في يوم حقوق الإنسان واقع مرير وأفق مظلم... د.أيمن العاني

 (هذا المقال يسلط الضوء على الحقوق غير القابلة للتصرف والمتأصلة لجميع مواطني العالم - في كل وقت وحين - تدور حول موضوعات صون الحقوق والحريات وأهمية العمل الذي لا يزال دون المستوى في تأمينها وضمان توفرها لبني الإنسان. وهي في جوهرها تتمثل في التحرر من الخوف، وحرية التعبير، وحرية العبادة والتحرر من العوز).

في العاشر من ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، يحتفل جميع الدول والمنظمات المعنية بيوم حقوق الإنسان. ويرمز هذا التأريخ لليوم الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1950 اثنتين من المعاهدات الدولية، وهما: القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الانسان اللذان مثلا العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية الثقافية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ونحن بدورنا ندعو الجميع، خاصة الدول الغربية الفاعلة، إلى الالتزام بالحريات الأربعة هي ذات الصلة المثبتة في المنطوق المنصوص عليه في هاتين المعاهدتين.

كان ذلك في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث أصبح العهدان جنبا إلى جنب مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بمثابة المظلة الدولية لحقوق الإنسان التي تحدد الحقوق المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي هي حق بالفطرة لجميع البشر.

ومنذ ذلك الوقت حدث تغيير أساسي في جميع أنحاء العالم من خلال الامتثال لهذين العهدين، خاصة في البلدان التي تعترف بحقوق الإنسان وسيادة القانون كأساس للمجتمعات المستقرة.

وبعد مرور ستة وستين عاما على إقرار اليوم العالمي لحقوق الإنسان، تعيش الكثير من شعوب العالم بلا حقوق ولا حريات غير مدركين بوجود المظلة الدولية لحقوق الإنسان بسبب غياب الإرادة الدولية الحقيقية بالنسبة للبلدان الفاعلة التي تتعامل مع القضايا الدولية بشكل انتقائي مقيت يعكس استمراء سياسة الكيل بمكيالين من قبل الدول التي تدعي التقدم والتطور وينم عن ظلم وجور مركبين تمارسه تلك الدول بحق شعوب مختلفة تعيش على وجه البسيطة التي لا يزال لديها الكثير لتفعله من أجل تمكينها لبناء المؤسسات السياسية والنظم القضائية، والاقتصادات التي تسمح للناس العاديين في العيش بكرامة. إن هذا النهج الانتخابي المعتمد من الجهات الغربية الفاعلة أدى إلى نمو خطير في خطاب الكراهية ضد الأقليات الدينية والعرقية، وتبرير انتهاكات حقوق باسم مكافحة الإرهاب، وسلب للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في صورة الأزمات أو مسمى الأمن الاقتصادي، فضلا عن عدم احترام الحق في الخصوصية في العصر الرقمي الذي نعيشه، ويتجلى هنا التنكر لأهمية هذين العهدين من قبل الدول الغربية نفسها التي وضعتهما وتعهدت بإنفاذهما، وعدم احترامها دون غيرها لهما.

أما بالنسبة لنا نحن العراقيين، فإننا بحاجة إلى هذين العهدين اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ فقد أعاد العدوان الأمريكي على العراق البلاد إلى العصور الغابرة، حيث برزت ظاهرة القتل الجماعي الطائفي ونزع الهوية بعد الاعتقال واعتماد شتى أساليب التعذيب الوحشي بشكل منهجي والقتل خارج القانون على نطاق واسع والجريمة السياسية والجريمة المنظمة.

وتعد أركان جريمة العدوان على العراق المادية والمعنوية ثابتة، والمتسبب بها هو الاحتلال الأمريكي-البريطاني والسلطات المرتبطة به وحكوماته المتعاقبة والمليشيات الطائفية التابعة لها وقياداتها وقوات الاحتلال الإيراني الجاثم على صدور العراقيين الذي أعقبه وأدواته السياسية، بوصف المذكورين فاعلين أصيلين أو شركاء في الجريمة، وكل من شارك أو ساعد أو شجّع أو سهّل الاحتلال الأمريكي للعراق وقتل وهجّر العراقيين لدواع سياسية وعسكرية وفق مخططات وبرامج أجنبية توسعية، وهذه الجريمة لا تسقط بالتقادم حسب اتفاقية (عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية) لعام 1968، التي أكّدت علي مسؤولية ممثلي سلطة الدولة والأفراد الذين يقومون بالمساهمة في ارتكاب أية جريمة من تلك الجرائم أو بالتحريض المباشر علي ارتكابها، أو الذين يتآمرون لارتكابها، بصرف النظر عن درجة التنفيذ، وعلي ممثلي سلطة الدولة الذين يتسامحون في ارتكابها، وقد تعهدت الدول الأطراف في هذه الاتفاقية باتخاذ جميع التدابير الداخلية، التشريعية أو غير التشريعية، اللازمة لكي يصبح في الإمكان القيام، وفقاً للقانون الدولي، بتسليم هؤلاء المجرمين لينالوا جزاءهم العادل، وقد خلف العدوان وآثاره مجازر إبادة العرب السُنّة في العراق، في تطهير طائفي وعرقي بشع؛ ما خلف أكثر من مليون شهيد عراقي، وما لا يقل عن مليون أرملة وخمسة ملايين يتيم، ونحو أربعة ملايين جريح وذي إعاقة، وما يقارب نصف مليون مغيب جرى إخفاؤهم قسريا، وأكثر من أربعة ملايين نازح قسرا داخل الوطن تم اقتلاعهم من جذورهم بالقوة وبالترهيب والتنكيل ضمن مخطط التغيير الديموغرافي لمدن العراق، ناهيك عن ما يقارب أحد عشر مليون عراقي أصبحوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة لأسباب منها فقدان وظائفهم وحقوقهم المدنية وتردي أحوالهم المعيشية والصحية في ظل انعدام الخدمات الأساسية، وانتشار الاوبئة والأمراض فضلا عن الجريمة المنظمة والمخدرات والإرهاب الدولي الوافد.

 

*مقال خاص بـ(الهيئة نت)