الممرات الإنسانية الآمنة في العراق.. طريق للاعتقال!!...عمر محمد*

ما زال القانون الدولي الإنساني يتعثر بخطواته في تطبيق مبادئه الانسانية التي وجهت خصيصا للإنسان وحده لا لغيره اثناء النزاعات المسلحة سواء الداخلية منها او الدولية، ومن هذه العثرات الممرات الانسانية التي باتت اليوم طريقا نحو المجهول.

ومفهوم الممرات الإنسانية الناتج من القانون الدولي الإنساني هو إمكانية وصول المساعدات الإنسانية إلى منطقة فيها حرب عن طريق المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر الدولي. فاتفاقيات جنيف لعام 1949، وهي المرجع الأساس للقانون الإنساني، التي تُلزم الدول في زمن الحروب الدولية ببعض الواجبات؛ فالمادة 23 من الاتفاقية الرابعة تطرح مبدأ «حرية مرور المساعدات المتضمنة الأدوية والمواد الصحية والأغذية والثياب، للسكان المدنيين».

ومنذ بداية الصراع المحتدم في العراق اتخذت الحكومة العراقية عدة سياسات تنتهك مبادئ القانون الدولي الانساني والقانون الدولي لحقوق الانسان فمنها سياسة الحصار الاقتصادي والتجويع والقصف العشوائي والاعتقال التعسفي وانتهجت سياسة الاحتيال حيال المدنيين الذي وجدوا انفسهم في لحظة ما انهم ضحية للصراع الدائر في مناطقهم فلا يستطيعوا الخروج من ديارهم لسبب او لآخر أو مغادرتها، وبهذا انتهزت الحكومة هذه النقطة وأطلقت لهم حسب قولهم ممرات انسانية ليتمكنوا من الخروج الى مناطق اكثر امنا لهم، ولكن سرعان ما باتت هذه الممرات طريقا نحو المجهول فمعبر بزيبز الذي بات شاهد عيان للانتهاكات المريرة بحق الابرياء فلا غذاء ولا دواء ولا أمن ولا أمان من بطش الميليشيات اضافة الى الاعتقالات الجماعية التي شنتها القوات الحكومية للآمنين الفارين من تلك المعارك.

وجاء معبر الرزازة ثانية عندما قامت القوات الحكومية بنداء الى ابناء الرمادي بان عليهم التوجه الى المعبر لأنه ممر امن للمدنين وإذ تفاجئ هؤلاء النازحون فقامت تلك القوات والمليشيات التابعة لها باعتقالهم عند المعبر وبلغ عدد المعتقلين 1300 شخص تتراوح اعمارهم مابين 25-45 سنة، هذه الممرات ووجدت بشكل خاطئ وغير شرعي اذ كان الغرض منه ليس توفير الامن لهم وإنما اعتقالهم لأسباب طائفية ودينية وسياسية.

والممرات الانسانية يجب ان تتوافر فيها شروط السلامة وأماكن ايواء النازحين وتامين الخدمات الطبية والإنسانية الاخرى.

ان أوّل نص رمزي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يتعلق بالوصول إلى ضحايا النزاعات المسلحة هو القرار رقم 131/43 الصادر في 8 كانون الأول عام 1958 وعنوانه: «المساعدة الإنسانية لضحايا الكوارث الطبيعية».وأكد النص مسؤولية الدولة المعنية أولاً، ودعاهم إلى تسهيل المساعدات الإنسانية إذا كانوا لا يستطيعون تأمينها.

ويؤكد القرار أنّ المساعدات يجب أن تحترم مبدأ الإنسانية والحيادية والتجرد، وإذا كان هذا القرار أكَّد على المبادئ، فإنّ القرار 100/45 في 14 كانون الأول عام 1990 وضَّح طرق احترام هذه المبادئ عندما دعا الأول إلى فتح ممرات إنسانية مؤكداً حق المرور للمساعدات شرط أن يكون هدفها إنسانياً، ولمساعدة السكان المدنيين فقط.

وأصدر مجلس الأمن الدولي قرارات تؤكد على حرية مرور المساعدات وتأمين أمن مجموعة الموظفين القائمين بالمساعدات بمناسبات عديدة في النزاع العراقي (1991)، والصومالي (1992)، وفي ليبيريا ويوغوسلافيا، ورواندا وأنغولا، وأخيراً في الموزامبيق وليبيا داعياً الأطراف وناصحاً إيّاهم أن يؤمنوا حرية مرور المساعدات للسكان المدنيين.

ووجهت المنظمة العالمية للهجرة نداء لفتح ممرات إنسانية من أجل الوصول الى عشرات آلاف العراقيين الذين هربوا من المعارك  وأكدت المتحدثة باسم المنظمة وجود صعوبات تعيق حركة المنظمات الدولية لمساعدة النازحين وتأمينهم من هذه الصعوبات الاكثر تعقيدا هي المليشيات والقوات الحكومية "من الصعب جدا الوصول الى النازحين؟ بسبب الاضطراب الأمني وحواجز الطرق. وتمنع مئات من حواجز الطرق الناس من الوصول الى مراكز التوزيع".

وصرحت المنظمة العالمية للهجرة "الوسيلة الوحيدة لتلبية" حاجات النازحين، هي "فتح ممرات انسانية"، كما يؤكد العاملون في مجال المساعدة الانسانية. لكن هذه الممرات اصبحت في العراق طريقا للاعتقال وطريق للتجويع والتشرد وانتكاسة في طريق الانسانية بسبب عدم توفر ادنى الامور الواجب توفرها في مساعدة هؤلاء النازحين.

وتقع مسؤولية حماية ضحايا الحالات المسلحة ومساعدتهم في المقام الأول علي السلطات التي تقع في أراضيها التي تسبب عنها أصلا متطلبات الإغاثة الإنسانية.وعلى الدول دراسة الإجراءات التي تسمح بالتعويض عن الأضرار التي تلحق بضحايا انتهاكات القانون الدولي الإنساني، ودفع تعويض للضحايا بحيث يمكن لهم الانتفاع بالفعل بالخدمات المستحقة لهم.

ووفق هذه الامور فان المسؤولية الجنائية الدولية تقع على عاتق الحكومة العراقية التي لم تقدم ادنى مستوى مطلوب منها بل قامت بانتهاك العديد من المواثيق الدولية والأعراف الخاصة بحقوق الانسان.

* قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين

مقال خاص بموقع الهيئة نت