ميسان .. كارثة تهدد الإنسان والبيئة

ميسان هي إحدى محافظات جنوب العراق الحدودية مع إيران، مركزها مدينة العمارة الواقعة على نهر دجلة.
وتتألف محافظة ميسان من خمسة أقضية فضلًا عن المركز (قضاء العمارة) وهي: (علي الغربي، والميمونة، والمجر، وقلعة صالح، والكحلاء)، فضلًا عن تسع نواحي هي: (علي الشرقي، وكميت، والمشرح، والسلام، والخير، والعدل، وبني هاشم، والعزير، وأحمد الرفاعي)، وهي مناطق ذات طابع ريفي تتخللها المسطحات المائية (الأهوار)، وتقطنها العديد من القبائل العربية الأصيلة، ويقدر عدد سكان هذه الأقضية مع النواحي والقرى التابعة لها بأكثر من مليون نسمة.
وتُعد ميسان من أغنى مدن العالم بالنفط الخام، حيث يقدر المخزون النفطي في حقولها بحوالي (47.714) مليار برميل من إجمالي مخزون النفط العراقي الذي يقدر بـ (115) مليار برميل نفط خام، فضلًا عن (175) مليار متر مكعب من الغاز من مجموع (110) تريليون متر مكعب من الغاز في العراق.

مدينة الذهب تطمرها النفايات
تعود أزمة القمامة في (مدينة العمارة) مركز المحافظة وغيرها من المدن العراقية، إلى أسباب عدة أهمها توقّف عمّال النظافة عن رفعها لعدم تسلمهم الرواتب الشهرية لقاء عملهم، وتتفاقم الأزمة كثيرًا مع ارتفاع درجات الحرارة ولا سيما في مناطق جنوب العراق.
ويعاني عدد كبير من الأحياء السكنية من القمامة المتراكمة أكثر فأكثر، ما يتسبب في أضرار صحية كثيرة، فضلًا عن وصول الروائح الكريهة إلى المنازل وإلى أنحاء مختلفة من الأحياء المكتظة بالسكان. وترك النفايات في المناطق السكنية لوقت طويل يؤدي إلى انتشار الأمراض والأوبئة عبر الجو أو بواسطة الحشرات، ناهيك عن تشويه الشوارع الرئيسة، لا سيما أنّ السكان وأصحاب المحلات يضعون أكياس القمامة على الأرصفة في وسط الطرقات، وتلك الأرصفة هي أكثر الأجزاء لفتاً للنظر في المحافظة.
ويشتكي المواطنون في المدينة من الحشرات والقوارض والفئران التي غالباً ما يتسبب تجميع القمامة في أزقة وشوارع الأحياء المأهولة بالسكان في انتشارها، فيما لا تتوفّر مبيدات لمكافحتها بسبب لا مبالاة المجلس المحلي؛ ناهيك عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة، والتداعيات الناتجة عن توقف عمّال النظافة وآلياتهم عن العمل، مما يجعل أمور المحافظة مقلقة وخطيرة، ويناشد أهالي المدينة المنظمات الإنسانية مساعدتهم عبر إدخال المبيدات لكيلا تتفاقم المشكلة أكثر.
ويقول (عباس قاسم) من سكان حي الغدير وسط مدينة العمارة: ((في ظل غياب الخدمات البلدية؛ اضطر المواطنون إلى حرق النفايات للتخلص منها بسبب تراكمها في الأزقة، وأشار إلى وجود حيوانات نافقة ضمن أكوام النفايات))، مما يجعل هذا الأمر فيه مخاطر كبيرة على الصحة والبيئة.

بلدية بلا نفقات ولا آليات
تعاني مديرية بلدية العمارة من قلة التخصيصات المالية، وعدم امتلاكها للآليات الضرورية للقيام بواجباتها تجاه المدينة، وإن أغلب عمّال النظافة تركوا العمل بسبب عدم صرف رواتبهم أشهرا عديدة، فضلاً عن الفساد المالي والإداري المتجذر في جميع الدوائر والمؤسسات الحكومية.
ويصف عضو مجلس محافظة ميسان (محمد مجيد شويع الحلفي) الوضع في المحافظة جرّاء تكدس النفايات بـ(المأساوي)، لأن الإجراءات المتبعة من قبل وزارة البلديات في ملف التنظيفات (ترقيعية) ودون المستوى المطلوب، وقال: ((إن الأزمة المالية تسببت بتعطيل المشاريع الخدمية وأسهمت في زيادة معدلات البطالة، فضلاً عن تعطيل ملف التنظيفات ورفع النفايات من أحياء ومناطق المحافظة)).
وطالب ناشطون في مجال البيئة في وقت سابق وزارة البلديات بالتدخل لحل مشكلة مشروع التنظيفات، محذرين من أن المحافظة باتت مهددة بكارثة بيئية محتملة في حال بقاء الوضع على ما هو عليه.

مخلفات الحروب ومخاطر الإشعاع
تتعامل الحكومة المحلية في محافظة ميسان مع مخلفات الحروب السابقة بطريقة تثير تساؤلات عن جدوى وجود موقعَيْن لطمر تلك المخلفات أحدهما يقع في مدينة العمارة.
ورغم الخطورة التي يشكلها الموقعان على حياة المواطنين من خلال التسبب بأمراض سرطانية نتيجة التعرض للإشعاعات الناتجة عنها، إلا أن الحلول لا زالت غير متوفرة.
وحذرت مديرية بيئة ميسان من مخاطر الإشعاعات الناتجة عن أطنان من مخلفات الحروب، التي قال عنها متخصصون في هذا المجال إنها تسببت بأضرار صحية بالغة يصعب معالجتها، خصوصًا تلك الموجودة في المنطقة الصناعية التي يتردد عليها المواطنون والأيدي العاملة في المحافظة.
ووفق إحصاءات مديرية صحة ميسان، فإن عدد المصابين بالأمراض السرطانية ارتفع ليصل إلى أكثر من (1000) إصابة، فيما سجلت المستشفيات خلال النصف الأول من العام الحالي (110) إصابات.
واستنادًا إلى تقارير صحفية ووثائق أعلنها البنتاغون، تؤكد أن القوات الأميركية خلفت وراءها نحو خمسة آلاف طن من النفايات الخطرة فضلًا عن (14,500) طن من الزيوت النفطية والأتربة الملوثة بالزيوت التي تراكمت على مدى سنوات تواجدها في العراق.

غياب الكادر الصحي
ناشدت مديرية صحة محافظة ميسان وزارة الصحة في بغداد توفير الكوادر الطبية الجراحية بمختلف الاختصاصات المفقودة، وكذلك الاختصاصات التي تؤثر في سرعة إسعاف المصابين، كأطباء الطوارئ وأطباء التخدير واختصاصيي أمراض القلب والأطفال والنسائية.
وعلى صعيد ذي صلة، فإن مديرية صحة ميسان ما تزال بانتظار تنفيذ وزارة الصحة لوعودها المتعلقة بالتعاقد مع شركات أجنبية لتحديث المختبرات التي توفر على المصابين عن عناء السفر إلى محافظات أخرى لإجراء التحاليل المرضية بمختلف أنواعها المهمة والحيوية.
وحسب مراقبين، فإن أهم أسباب غياب الكادر الصحي والأطباء منهم على وجه الخصوص هي عمليات الخطف والقتل والتهجير التي طالت الآلاف منهم على أيدي العصابات المسلحة والميليشيات الطائفية التي ظهرت على الساحة بعد غزو العراق، فضلًا عن هجرة أعداد كبيرة من العقول العراقية، ونخص بالذكر الجراحين والأطباء المعالجين، خوفًا من الاستهداف المتعمد والمصير المجهول الذي ينتظرهم في ظل حكومات الاحتلال المتعاقبة منذ 2003 وإلى اليوم.

تلوث المياه ومخاطره
تعاني ميسان، فضلًا عن تلوث الهواء نتيجة الدخان المتصاعد من معامل الطابوق، من ارتفاع نسبة التلوث في المياه، التي يعزوها خبراء في البيئة إلى طرح مياه الصرف الصحي (المجاري) دون معالجة في الأنهر وطرح مياه البزل من الأراضي الزراعية دون سيطرة، ناهيك عن قلة محطات الصرف الصحي في المحافظة.
ويترتب على تلوث المياه أخطار صحية واقتصادية جمة؛ فالمياه في هذه الحالة تشتمل على العديد من الملوثات الخطرة، سواء كانت عضوية أو مواد كيماوية، فضلا عن أنواع لا تعد من البكتيريا والميكروبات الضارة، فضلًا عن المعادن الثقيلة السامة.
وتطالب مديرية بيئة ميسان بزيادة تخصيصاتها المالية وعدد كوادرها؛ كي تتمكن من تغطية برامجها الوقائية في أقضية ونواحي المحافظة.

دفن نفايات نووية في العراق
توجد عدة تقارير ودراسات أشارت إلى قيام عدة دول صناعية بدفن نفايات نووية بشكل سري في صحراء العراق، حيث دفنت نفايات مُشعة قادمة من الولايات المتحدة، إبان الغزو الأمريكي عام 2003.
ويقال إنه تم إبرام مذكرة تفاهم بين وزارة العلوم والتكنولوجيا في العراق وبين الاتحاد الأوروبي سيجري بموجبها بناء مكب للنفايات النووية المشعة على أرض العراق، وسيمنح الاتحاد الأوروبي العراق مبلغ (2.6) مليون دولار لتصميم وتجهيز المكب، ولكن متى سينفذ وهل سيصل الفساد لهذه الأموال أم لا؟
وعبرت أوساط علمية وطبية عن قلقها ودهشتها من مذكرة التفاهم التي جرى توقيعها لبناء مكب نفايات نووية مشعة في العراق. وفيما حذرت تلك الأوساط من أنه لا توجد طرق آمنة لدفن هذا النوع من النفايات أو طريقة مضمونة لعزلها عن البيئة المحيطة وطالبت الحكومة بإلغاء الاتفاقية.
ونقل عن (صفاء الجيوسي) منسقة حملات الطاقة والمناخ في منظمة السلام الأخضر بالأردن، وهي خبيرة بشؤون الطاقة، قولها: إنه لا توجد طرق مضمونة لعزل هذا النوع من النفايات عن البيئة المحيطة، حيث تحتاج إلى مئات آلاف السنين لتصبح آمنة فضلًا عن إن كمية النفايات التي تنتج في كل خطوة من دورة الوقود النووي سواء كانت من استخراج اليورانيوم إلى تخصيبه ومن ثم تشغيل المفاعلات النووية هائلة وتأثيرها السام يستمر للأجيال القادمة.
وكان وزير العلوم والتكنولوجيا السابق (عبد الكريم السامرائي) قد وقع بتاريخ (20/12/2012) مذكرة التفاهم مع الاتحاد الأوربي ممثلًا بسفيرة الاتحاد السيدة (يانا هيباشكوفا)؛ بموجبها سيقوم الاتحاد الأوربي بتمويل مشروع خاص باختيار موقع لطمر النفايات المشعة في موقع التويثة، وهي بقايا المشروع النووي العراقي الذي كانت فرنسا تبني مفاعلاته (مشروع اوزيراك) والذي أطلق العراق عليه مفاعل تموز واحد، ومفاعل تموز اثنين. الذي تم إيقافه بشكل شبه كامل بعد تعرضه لضربة جوية شنها الكيان الصهيوني عام (1981)، وأطلق عليها اسم (عملية أوبرا)، في حين دمرت الولايات المتحدة الأمريكية أثناء حرب الخليج (1991) ما تبقى من المشروع.
وأكدت مصادر في وزارة العلوم والتكنولوجيا في العراق أن الوزارة وقعت الاتفاق بين العراق والاتحاد الأوروبي الذي يقضي بدفن نفايات نووية مشعة في الأراضي العراقية من غير أن تعرف خفايا الصفقة وخلفياتها وما الذي ستجنيه الحكومة العراقية من ورائها، فضلًا عن عدم نشر مراحل إنجاز هذا المشروع الذي مر عليه سنوات.

فساد حكومي لا أمل في إصلاحه
قامت الطبقة السياسية الحاكمة في العراق بنهب المال العام على مدى (13) عامًا مستغلة السلطة والنفوذ، وعندما بدأت أسعار النفط تنخفض مؤخرًا -وتؤثر هي الأخرى على موارد الدولة-، تلاشت كل الآمال في تحسن الأحوال عامة وفي المحافظة خاصة.
والفساد في العراق ليس حالة استثنائية بل طابع عام، ويقاس حجم صفقاته بمليارات الدولارات وهو من فعل وتدبير كبار المسؤولين والساسة ممن يدّعون أنهم يمثلون الشعب! وليس الفساد في بلاد الرافدين جرّاء إساءة استعمال السلطة للحصول على مزايا شخصية كما تقول عنه منظمة الشفافية الدولية؛ إنما من خلال توظيف السلطة لممارسة الفساد وتوظيف الفساد لبلوغ السلطة.
وسبب الفساد الرئيس في العراق ما بعد الغزو هو فساد الطبقة السياسية الحاكمة والمتنفذة فهي المحتكرة لهذا النوع من النشاط السلبي في البلاد، وهو يختلف عن حالات الفساد في دول أخرى من أوجه عديدة، وأهم تلك الاختلافات هي من حيث الموقف منه؛ ففي العراق يعد الفساد نهجًا متبعًا لا ينكره أحد ولا يخجل منه أو يحاول إخفاءه؛ بل على العكس من ذلك نجد كثيرا من الفاسدين يتشدقون به.