تقرير: النزوح القسري .. عقاب جماعي وجريمة حرب

تسببت الحرب الدائرة في العراق بنزوح وتشريد ملايين المواطنين عن مناطق القتال جراء استمرار القصف العشوائي والضربات الجوية المكثفة على الأحياء المأهولة بالسكان، والحصار الخانق الذي يُفرض على مدنهم وبلداتهم، دون أن يكون لهذه الحرب العبثية هدف واضح تسعى إلى تحقيقه سوى تدمير المدن بنسب وصلت إلى (%90) في عدد منها، وتحويل البنية التحتية فيها إلى أطلال، والترحيل القسري والإبعاد المتعمد للسكان الأصليين من مناطق بعينها في العراق، ضمن مخطط يرمي إلى إحداث تغييرات ديموغرافية في تلك المناطق للإجهاز على ثقل مكون أساسي من مكونات الشعب العراقي؛ بحجة محاربة الإرهاب وإلصاق التهم الجاهزة بأهلها الآمنين واعتقالهم أو خطفهم وإخضاعهم لشتى أساليب التعذيب الوحشي، ومن ثم المساومة عليهم أو قتلهم ورميهم في قوارع الطرقات أو في أي مكان آخر أو دفنهم أحياء حتى؛ وكل هذه الانتهاكات والجرائم تجري بخلفيات طائفية ودوافع انتقامية باتت لا تخفى على أحد.

أوضاع التشرد

يبلغ عدد النازحين قسريا داخل العراق اليوم نحو (3.6) مليون نسمة، جلّهم من العرب (السُنّة) من محافظات: بغداد وبابل وديالى وصلاح الدين والانبار ونينوى، ومن المرجح أن ينضم إليهم أكثر من مليون نسمة آخرين ممن سيضطرون إلى الفرار من الموصل؛ ويسكن هؤلاء النازحون في 78 مخيما منتشرة في أنحاء مختلفة من العراق، فضلا عن أكثر من 400 مجمعا سكنيا غير مكتمل البناء أو في مخيمات داخل مخيمات. وتفتقر هذه المخيمات عموما إلى أبسط الضروريات الأساسية للعيش ولا سيما المخيمات القريبة من العاصمة حيث ينعم سكان المنطقة الخضراء بما لذ وطاب؛ بينما يواجه النازحون صعوبات الحياة إلى حد دفع عددا منهم إلى الانتحار بطرق بشعة؛ وأصبحت رائحة الموت تفوح من تلك المخيمات خاصة مع شح الغذاء والدواء ومقومات الحياة الأخرى، فضلا عن تقلبات المناخ في بيئة صحراوية قاسية.

تخوفات جدية

بعد الإعلان عن بدء معركة الموصل، باتت وكالات الإغاثة تسابق الزمن للتحضير لما يتوقعون أنه سيكون أكبر أزمة إنسانية في الذاكرة الحديثة، حيث يتوقع اضطرار أكثر من مليون شخص للنزوح عن المدينة خلال مدة زمنية قليلة بعدما شن الجيش الحكومي وحلفاؤه الأجانب عملية عسكرية للاستيلاء على المدينة.

وهنالك تخوفات جدية بأن تنتهي معركة استعادة الموصل الجارية إلى كارثة إنسانية كبيرة لا مثيل لها في البلاد؛ ومجازر دموية انتقامية تطال المدنيين العزل داخل المدينة ذات الكثافة السكانية العالية التي تمثل العشائر العربية الأصيلة نسبة الغالبية العظمى منها؛ نظرا للسجل الإجرامي الحافل بالانتهاكات وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، بخلفيات طائفية ودوافع انتقامية، التي ارتكبتها قوات الجيش الحكومي، ومليشيات الحشد، وقوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في مناطق ادعت تحريرها من (تنظيم الدولة) سابقا والشواهد على ذلك كثيرة وموثقة من جهات ومنظمات دولية مختصة.

تدفق النازحين

شهدت الأيام القليلة الماضية أكبر موجة نزوح منذ بدء معركة الموصل، حيث فرّ نحو 34000 شخص حتى الآن من المدينة وما حولها هربا من القصف العشوائي المكثف والضربات الجوية المستمرة وخوفا من تعرضهم لانتهاكات مختلفة كـ القتل أو الخطف والتعذيب على أيدي القوات الحكومية والمليشيات، واتجه معظمهم شرقا، والنازحون في المخيمات يفترشون الأرض ويبيتون في العراء؛ بسبب عدم وجود خيام كافية تظلهم، فضلا عن افتقار تلك المخيمات لأبسط مستلزمات الحياة الضرورية؛ ما اضطر الأمم المتحدة إلى فتح مخيم جديد لاستيعاب أعداد النازحين الكبيرة الذين أجبروا على ترك منازلهم خلال يوم الجمعة الماضي حيث وصلت مؤخرا 1070 أسرة مغلوب على أمرها إلى مخيم (حسن شام) الذي يستطيع إيواء 1.8 ألف أسرة؛ ما يفاقم الأوضاع الإنسانية ويدعو إلى توفير إمدادات عاجلة لمساعدة النازحين في محنتهم.

واقع مرير

بين ليلة وضحاها، بدأت أعداد غفيرة من النازحين، جلهم نساء وأطفال، النزوح عن الموصل حيث شهدت المدينة نزوحا كبيرا وسريعا بسبب اشتداد المعارك وكثافة القصف؛ لكن النازحين يحبطون عند وصولهم إلى المخيمات جراء الشطط في استعمال السلطة من قبل الحكومة؛ حيث يواجه النازحون إجراءات معقدة عند مداخل مخيمات النزوح بشبهة الانتماء لـ(تنظيم الدولة).

وحدثت انتهاكات صارخة لحقوق نازحي الموصل من قبل القوات الحكومية ومليشيا الحشد في مخيمات النزوح، حيث تعرضوا لإجراءات تعسفية وإذلال متعمد، وتم فصل الذكور عن الإناث وتعرض الرجال والفتيان للتهديد والاحتجاز دون أدلة واضحة؛ ما يثير المخاوف بشأن وقوع هجمات انتقامية على نطاق واسع داخل المدينة، وتشير التقارير إلى حالات ترقى أن تكون جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت بحق المواطنين العزل عند نقاط التماس مع القوات الحكومية والمليشيات المساندة لها.

إعدامات ميدانية

قالت (منظمة هيومن رايتس ووتش)، في أحدث تقرير لها: إن الفارين من مدينة الموصل يواجهون إعدامات ميدانية، وحجز تعسفي، وإهانات على حواجز التفتيش التي تقيمها القوات الحكومية ومليشيا الحشد المساندة لها، حيث توجد قوائم خاصة بأسماء أشخاص مشتبه بانتمائهم إلى (تنظيم الدولة) اعتمد منظموها في إعدادها على تصفية حسابات قديمة، وتتهم المنظمة القوات الحكومية وعناصر المليشيات بقتل النازحين ممن وردت أسماؤهم في تلك القوائم عند وصولهم نقاط التفتيش الحكومية خارج نطاق القانون ودون محاكمات، فضلا عن تنفيذ إعدامات ميدانية للمدنيين الفارين من جحيم القتال في الموصل بدوافع انتقامية[1].

والمقابلات والمحادثات التي أجرتها المنظمة مع عدد من الرجال والنساء الفارين من المدينة -وجميعهم قالوا إنهم خضعوا للتفتيش في حواجز أمنية يسيطر عليها الجيش العراقي وقوات البشمركة- تقدم أدلة على أن هناك مواطنين تعرضوا للفحص الأمني واعتُقلوا تعسفا، وتعرضوا لسوء المعاملة، وواجهوا انتهاكات أكثر خطورة.

حصيلة مفتوحة

تظل حصيلة أعداد النازحين مفتوحة بسبب استمرار المعارك في الموصل، وقد اعلنت المنظمة الدولية للهجرة في أحدث إحصائية لأعداد النازحين من الموصل وضواحيها، ان عدد النازحين منذ بدء المعركة تجاوز 34000 نازح منهم 13000 فرد تركوا منازلهم مؤخرا خلال الأيام القليلة الماضية، وقد يضطر مليون شخص لا يزالون داخل الموصل للنزوح وترك منازلهم إذا تفاقمت الأوضاع الإنسانية أكثر داخل المدينة.

من جانبها قالت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة: ((لاحظنا تزايدا في أعدادا النازحين في الأيام الماضية ونتوقع أن تستمر وتيرة التدفق على هذا النحو في الأيام القليلة المقبلة)).

وقالت المفوضية أيضا إنه لا تزال الاستجابة لإغاثة أهالي الموصل أقل من المطلوب بكثير، وإن المبلغ المطلوب الآن بشكل عاجل هو 60 مليون دولار أمريكي، لتوفير مستلزمات الشتاء العاجلة للأسر التي نزحت من الموصل خلال الأيام الماضية، وكذلك لتأمين حاجة الذين قد ينزحون في الأيام المقبلة بسبب تصاعد حدة المعارك الجارية في المدينة.

فهل يعقل أن هذا المبلغ البسيط لا تستطيع الحكومة في بغداد توفيره لإغاثة نازحي الموصل أم أن التمييز الطائفي الذي اعتادت الحكومة على تطبيقه في مناطق أخرى ادعت تحريرها من تنظيم الدولة كما حدث في بابل وديالى والانبار وصلاح الدين وغيرها، هو وراء الصمت الحكومي المطبق حيال الموضوع.

لا نجد غير الخبز

يواجه الأهالي، الذين تركوا منازلهم وكل ما يمتلكون وراء ظهورهم هربا من جحيم القتال، ظروفا معيشية صعبة خلال رحلة نزوحهم وعند وصولهم إلى مخيمات النزوح حيث لا ماء ولا غذاء ولا دواء فهم بالكاد يجدون قوت يومهم وما يسدون به جوع أطفالهم غير الخبز؛ هذا ما قالته إحدى النازحات من مدينة الموصل الساكنة في مخيم (الخازر) تعبيرا عن حالة الحاجة التي يعيشونها في مخيمات تفتقر لأبسط الضروريات الأساسية للحياة.

مخيمات بلا مقومات

إن موجات النزوح المستمرة وازدياد أعداد النازحين بشكل غير مسبوق، وتوجه معظم النازحين من الموصل مؤخرا في رحلة نزوحهم نحو جهة واحدة شرقا طلبا للأمان ولصون كرامتهم وحياة أسرهم وأطفالهم وعند وصولهم إلى المخيمات التي تم إرشادهم عليها يتفاجؤون بعدم توفر خيم تكفيهم فيضطر الآلاف منهم إلى افتراش الأرض لأيام طويلة والمبيت في العراء في هذه الليالي شديدة البرودة دون سقف يأوون إليه حتى لو كان سقف خيمة رخص، وهذا الأمر حصل في الأيام القليلة الماضية عندما نزح أكثر من 11 ألف شخص خلال يومين فقط؛ وهذا ما لم تكن مهيأة له الأمور في المخيمات من قبل القائمين عليها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] http://www.hrw.org/ar/news/2016/11/03/296118