تقريـر: حزام بغداد .. مسرح الجرائم ضد الإنسانية

تسمى الأقضية الستة التي تحيط بالعاصمة العراقية بـ (حزام بغداد)، وهي مناطق ريفية تقطنها العديد من القبائل العربية الأصيلة، ولها أهمية إدارية كونها تربط بين أربع محافظات هي بغداد وصلاح الدين وديالى والأنبار، وتحوي مناطق الحزام شبكات طرق رئيسية تطوق العاصمة ضمن دائرة نصف قطرها حوالي 40 كم، ويمر فيها عدد من الأنهار والجداول الكبيرة، وتوجد فيها خطوط ووسائل نقل واتصالات أخرى، مما يجعلها من المناطق الحيوية في البلاد.

ويمكن تقسيم مناطق الحزام إلى أربعة أجزاء: شمال شرق وجنوب شرق وجنوب غرب وغرب شمال العاصمة بغداد، وتشمل مناطق التاجي، والطارمية، والمدائن، والراشدية، والمحمودية، وأبوغريب؛ ويسكن هذه الأقضية مع القرى والبلدات التابعة لها مجتمعا نحو 3 مليون نسمة.

القتل العمد والإبادة الجماعية
كرّس الاحتلال الأمريكي استراتيجية الترهيب من خلال تأجيج الفتنة الطائفية في المناطق التي يسكنها السنة والشيعة منذ قرون، وقام بالترويج إلى أن مناطق الحزام منطلق للعمليات الإرهابية التي تضرب مختلف أحياء العاصمة بغداد، وبدأت قواته بعمليات دهم وتفتيش واعتقال وتدمير وتجريف البساتين في مناطق واسعة منها.
وما تزال المناطق المحيطة بالعاصمة العراقية تتعرض لعملية تغيير ديموغرافي منظمة تنفذها الأحزاب الحاكمة والميليشيات الطائفية التابعة لها، حيث أدّت الأحداث الطائفيّة التي افتعلتها الحكومة في بغداد بعد عملية تفجير المرقدين في سامراء، بتأريخ 22 شباط 2006، إلى تصعيد غير مسبوق في استهداف المدنيين أو إبادتهم كجزء من هجمات منهجية أوسع موجَّهة ضد السكان المحليين، وارتفاع مستوى الأعمال غير الإنسانية التي ترتكب ضدهم مع ازدياد ملحوظ في حوادث العنف وعمليات القتل الجماعي والتفجيرات التي تضرب تجمعات مدنية عامة مثل الأسواق والأحياء السكنية في مناطق ذات غالبية (سُنيّة) بهدف التصفية الطائفية بناء على ايدلوجية متعصبة؛ ما أدى إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية خصوصا في مناطق حزام بغداد المختلطة، ولم يخف على العشائر في ذلك الحين أن هناك استحداثا لأوضاع تتجه لإنهاء وجودهم في المنطقة وفق خطط خارجية تهدف إلى تقسيم البلاد وتفتيتها. واستغلت المليشيات الطائفية الموالية للحكومة الفجوة الاجتماعية الآخذة بالاتساع والفراغ الأمني وركود الحياة الاقتصادية؛ لتعيث في الأرض فسادا وقتلا وتهجيرا وتهديدا لمقتضيات السلم المجتمعي، وسُجلت مئات حالات الخطف والاخفاء القسري وجرائم القتل على الهوية بحق المدنيين؛ ليُعثر على عشرات الجثث ملقاة في مكبات النفايات أو مرمية على قوارع الطرقات؛ واضطر معظم السكان إلى ترك منازلهم وأراضيهم من أجل الحفاظ على حياتهم وحياة أسرهم وذويهم لتتحول المساحات الخضراء التي كانوا يعيشون فيها ويقتاتون منها إلى أراض قاحلة جرداء حرام على أهلها وملاكها الشرعيين.

الاضطهاد لأسباب طائفية
يؤكد أهالي حزام بغداد على تعرضهم بشكل مستمر لشتى أنواع الاضطهاد بخلفيات طائفية ودوافع انتقامية وما يصاحب هذا من تضييق وإذلال للمواطنين الذين يعيشون بشكل شرعي في هذه المناطق منذ مئات السنين، وما يحصل في قضاء الطارمية -الذي يسكنه نحو 250 ألف نسمة- من أعمال حربية وغير حربية تقوم بها القوات الأمنية الحكومية والميليشيات المساندة لها تجاه أهالي القضاء ذي الأغلبية السُنية، حيث يجري تدمير آلاف الدونمات الزراعية وتجريف مئات البساتين، وطمر العديد من بحيرات الأسماك والمسطحات المائية المتواجدة في المنطقة، فضلا عن تدمير عشرات المنازل، وتنفيذ حملات دهم واعتقالات ممنهجة طالت مئات المدنيين في مناطق مختلفة من القضاء، في محاولات تهدف إلى ترهيب الأهالي لإجبارهم على ترك منازلهم، ويعتقد شهود عيان محليون أن الحكومة في بغداد عازمة على تهجير سكان القضاء بالكامل، بذريعة محاربة الإرهاب، لأنها تعتبر أن جميع سكان القضاء إرهابيون، حسب تعبير شهود العيان.
وتعمد السلطات المحلية في القضاء إلى انتهاج سياسة جديدة يجري بمقتضاها تفريغ المنطقة من السكان الأصليين وإيوائهم في مخيمات خارج القضاء، وإبعاد النازحين الذين كانوا فيها إلى اماكن اخرى؛ ولن يسمح لأحد بالرجوع إلى القضاء إلا بعد حصوله على تزكية المجلس المحلي أو السكان المحليين من الطائفة الشيعية، وقال شهود العيان ان هذا الاجراء يتم تطبيقه على السكان العرب السُنّة فقط. وإن هذا يبين تعدد أساليب إجبار الأهالي على ترك مناطقهم بما لا يدع مجالا للشك في أن الحكومة عازمة على المضي بهذه العملية حتى النهاية.
وذكر شاهد عيان يدعى (أبو أحمد) من أهالي القضاء ((أن العديد من أهالي المنطقة بدؤوا يفكرون بترك بيوتهم ومزارعهم وأعمالهم والخروج إلى أماكن أخرى أكثر أمنا خشية استهدافهم واعتقالهم، واصفًا هذه الممارسات بغير الإنسانية)).
وفي يوم 6/9/2016 قامت القوات الحكومية والميليشيات في الحشد الشعبي بمحاصرة قضاء الطارمية وشنت حملة دهم وتفتيش اسفرت عن اعتقال العديد من الرجال في المنطقة، وقامت بتخيير العوائل الآمنة إما مغادرة منازلهم وترك ممتلكاتهم أو مواجهة المصير المحتوم.

الإبعاد والترحيل القسري
شهدت مناطق اليوسفية، وجرف الصخر، واللطيفية سيطرة الميليشيات الطائفية عليها منذ أكثر من عامين، حيث بسطت نفوذها وأنشأت مواقع ثابتة لها في هذه المناطق، وأصبحت سلطتها أكبر من سلطة الأجهزة الأمنية الحكومية، في ظل غياب سلطان القانون، ولا تسمح هذه الميليشيات لأهالي المناطق بالعودة إلى ديارهم، دون بيان أسباب هذا المنع، فضلا عن قيامها بمصادرة مساحات واسعة جدا من الأراضي الخاصة في تلك المناطق لغرض توزيعها على ذوي قتلى مليشيات الحشد الشعبي.
وبات معروفا لدى اهالي هذه المناطق ان وراء كل تفجير حملة دهم واعتقالات ومضايقات وتهجير وقتل بالجملة، ويعلم الصغير قبل الكبير أن الميليشيات الطائفية ومن ورائها الأجهزة الأمنية الحكومية متورطة بهذه التفجيرات، بهدف إثارة البلبلة وترويع الأهالي وتفريغ المنطقة من سكانها الأصليين، ومن يقوم بهذه الاعتقالات والتهجير هم عناصر ميليشياوية ترتدي ملابس عسكرية.
وأصبح العثور على جثث مجهولة الهوية ملقاة على جوانب الطرقات ظاهرة يومية تشهدها هذه المناطق، وغالبا ما تظهر على هذه الجثث علامات التعذيب الشديد وآثار طلقات نارية في مواضع مختلفة من الجسم.
وقال الشيخ (عذاب المشهداني)، أحد شيوخ عشائر الطارمية: ((إن مسؤولين وقادة عسكريين في الحكومة، بينهم رئيس مجلس محافظة بغداد، رياض العضاض، عقدوا اجتماعاً طارئاً مع رئيس المجلس المحلي لقضاء الطارمية، بحضور عدد من زعماء قبائل القضاء، مؤخراً؛ لمناقشة الملف الأمني داخل القضاء. تمخضت عن الاجتماع عدة نقاط، أبرزها ضرورة ترحيل النازحين عن القضاء، وإخراج بعض سكان القضاء الأصليين، وإسكانهم في مخيمات تقام في مناطق صحراوية نائية خارج القضاء، لمدة تراوح بين 2 – 3 أشهر، ومن ثم تتم عودتهم تدريجياً عقب تزكيتهم من المجلس المحلي للمدينة وزعماء القبائل، ولن تتم العودة إلا بموافقة القوات الأمنية الحكومية. وعقب هذا الاجتماع باشرت القوات الامنية بتجريف آلاف الدوانم والأراضي الزراعية والبساتين))[1].
في حين أكد رئيس مجلس شيوخ عشائر الطارمية، الشيخ (طه الحلبوسي)، أن مناطق شمال بغداد أصبحت تخضع لسيطرة الميليشيات وبالخصوص ميليشيا كتائب الغضب التابعة للحشد الشعبي وتمارس هذه الميليشيا بث الرعب بين المواطنين وابتزازهم واعتقال الشباب عشوائيا؛ لتقوم بالمساومة عليهم او قتلهم.
وبحسب السكان المحليين أنفسهم، فإن النهج الطائفي للحكومة أصبح واضحا حتى في الكتب الرسمية، بذريعة حفظ الأمن وتطهير المناطق؛ والغاية الحقيقية هي تهجير العوائل (السُنيّة) الآمنة قسراً.

استباحة الدماء بحجة مناطق القتل
تحمل الأحداث المتواصلة بمناطق الحزام دلالات كثيرة وواضحة على استمرار عمليات التهجير القسري الممنهج للسكان، وهنا يبرز الدور الميداني للميليشيات الطائفية وقوات الأمن الحكومية التي تحكم قبضتها على المناطق المتاخمة للعاصمة بغداد؛ ما تسبب في تغيير طابع تلك المناطق وسط تحذيرات من مخطط يهدف إلى إفراغ حزام بغداد من أغلبيته (السُنيّة).
فمنذ يناير كانون الثاني 2014 هُجّر نحو 83 ألفا من السكان العرب السُنة، تاركين بيوتهم ومعظم ممتلكاتهم في المناطق الريفية حول العاصمة وفقا لتقديرات لجنة الانقاذ الدولية وهي إحدى الجماعات العاملة في مجال الإغاثة. ويؤكد النائب في البرلمان الحكومي طلال خضير الزوبعي أن 80% من معتقلي العاصمة هم من مناطق أطراف بغداد الغربية والشمالية، التي تتعرض إلى إجحاف وظلم كبيرين من قبل الحكومة من الجانبين الخدمي والاقتصادي، ويتعرض أبناؤها إلى اعتقالات ذات طابع تعسفي صارخ.
ويصف العقيد (حيدر محمد حاتم)، نائب قائد القوات العسكرية المنتشرة حول (أبو غريب)، جميع المدنيين الذين يعيشون في هذه المناطق -التي باتت تعرف من قبل ضباط الدمج بـ(مناطق القتل)- أنهم دواعش؛ مما يجعل سكان تلك المناطق من نساء وأطفال وشيوخ هدفا لنيران قواته المنتشرة في المنطقة.
وفي تصريح للنائب إياد علاوي عام 2015 قال: ((إن مناطق حزام بغداد تعطي صورة واضحة لعدم وجود استراتيجية لمصالحة وطنية، حيث يجري تطهير عرقي على نطاق واسع هناك، والمليشيات تجوب المناطق، وتم طرد العشرات والعشرات من الناس من مناطقهم، وهؤلاء لا يستطيعون العودة إلى ديارهم بسبب هيمنة الميليشيات)).
ولم تسلم جرف الصخر من استباحة الميليشيات لها بذريعة مناطق القتل، حيث تم إخلاء المنطقة بعد أشهرٍ من الحصار والاشتباكات بين الميليشيات والقوات الحكومية من جهة وبين الأهالي من جهة أخرى، وظلت المنطقة تحت القصف العشوائي والضربات الجوية؛ ما تسبب بوقوع آلاف الضحايا بين قتيل وجريح؛ وقال شاهد عيان إنه رصد ميليشيات وهم يشعلون النار في بيوت المدنين خلال هجومهم على المدينة.
وصرح مسؤول في وزارة الدفاع الحالية بأن الميليشيات تحاول تغيير التركيبة السكانية في جرف الصخر، من خلال قيامها بأعمال انتقامية على نطاق واسع وأصبحت خارج السيطرة ولم يعد بمقدور الجيش كبح جماحها.
ويقول نائب رئيس اللجنة المختصة بشؤون النازحين في البرلمان الحكومي، حنين القدو، إنه ((ليس من الممكن السماح لكل هذه الأسر بالعودة إلى بيوتها حتى إذا تم إخراج مقاتلي داعش وتوقفت الاشتباكات؛ لأن أغلب هذه الأسر في حزام بغداد كانت توفر ملاذاً آمناً لداعش)).
وتستمر هذه الحملات وأعمال التهجير القسري لسكان المناطق المحيطة بالعاصمة بغداد من قبل الأجهزة الحكومية والمليشيات الطائفية المساندة لها وسط صمت عربي ودولي؛ ما يبعث برسائل سلبية عدة، وعلى عدة مستويات.

ماهية الجرائم ضد الإنسانية
تنص المادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن أي فعل من الأفعال التالية يعد "جريمة ضد الإنسانية" متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين, وعن علم بالهجوم:
1- القتل العمد.
2- الإبادة الجماعية.
3- الاسترقاق.
4- إبعاد السكان من مكون معين أو النقل القسري لهم وطردهم بالقوة.
5- السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي.
6- التعذيب بشتى أنواعه الجسدية والنفسية.
7- اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية.
8- الإخفاء القسري للأشخاص.
9- جريمة الفصل العنصري.
10- الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء, أو الحمل القسري, أو التعقيم القسري أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي بمثل هذه الخطورة.
11- الأفعال غير الإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية.

الإفلات التام من العقاب
يتم تطبيق أحكام القانون الإنساني الدولي على حالات النزاع المسلح. وفي العراق ثمة حروب بالوكالة تخوضها حاليا الميليشيات الطائفية التي تعمل بشكل واضح بدعم من إيران وبالتعاون مع القوات المسلحة وقوات الأمن الحكومية ضد (تنظيم الدولة). وعليه تنطبق عليها قواعد القانون الإنساني الدولي، وتُعد ملزمة لجميع أطراف النزاع، بما فيها الميليشيات. ويجدر التنويه بأن هذه القواعد والمبادئ تهدف إلى توفير الحماية لكل من لا يشارك فعليا في الأعمال العدائية لا سيما المدنيين ومن سبق لهم المشاركة في الأعمال العدائية أو الجرحى أو من يستسلم أو يقع في الأسر بطريقة أو بأخرى.
وعلى النقيض من أحكام القانون الإنساني الدولي التي تنطبق على حالات النزاع المسلح، يظل القانون الدولي لحقوق الإنسان ملزما وحاكما لسلوك الدول في الأوضاع والحالات كافة. وبوصفه دولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فيترتب على العراق واجب احترام وصون وضمان تمتع الجميع بالحق في الحياة وعدم التعرض للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة والحق في الحرية والأمن الشخصي[2].
وعدم السماح بتأسيس ميليشيات فضلًا عن التشجيع على نموها وتعاظم أمرها مع عدم خضوعها للمساءلة، ومن ثم التقاعس عن منع ارتكاب عمليات القتل غير المشروع والاختطاف والتعذيب التي ترتكبها هذه الميليشيات وإفلات الجناة التام من العقاب وعدم توفير سبل الإنصاف لضحاياها متى ما وقعت، ويكون العراق قد انتهك بذلك واجباته الدولية ويمكن مساءلته على هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان[3].
وللتأكيد على الالتزام الذي يقع على عاتق المجتمع الدولي في التصدّى لمثل هذه الجرائم؛ فإن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي يتكون من 128 مادة تتصدرها ديباجة تشير إلى الملايين من الأطفال والنساء والرجال الذين سقطوا ضحايا لفظائع هزت ضمير الإنسانية وهددت السلم والأمن العالميين، وتؤكد أن هذه الجرائم يجب ألا تمر دون عقاب وأنه تجب مقاضاة مرتكبيها على نحو فعال من خلال تدابير تتخذ على الصعيد الوطني وكذلك من خلال تعزيز التعاون الدولي.

السؤال الكبير .. متى ؟!!
عملا بأحكام القانون الإنساني الدولي، فيمكن مساءلة المدنيين أو العسكريين جنائيا على ارتكابهم جرائم حرب. ويتعين على قادة الميليشيات والجماعات المسلحة أو زعمائها توخي العناية الواجبة لمنع حدوث مثل هذه الجرائم وقمعها. ويمكن مساءلة القادة العسكريين والرؤساء المدنيين على الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم إذا كانوا هم من أصدر الأوامر بارتكابها أو علموا أو توافرت لديهم أسباب تتيح معرفتهم باحتمال ارتكاب مثل هذه الجرائم دون أن يتخذوا التدابير الضرورية التي تحول دون ارتكابها أو معاقبة مرتكبيها إن كانت قد وقعت بالفعل. كما يُحاسب الأفراد جنائيا على قيامهم بالمساعدة والتحريض على ارتكاب جريمة حرب أو تيسير ارتكابها[4].
وقال الأمير زيد بن رعد، المفوض السامي لحقوق الإنسان وشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، ((نحن نراقب الوضع عن قرب من خلال لجنة لتقصي الحقائق في سوريا ولجنة أخرى في العراق تقوم بإحصاء الجرائم التي يتم ارتكابها .. وأنا متأكد أن الأدلة ستجد طريقها إلى القضاء))[5].
ولكن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه بقوة هو متى سوف يُحاكم مرتكبو الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي حدثت وتحدث في العراق بشكل شبه يومي التي تهدف إلى إنهاء وجود المكون العربي السني في البلاد وخاصة في مناطق حزام بغداد، فضلا عن مدن وبلدات أخرى في محافظات: بابل وديالى وصلاح الدين والأنبار ونينوى والبصرة وذي قار، وغيرها من المدن العراقية بحجج وذرائع شتى يكون ضحيتها المواطن المدني الأعزل الذي لا يملك من الأمر شيء.

الخلاصة
إن ما يجري في مناطق حزام بغداد جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية لا يمكن السكوت عليها، وعلى المجتمع الدولي التدخل سياسيا وقانونيا لوقف ممارسات مليشيات الحشد الشيعي والقوات الموالية لحكومة حيدر العبادي، حيث يتم استهداف معظم الأحياء السكنية في تلك المناطق المكتظة بالمدنيين من قبل هذه القوات والعناصر المليشياوية لأسباب طائفية مقيتة.
فمنذ أواخر 2003 كانت مناطق حزام بغداد وما تزال مسرحا لجرائم متواصلة ترتكبها المليشيات الطائفية المدعومة من إيران وقوات الأمن الحكومية بمختلف مسمياتها، مستهدفة السكان العرب السُنّة في إطار مخطط أوسع يهدف إلى إحداث تغييرات ديموغرافية في مناطق عديدة من العراق بتخطيط إيراني ومباركة الجهات الغربية الداعمة للحكومة في بغداد، بحجة محاربة الإرهاب، متنكرين لأبسط حقوق المواطنين الذين يقطنون في تلك المناطق والذين عاش آباؤهم وأجدادهم في ربوعها منذ قرون، وإن خطورة مثل هذه القضايا الإنسانية لا تكمن في تفاصيلها فقط بقدر ما تشير إليه هذه الأعمال غير الإنسانية من أنها جرائم منظمة تنفذها عصابات طائفية بغطاء من الأجهزة الحكومية وبدعم دولي، ضمن هجوم يسعى الى اقتلاع الناس من جذورهم وتعميق شعور التمييز بين المواطنين لديهم وتهجيرهم من منازلهم وبث الكراهية بين ابناء الوطن الواحد. وان جريمة التطهير الطائفي والتهجير القسري بحد ذاتها، هي جريمة صارخة ضد الإنسانية ومن الأفعال المحظورة في نظام المحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 خاصة عندما تُرتكب في إطار مخطط كبير مرسوم سابقا وممنهج وموجّه ضد مكون بعينه من السكان المدنيين.

قسم حقوق الإنسان
9/10/2016

[1] http://www.irakna.com/2016/08/17/

[2] العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الذي صادق العراق عليه في عام 1971) المواد 6 و7 و9.

[3] العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة 2. أنظر على وجه التحديد التعليق العام رقم 31 الصادر عن لجنة 28.

[4] المادة 25 من نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.

[5] http://arabic.cnn.com/intv-amanpour-antonio-guterres-zeid-r…