محافظة الأنبار.. نداءات استغاثة وقصف عشوائي وقتل واعتقال وتعذيب

من المعلوم بداهة في كل عمل عسكري في العالم ولاسيما في تاريخه الحديث؛ أنه يجب مراعاة تأمين وضع المدنيين وعدم استهدافهم في الاعمال العسكرية، غير أن مدن محافظة الأنبار غربي العراق باتت هدفا لأعمال عسكرية تستهدف المدنيين دون تفريق بينهم وبين المقاتلين؛ حيث يتعرض المدنيون لتهديد مستمر لحياتهم نتيجة هذه الأعمال العسكرية، ويعانون ويلات القصف فضلا عن معاناة أقسى ظروف الحياة في مناطقهم حيث نقص الغذاء والدواء وعدم القدرة على الانتقال إلى مناطق أخرى؛ بسبب الحصار وضيق ذات اليد لكثير منهم.

وما تزال القوات الحكومية والميليشيات المرافقة لها ترتكب أعمال عنف وانتهاكات منهجية واسعة النطاق للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، وفي بعض الحالات قد ترقى هذه الأفعال إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وربما الإبادة الجماعية؛ وفقا لما جاء في تقرير عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (UNAMI) ومكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان (OHCHR)، وهو تقرير عضّدته شهادات موثقة تم الحصول عليها بشكل مباشر من ضحايا هذه الانتهاكات وناجين منها وشهودٍ عليها، بما في ذلك مقابلات مع نازحين داخلياً.

تفاقمت أزمة مدينتي الرمادي والفلوجة في الأسابيع القليلة الماضية؛ بسبب ضراوة العمليات العسكرية الأخيرة، وهو ما انعكس بالسلب على طريقة العيش التي يمارسها أبناء تلك المناطق، فمما هو معلوم من خلال الإحصاءات الأخيرة للنازحين أو تقدير المتبقين في تلك المناطق؛ فإن مدينة الفلوجة وحدها يعيش فيها أكثر من 120 ألف نسمة، ونفدت من الأسواق أغلب المواد الغذائية والخضروات وخلت الصيدليات من الأدوية الطبية بشكل تام، هذا الوضع انعكس بشكل واضح بتفشي أمراض سوء التغذية فضلا عن تضرر وتدهور الحالة الصحية لكثير من المرضى بسبب نقص الأدوية الحاد، حيث سجلت مستشفى مدينة الفلوجة حالتي وفاة من المصابين بمرض السكر نتيجة نقص علاج الأنسولين وثلاث حالات وفاة أخرى لم يتم تسجيلها في المستشفى.

والذي زاد الحال سوءاً أن العشرات من عائلات الرمادي نزحت نحو مدينة الفلوجة بسبب المعارك وشدة القصف، ناهيك عن تعاكس الهجرات بين هذه المدن بسبب استهدافها بالآلة العسكرية فلم يعد أمام المدنيين غير مواصلة الحركة هربا من المعارك، ونشهد الآن هجرة المواطنين من الفلوجة والرمادي إلى مدن أخرى مثل هيت وكبيسة وعنه وغيرها من المدن التي تشهد استقرارا نسبيا.

وفي يوم 26/1/2016 أطلقت العائلات في منطقتي: جويبة والبوبالي نداء استغاثة بسبب نفاد المواد الغذائية ومستلزمات الحياة فقد بلغتنا شهادات حيّة عن الفقدان شبه التام للأغذية فيهما؛ وتأكدنا من أن عدد العوائل هناك بلغ ١٠٢٧ عائلة وهم يعيشون أوضاعا مأساوية بسبب الحصار الخانق عليهم وعدم وجود أدنى مقومات العيش التي تؤمن لهم البقاء على قيد الحياة، فضلا عن القصف والاعتقال العشوائي لمن يخرج هاربا من هاتين المنطقتين.

ومن بين مآسي هؤلاء المدنيين المغلوب على أمرهم أن القوات الحكومية عمدت إلى طريقة جديدة مبتكرة بتضليلهم وخداعهم بأن هناك طرقا آمنة وممرات إنسانية وفرتها هذه القوات، ويمكن للمدنيين المحاصرين بهذه المدن أن يسلكوها للنجاة بحياتهم وحياة أطفالهم، لكن الكارثة حدثت بعد أن صدق عدد من هذه العائلات المحاصرة تلك الدعوة التي أطلقتها القوات الحكومية حيث وقعوا ضحية الاعتقال والتشريد، ففي يوم 9/2/2016 وبعد خروج عدد من العائلات من منطقة البوصالح الحمد وجويبة والسجارية شرق الرمادي؛ أقدمت القوات الحكومية التي تحاصر مناطقهم على اعتقال جميع الرجال بما فيهم كبار السن، فضلا عن عدد من الأطفال واحتجازهم في مدينة الحبانية، التي يتعرضون فيها للتعذيب.

وقد أقدمت هذه القوات والميليشيات بقيادة عبد الغني الأسدي مسؤول جهاز مكافحة الاٍرهاب على اعتقال رجال وشباب هذه العائلات على الرغم من تعهد هذه القوات عبر مكبرات الصوت لهم بأنهم آمنون، ولن يستهدفهم أحد ولكن شهود عيان منهم قالوا: إنهم بعد وصلهم للممرات الآمنة وجدوا استقبالا جيدا أمام كاميرات الإعلام ثم فوجئوا بعد ذلك بعزل الرجال عن النساء والأطفال واعتقالهم واقتيادهم إلى مدينة الحبانية وإرسال النساء والأطفال إلى عامرية الفلوجة.

وتمكنّا من الاتصال بأحد المعتقلين المفرج عنهم حيث أفاد بأنهم تعرضوا للتعذيب والقسوة من قبل الأجهزة الحكومية وعلى رأسهم عبد الغني الأسدي مسؤول جهاز مكافحة الإرهاب وهادي ارزيج قائد شرطة الأنبار، وأنه تتم علميات الاستجواب والتحقيق معهم من قبل ميليشيات حزب الله.

قصف وقتل عشوائي:

إن أعداد القتلى المدنيين في ازدياد واضطراد مستمر على الرغم من تطورات التقنية العسكرية بإمكانية تحديد المواقع العسكرية من غيرها بدقة متناهية، مع وجود الاتصال بالأقمار الصناعية التي تحدد الأهداف العسكرية؛ إلا أن هذه الوسائل لم نجد لها أثرا على حياة المدنيين في هذه المناطق فالجميع مستهدف بسياسة التجويع والأرض المحروقة، وأظهر تقرير للأمم المتحدة تحدث عن عدد القتلى منذ عام 2014 _وهو التقرير الخامس حول رصد الانتهاكات الخاصة بالضحايا المدنيين في العراق وفي النزاع المسلح داخل العراق_ أن أكثر من 18 ألف مدني قتلوا من جرّاء النزاع في العراق. وكانت حصيلة ضحايا محافظة الأنبار خلال شهر كانون الثاني 2016 بلغت 304 مدنيا بين قتيل وجريح.

وفيما يخص الأطفال فقد قام الجيش الحكومي والميليشيات المرافقة له بقتل (4) أطفال من عائلة واحدة بينهم طفل معوق بسقوط قذيفة هاون على منزلهم في منطقة (7 نيسان) بمدينة الفلوجة وهم كل من:

1. يعقوب نواف حميد الجنابي

2. يحيى نواف حميد الجنابي

3. طيبة حسين نواف حميد الجنابي

4. ريماس حسين نواف حميد الجنابي

ونسجل أخيرا في هذا التقرير تراجع ملحوظ في دور المجتمع الدولي في التخفيف على أقل تقدير من معاناة المدنيين في هذه المناطق، فقد أوضح مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة أن المساعدات الإنسانية التي يحتاجها العراق لمعالجة أزمة النازحين والمهجرين والمحاصرين تفوق 4 مليار دولار لسد نقص الاحتياجات اللازمة للوضع الإنساني في العراق، وهو مبلغ كبير ولا يمكن تأمينه بسهولة، مؤكدا أن عدم توفر هذا المبلغ وعدم تقديم المساعدات الإنسانية اللازمة؛ سيسهمان في إبقاء الوضع مأساويا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، مما يعني اننا مقبلون على كارثة إنسانية كبيرة.

قسم حقوق الانسان

هيئة علماء المسلمين

21/2/2016