مسارات ترابية موحلة تتناثر فيها أبنية بدائية قليلة جدا مشغولة من قبل الحراس والعمال القائمين على المخيم
 ومع دخول فصل الشتاء وتزايد أعداد نازحي الموصل؛ فإن الأزمة الإنسانية في المخيمات تتفاقم وسط غياب دور حكومي بالاستعداد لتلبية الاحتياجات الأساسية. وأدى البرد الشديد وانعدام الدواء إلى حالات وفاة نازحين سجلت في مخيم الخازر.
الجانب النفسي والاعتباري
 يصطدم النازحون بإجراءات تعسفية معقدة عند مداخل المخيمات وداخلها أيضا، التي تزيد من معاناتهم وتعمق شعور الصدمة واليأس لديهم، وقد عبر الجميع عن استيائه من عدم السماح لهم بمغادرة المخيم وسط النقص الحاد لضروريات العيش في تلك الأماكن وقولهم إن حالنا أشبه ما يكون بالسجن حيث فقدنا الشعور بالحرية.