متى تُحاسب المليشيات في العراق ؟!! ... د. أيمن العاني

 (في اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين نجد أن المسكوت عنه إخباريا وحقوقيا ودوليا بدرجة كبيرة هو ما تناقلته تقارير موّثقة بشأن عمليات خطف وقتل جماعي وترويع للمدنيين بأيدي ميليشيات طائفية مسلحة في العراق، ومباركة حكومية في مناطق بات الجيش يسيطر عليها جنبًا إلى جنب مع الميليشيات المدعومة من إيران).

 يعاني العراق ما بعد الغزو من موجات عنيفة من الصراعات السياسية والنزاعات المسلحة والحروب النفسية والعسكرية وظهور المليشيات الطائفية والمجاميع المسلحة، التي نتج عنها ألوان من الخوف والجوع وسَفك الدماء، ونقص من الأموال والأنفُس والثمرات؛ ما كان سببا لاختلالات ظاهرة في مقتضيات الأمن الاجتماعي، الذي أصبح تحقيقُه والحفاظُ عليه يُشكِّل الهاجس الأكبر في حياة الأفراد والمجتمع العراقي؛ فبدونه لا يستطيع المجتمع من أن يعيش حياةَ الهدوء والاستقرار والعمل المُنتج البنّاء، ولا يأمَن الفرد على نفسه وأُسرته ومعيشته.

 ودأب الاحتلالان -الأمريكي والإيراني- للعراق على تأسيس ميليشيات طائفية والتشجيع على نموها وتعاظم أمرها مع ضمان عدم خضوعها للمساءلة، ومن ثم التقاعس عن منع ارتكاب عمليات القتل غير المشروع والاختطاف والتعذيب التي ترتكبها هذه الميليشيات وثقافة إفلات الجناة التام من العقاب وعدم توفير سبل تكفل الإنصاف لضحاياها متى ما وقعت، وهنا لا بد للإشارة إلى الدور الحكومي الداعم لهذه المليشيات والمتواصل بالعمل معها على درجة عالية من التعاون والتنسيق المعلن وغير المعلن، وما تزال تعيث في العراق فسادا وخطفا وقتلا وتنكيلا وتهجيرا وتفجيرا وحرقا وتدميرا.

وبالرغم من أن الدستور العراقي يحمي حريات الرأي والتعبير، فإن الوضع الأمني غير المستقر يقوض الكثير من الحماية القانونية للصحافيين؛ وإن العاملين في قطاع الإعلام -كأحد قطاعات المجتمع في العراق- ما زالوا يواجهون مخاطر هائلة وتحديات جمة في جهودهم لتغطية الأخبار ونقل حقيقة ما يجري على الأرض من خلال جلب المعلومات للجمهور ونشر التقارير والمواضيع الخاصة والعامة -مع كل ما فيها من محاباة للطرف الأقوى-؛ ما جعل البلاد إحدى أخطر الأماكن في العالم بالنسبة للعاملين في الحقل الإعلامي وبقية الحقول الأخرى أيضا، وإن التوترات السياسية والصراع الدائم على السلطة حدد بشدة من قدرة العاملين في هذا المجال على القيام بتغطية صحفية مستقلة، وجعلهم عرضة للاعتداء والتحرش والتهديد والهجمات الانتقامية التي قد تودي بحياتهم؛ وتشير التقارير إلى مقتل أكثر من 360 صحافي وإعلامي في العراق منذ 2003؛ في المتوسط مقتل 30 صحافيا كل عام. وإن الإفلات من العقاب يؤدي إلى المزيد من أعمال القتل وغالبا ما تكون السبب هو تفاقم الصراع السياسي وانهيار أنظمة القانون والعدالة. وحذرت منظمة اليونسكو مرارا وتكرارا من أن الأضرار الناجمة عن الإفلات من العقاب مجتمعات بأكملها من خلال تغطية على الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والفساد والجريمة. وتطالب منظمات حقوقية دولية وأممية الحكومة في بغداد والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، وجميع الأطراف المعنية لدعم سيادة القانون على المشاركة في الجهود العالمية الرامية إلى إنهاء الإفلات من العقاب.

أصبح العراق إبان الاحتلال وما يزال ساحة لجرائم متواصلة ترتكبها المليشيات الطائفية المدعومة من إيران وقوات الأمن الحكومية بمختلف مسمياتها، تستهدف كل من يقف في طريق مشروعها التوسعي أو يحاول فضح الحقائق والعناوين أو يعرقل تنفيذ أجندتها المقررة من قبل طهران بمباركة الجهات الغربية الداعمة للحكومة في بغداد، بحجة محاربة الإرهاب، متنكرين لأبسط حقوق الإنسان، وإن خطورة مثل هذه القضايا لا تكمن في تفاصيلها فقط بقدر ما تشير إليه هذه الأعمال غير الإنسانية من أنها جرائم منظمة تنفذها عصابات بغطاء من الأجهزة الحكومية وبدعم دولي، ضمن مخطط يسعى الى تكميم الأفواه وقتل الرسول بعد أن عجزوا عن قتل الرسالة وبث الخوف والترهيب بين صفوف العاملين والمهنيين في الوسط الإعلامي. وان هذه الجرائم بحد ذاتها، هي جريمة صارخة ضد الإنسانية ومن الأفعال المحظورة في جميع القوانين الدولية والإنسانية.

لقد ارتكبت القوات الحكومية والمليشيات المساندة لها -المدعومة إقليميا ودوليا- جرائم قتل وتهجير واخفاء قسري وإبعاد متعمد للسكان الأصليين من مناطق سكناهم ضمن مخطط استيراتيجي يرمي إلى ترهيب المدنيين الآمنين والتضييق على من تبقى منهم بغية إزاحتهم من موطن آبائهم وأجدادهم؛ وكل هذا يجري بحجة محاربة الإرهاب والتهم جاهزة لاستباحة المواطنين واعتقالهم أو خطفهم وإخضاعهم لشتى أساليب التعذيب الوحشي ومن ثم المساومة عليهم أو قتلهم ورميهم على قوارع الطرقات أو دفنهم أحياء؛ وإن هناك وقائع وحقائق عن محاولات جرت في بغداد وبابل وديالى وصلاح الدين والانبار بشأن إحداث تغييرات للتركيبة السكانية في تلك المناطق وإنهاء وجود مكون أساسي من مكونات الشعب العراقي في البلاد؛ وكل هذه الفظائع والجرائم تجري بخلفيات طائفية ودوافع انتقامية لا تخفى على أحد.

واتهمت عدة منظمات حقوقية دولية وأممية -وفقا لشهادات ذات مصداقية وأدلة معتبرة وموثقة بشكل مهني- القوات الأمنية الحكومية والمليشيات الطائفية في العراق بارتكاب انتهاكات ترقى لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بخاصة القتل على نطاق واسع من قبل الميليشيات الشيعية وتورط مفضوح للأجهزة الأمنية الحكومية فيها وتتحمل السلطات الحكومية جزءا كبيرا من المسؤولية عن الجرائم التي يرتكبها عناصر تلك الأجهزة والمليشيات؛ لأنها تشجعها وتسمح لها بالتحرك في إطار قانوني؛ ولكن يبقى الإفلات من العقاب وعدم محاسبة المجرمين والجناة السمة الأبرز لأداء منظومة العدالة في العراق ما بعد الغزو.