تقرير: الإفلات من العقاب يكرّس الجريمة في العراق

((إن استمرار الجهات الغربية الفاعلة بتقديم كافة أنواع الدعم إلى القوات الحكومية والميلشيات الطائفية في العراق والتغاضي عن انتهاكاتها وجرائمها بحق المدنيين؛ يكرس ثقافة الإفلات من العقاب)).

أساليب الجريمة

تعددت أساليب الجريمة التي تقوم بها القوات الحكومية بحق المدنيين في العراق بخلفيات طائفية ودوافع انتقامية؛ ولكن ما تداوله ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي يوم الجمعة الماضي تخطى حدود الوصف في البشاعة والدموية والسادية والشذوذ، الذي تضمنه تسجيل أظهر جنودا وهم يقومون بسحل طفل لا يتجاوز عمره 12 عاما ومن ثم وضعه أمام دبابة ليقوموا بقتله رميا بالرصاص قبل أن يطحنوا جثته تحت سرفة تلك الدبابة، وذلك في إحدى المناطق التي تخوض فيها القوات الحكومية معارك ضد (تنظيم الدولة) جنوب الموصل. والحقيقة القاسية وراء كل هذا الكم الهائل من الجرائم المروعة غير المسبوقة هي انتشار ثقافة الإفلات من العقاب في أوساط عناصر الأجهزة الأمنية الحكومية في العراق بعد الغزو الأمريكي-البريطاني للبلاد والاحتلال الإيراني الذي تبعه.

الحقائق على الأرض

إن الحقائق التي تتكشف يوما تلو آخر حول انتهاكات وجرائم القوات الحكومية في المدن والمناطق التي تدعي تحريرها، تظهر أمرين:

الأول: تأكيد ما وثقته المنظمات الدولية عن تورط القوات الحكومية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في العراق.

والثاني: حجم الغطاء الغربي وتسويغ الجهات الداعمة للحكومة في بغداد للجرائم التي ترتكب على الأرض بحجة محاربة الإرهاب المزعوم؛ ما جعل الجناة يتفاخرون باقترافها ولا يتوانى أحد منهم عن التصريح بها أو توثيقها حتى؛ غير آبهين لمآلاتها أو بما ينتظر الجاني من قصاص عادل ولو بعد حين.

جريمة الغزو

إن ما حدث في العراق بعد الغزو هو بحد ذاته جريمة قامت بها عدة أطراف، داخلية وخارجية؛ ولكن المساهمة الجنائية للجهات الغربية الداعمة للجناة على الأرض تعد أكثر أهمية من حيث توفير تلك الجهات لأدوات الجريمة وتقديمها الدعم اللوجستي المتواصل والمحاولات المستمرة لفرض سياسة الأمر الواقع على الشعب العراقي، وبالخصوص (السُنّة) الذين أصابهم ظلم مركب وما يزال يصيبهم من شواظ ذلك الغزو الكثير.

تقارير دولية

وجاء تقرير منظمة العفو الدولية قبل أيام ليؤكد على حقيقة مهمة جدا طالما نفاها أمراء الحرب في العراق؛ ألا وهي أن انتهاك حقوق المدنيين وعمليات تعذيب المعتقلين وقتلهم عمدا من قبل القوات الحكومية لم تكن حالة فردية قام بها عناصر أو جنود وحدة عسكرية غير منضبطة، كما يدعي هذا المسؤول أو ذاك دائما بالتزامن مع فضح بعض الفظائع التي تطال المدنيين العزل في مناطق القتال؛ وإنما هي حالات شائعة تحدث بشكل ممنهج ترتكب خلالها جرائم على نطاق واسع على أيدي ضباط كبار في الجيش الحكومي؛ بدليل توثيق المنظمة مشاركة ضابط كبير في عملية تعذيب محتجزين قبل أن يتم قتلهم من قبل العناصر المتواجدين في مسرح الجريمة؛ في واقعة معروفة وردت في تقرير المنظمة نفسه الذي خص بلدتي الشورة والقيارة جنوب الموصل، والذي أشار إلى إعدامات على يد الشرطة الاتحادية بحق النازحين من مناطق نعناعة ورصيف ونص تل وعداية بمشاركة ضابط كبير يمثل ما تسمى (قيادة عمليات تحرير نينوى) في ممارسات القتل والتعذيب في أواخر شهر تشرين الأول المنصرم؛ قتل عمد بعد تعذيب وضرب بالكوابل وأعقاب البنادق، فضلا عن اللكمات والركل وكيل الشتائم للنازحين بعبارات طائفية، واتهامهم بالوقوف مع (تنظيم الدولة)، وكل هذه الممارسات تجري بعد فصل النساء عن الرجال المدنيين -بحجة إجراء ما يسمى (الفحص الأمني)- واختطافهم إلى مناطق مجهولة.

التعامل مع الشكاوى

وعليه طالبت منظمة العفو الدولية السلطات في العراق بالتحقيق بشكل عاجل ومستقل في هذه الجرائم؛ مطالبات قوبلت بالانكار والمهاجمة من قبل رئيس الحكومة في بغداد -الذي تعهد في مناسبات سابقة عديدة بمنع حدوث أي تجاوزات- ورفضه المعلومات الواردة في تقرير المنظمة سلفا دون تحقيق أو تثبت؛ وردة الفعل هذه تُظهر مدى عدم الاستجابة لشكاوى المنظمات الدولية والأممية بخصوص انتهاكات حقوق المواطنين والتعذيب والقتل العمد والاعدامات الميدانية على أيدي قوات الحكومة وميليشياتها، ونداءات تلك المنظمات ومطالباتها لإجراء تحقيقات فورية وشفافة لإنصاف الضحايا من أبناء الشعب العراقي الذين من المفترض أن تكون حكومتهم هي أول من يهتم لأمر هذا الشعب المقهور والسباقة في احترام حقوق الإنسان والحريات العامة وإنفاذها.

الحبل على الغارب

إن إطلاق يد مليشيات الحشد الشعبي الطائفية لتعيث تهجيرا وقتلا وحرقا وتدميرا في مناطق عدة من العراق وليس آخرها مدينة الموصل وما حولها؛ يجعل الحكومة في بغداد ومن يدعمها طرفا راعيا لما يجري ومحرضا عليه؛ بل يجعلها الشريك الأول فيما يجري بحق السكان المحليين الضعفاء في مناطق النزاع، الذين لا يملكون من الأمر شيئا.

الترهيب والإزاحة

وحسب شهود عيان من مناطق جنوب وجنوب غرب الموصل، فإنه تم حرق وهدم منازل المئات من العوائل الآمنة في أكثر من 80 قرية ونهب ممتلكات السكان هناك وتجريف بساتينهم من قبل مليشيا الحشد بعد نزوح أهلها عنها جراء تعرض تلك المناطق لقصف مدفعي عنيف من قبل تلك المليشيات الوقحة على مدار أيام طوال؛ ما اضطرهم إلى ترك منازلهم وما يملكون وراء ظهورهم لإنقاذ ما يستطيعون إنقاذه من أهلهم وأطفالهم؛ كل هذا هو وجه خطير آخر لاستراتيجية الترهيب والإزاحة التي تعمل عليها الحكومة في بغداد تنفيذا لبرامج وخطط باتت لا تخفى على أحد.

شاهد آخر

والشاهد الآخر على منهجية هذه الانتهاكات والجرائم البشعة التي ترتكبها قوات الحكومة الطائفية والمليشيات المدعومة من إيران التي تطال المدنيين في العراق؛ هو تكرارها في جميع المدن والبلدات والقرى التي كان (تنظيم الدولة) يسيطر عليها حيث تعرض السكان بعد استعادتها للخطف والاحتجاز ولشتى أساليب التعذيب والقتل العمد بحجة الاشتباه بانتماء بعضهم للتنظيم، وهذه التهم والافتراءات أصبحت جاهزة تجري على لسان أصغر عنصر من عناصر تلك القوات المشتركة فضلا عن كبيرهم.

إبادة جماعية

يطلق اسم الإبادة على سياسة القتل الجماعي المنظمة ـ عادةً ما تقوم بها حكومات ـ ضد جماعة أو مكون معين على أسس قومية أو اثنية أو عنصرية أو دينية أو طائفية. وحسب القانون الدولي، فإن استهداف المدنيين وتنفيذ جرائم قتل جماعي منظمة بحقهم من قبل القوات الحكومية والمليشيات المساندة لها، هي جرائم إبادة جماعية واضحة ترتكب اليوم في العراق أمام مرأى ومسمع الأمم المتحدة التي اكتفت بالتعبير عن القلق والقلق العميق وليس غير القلق.

وعلى الرغم من إقرار عدد من المنظمات الدولية بما يجري ووصفه وصفا قانونيا دقيقا، ومن ذلك ما قالته منظمة العفو الدولية في أحدث تقاريرها: ((إن القتل العمد للأشخاص العزل من قبل القوات الحكومية يعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي؛ وعلى الحكومة في بغداد إجراء تحقيقات عاجلة لمعرفة الضحايا ومحاسبة المجرمين)).

وأكدت المنظمة أن لديها وثائق وشهادات تدل على تعرض أعداد من المدنيين جنوب الموصل للتعذيب بوحشية على أيدي قوات الأمن الحكومية قبل أن يتم قتلهم بما يشبه الإعدام رميا بالرصاص؛ في جرائم نكراء ترتكبها تلك القوات بحجة محاربة (تنظيم الدولة).

وأشارت العفو الدولية إلى امتلاكها أدلة دامغة على قيام القوات الحكومية في العراق بتنفيذ عمليات الاعدام بحق مدنيين فرّوا من القتال بمجرد الاشتباه بانتمائهم للتنظيم.

أبشع الجرائم

أما بالحديث عن أبشع جرائم القوات الحكومية وأكثرها وحشية وسادية، المتمثلة بسحل طفل وإعدامه بطريقة مروعة فإن هذا يعكس ترسّخ ثقافة الإفلات من العقاب في أذهان الجناة بحيث فعلوها بافتخار لأنهم واثقون بأنها ستمر دون حساب، وستكذب الجهات الحكومية هذا التسجيل وتدعي فبركته من قبل (تنظيم الدولة) وعدم صحته بالنتيجة.

وبالنظر إلى توثيق جريمة قتل طفل بهذه الفظاعة توثيقا كاملا من قبل الجناة أنفسهم؛ فإنه يجعلها قضية قتل عمد دبر لها القتلة وخططوا لها قبل الشروع بها؛ ما يستوجب القصاص العادل إن كانت هناك منظومة عدالة حقيقية في العالم.

الرغبة في القتل

إن حدوث هكذا جرائم شنيعة بين فينة وأخرى وما يجري خلالها من قتل للمدنيين بطرق مثيرة للاشمئزاز في مناطق عدة من العراق على أيدي قوات الحكومة الطائفية والمليشيات التابعة لطهران؛ يُظهر الرغبة في القتل المتأصلة في نفوس عناصر تلك القوات. حيث إن استمرار دعم قوات الحكومة الطائفية في بغداد من قبل الجهات الغربية الفاعلة وتغاضيها عن الجرائم التي ترتكبها تلك القوات ضد المدنيين يجعل الأخيرة شريكا أساسيا في هذه الجرائم.

شريك في الجريمة

يعد الغرب شريكا في الجريمة لأنه يعلم بالوقائع على الأرض ويستطيع التعرف على الضحايا فورا والتحقيق بسرعة لكنه فشل في ذلك مقصرا أو قاصدا.

وهنا لا بد للإشارة إلى أن مسؤولية الشريك في جريمة القتل تتساوي مع مسؤولية الفاعل لارتباطهما بفعل واحد يعاقب عليه القانون؛ ولا تتنوع المسؤولية في حالة القتل على اساس اختلاف الأدوار.

حجج وذرائع شتى

ومن الجدير بالذكر أنه بحجج كثيرة من بينها محاربة الإرهاب وذرائع شتى منها الاشتباه بالانتماء للتنظيم؛ تحول العراق إلى سجن كبير ترتكب فيه القوات الحكومية ذات التسليح الأمريكي والمليشيات الطائفية ذات التسليح الإيراني، أبشع الجرائم وأكثرها وحشية بحق الاطفال والشيوخ والنساء في العراق ما بعد الغزو دون رادع ولا حساب.

أسئلة قائمة

وأخيرا، تظل هنالك بضعة أسئلة قائمة عن السبب الذي تحظى به المليشيات الطائفية في العراق بقبول في الأوساط الغربية؛ ولماذا يتناسى الغرب سجل تلك المليشيات الحافل بالجرائم والانتهاكات ضد المدنيين العزل؟ ولماذا تضع أميركا والدول الغربية يدها بيد منظمات تدرجها دول أخرى في قائمة الإرهاب؟

قسم حقوق الإنسان

16/11/2016