الحرب المدمرة في الأنبار مأساة وانتكاسة للإنسانية

في ظل مسمى حرب مكافحة الإرهاب في منطقتنا والعراق خصوصا؛ تمادت قوى التحالف الدولي والقوات الحكومية في قتل وسفك دماء عشرات الآلاف من المواطنين المدنيين الأبرياء الذين لا دخل لهم في النزاع الدائر ولا علاقة لهم بالأعمال المسلحة.

وقد أدى هذا التمادي المُدان شرعيا وقانونيا، وأخلاقيا في ارتكاب مجازر كثيرة، اتصفت بشدة بطشها وهولها ودمويتها وعدد ضحاياها الكبير من المدنيين، والأعيان المدنية التي سويت بالأرض على رؤوس قاطنيها من الأبرياء.

ولم تزل هذه المجازر جارية على قدم وساق، في أكثر من مكان في العراق وغيره، وكأن البشرية في زماننا المُعاش لا تخضع لقوانين إنسانية أو أعراف وقواعد عادلة للحروب والمنازعات المسلحة، واتفاقيات دولية، يفترض بها جميعا أن تكون مُلزمة لحماية المدنيين.

فضلا عن ذلك فقد استخدمت أقوى أسلحة الدمار الحديثة في قتل وجرح عشرات الآلاف من المدنيين، ومثلها من أعيانهم المدنية والثقافية والاقتصادية والدينية، التي حرمت اتفاقية لاهاي عام1907م واتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة عام 1949م، وملحقها أو برتوكولها الإضافي لعام1977م؛ المساس بها، تحت طائلة المسائلة الجنائية الدولية.

ومن ضمن الفئات المدنية المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان هو: المدني: وفق الملحق الأول لاتفاقيات جنيف هو أي شخص لا ينتمي إلى الفئات الواردة في المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب، وهم على وجه التحديد العناصر التي لا تنتمي إلى الفئات الآتية:

أـ أفراد القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع، والميليشيات أوالوحدات المتطوعة التي تشكل جزءا من هذه القوات المسلحة.

ب- أفراد الميليشيا الأخرى والوحدات المتطوعة الأخرى، بما فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة، الذين ينتمون إلى أحد أطراف النزاع.

ج- أفراد القوات المسلحة النظامية الذين يعلنون ولاءهم لحكومة أو سلطة لا تعترف بها الدولة الحاجزة.

د- سكان الأراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح من تلقاء أنفسهم عند اقتراب العدو لمقاومة القوات الغازية دون أن يتوفر لهم الوقت لتشكيل وحدات مسلحة نظامية، شريطة أن يحملوا السلاح جهرا وأن يراعوا قوانين الحرب وعاداتها.

وقد حرمت هذه الاتفاقيات الهجمات العشوائية على المدنيين: حيث أكدت المادة (51) من الملحق، حظر الهجمات العشوائية ضد المدنيين وعرفتها أنها ”تلك التي لا توجه إلى هدف عسكري محدد، أو: تلك التي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن أن توجه إلى هدف عسكري محدد” أو “التي تصيب دون تمييز الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين أو الأعيان المدنية” (مؤسسات ومباني الشعب غير العسكرية).

واعتبرت المادة ذاتها من الملحق الأول لاتفاقيات جنيف، الهجمات العشوائية كما يأتي:

1- الهجوم قصفا بالقنابل أيا كانت الطرق والوسائل، الذي يعالج عددا من الأهداف العسكرية الواضحة التباعد والتميز بعضها عن بعضها الآخر، والواقعة في مدينة أو بلدة أو قرية أو منطقة أخرى تضم تركزا من المدنيين أو الأعيان المدنية، على أنها هدف عسكري واحد.

2- والهجوم الذي يمكن أن يتوقع منه أن يسبب خسارة في أرواح المدنيين أو إصابة بهم، أو أضرارا بالأعيان المدنية، أو أن يحدث خلطا من هذه الخسائر والأضرار، يفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة”.

وحظرت المادة الحادية والخمسون ذاتها “هجمات الردع ضد السكان المدنيين أو الأشخاص المدنيين”، وكذلك لم تجز وضع السكان المدنيين كدروع بشرية لحماية نقاط أو مناطق معينة ضد العمليات العسكرية، ولاسيما “ درء الهجوم عن الأهداف العسكرية أوتغطية أو تحييد أو إعاقة العمليات العسكرية”.

ومن خلال استعراض النصوص أعلاه نوّد أن ننبّه على بعض الحقائق التي جعلت من محافظة الأنبار مشهدا لانتكاسة إنسانية:

1- التعرض للمدنيين بصورة مباشرة حيث يقع الكثير يوميا من المدنيين الأبرياء بين قتيل وجريح جراء القصف العشوائي للمدن.

2- تهديم البيوت والأعيان المدنية والثقافية للدمار والسلب والنهب.

3- حصار مجموعة معينة بصفتها الشخصية أو السياسية أو الدينية بشتى الوسائل منها الاقتصادية والمعيشية والطبية.

4- تعرض الكوادر الطبية والمستشفيات إلى الاعتداء المباشر دون مراعاة القوانين والأعراف الدولية.

5- أغلب الضحايا في القصف والقتل العشوائي هم من النساء والشيوخ والأطفال.

6- تهجير أغلب سكان محافظة الأنبار وعدم تلقيهم أي معونات أو مساعدات أو ممرات آمنة تساعدهم على مواصلة معيشتهم وحياتهم اليومية.

7- اعتقال العديد من الرجال والأطفال والنساء في معبري الرزازة وبزيبز، حيث كان آخر اعتقال لمجموعة من الرجال والنساء في معبر الرزازة وبلغ عددهم 1300 شخصا.

ونحن نستعرض هذه الحالات؛ فإننا ننوه بمناشدة أهالي الرمادي والفلوجة وبقية مدن المحافظة، وإطلاقهم نداء استغاثة وطلب المعونة للتدخل وحمايتهم من الميليشيات وإيجاد فرصة لاستمرار حياتهم بصورة طبيعية.

فضلا عن مناشدة المهجرين الذي باتوا لا يملكون حولا ولا قوة في الاستمرار بخيمهم في العراء والشتاء يحيط بمخيماتهم، والحملات العسكرية تكاد تطالهم، مع تخوفات من اتباع سياسة الأرض المحروقة، التي لا تميز بين مقاتل ولا مدني، ومن ثم قد تتعرض بعض مناطق المحافظة إلى دمار شامل دون مراعاة وتمييز في القتال، وهذا ما يفرض على المجتمع الدولي التدخل لإيجاد ممرات آمنة للمدنيين.

هيئة علماء المسلمين في العراق

قسم حقوق الانسان

19/12/2015