اخفاق الحكومة في القضاء على آفة الفساد تسبب بتفاقم أزمة العراق الاقتصادية

يتوقع المحللون والمراقبون للشأن العراقي ان يدخل اقتصاد هذا البلد الجريح مرحلة ركود عميق مطلع العام المقبل في حال استمرار تدهور أسعار النفط الخام، واخفاق الحكومة الحالية في تعظيم مصادر ايرادات الموازنة السنوية، وعدم ضغط النفقات الحكومية، لان التحديات الصعبة التي تواجه الاقتصاد العراقي تفرض عليه التكيف مع شحة الموارد النفطية وتفعيل القطاعات الاقتصادية البديلة كالصناعة والزراعة والسياحة وتحفيز القطاع الخاص ليس لتمويل نفقات الموازنة فحسب وانما لامتصاص البطالة وتشغيل الطاقات الانتاجية المعطلة، والحد من الاعتماد الكلي على الاستيرادات الخارجية في تغطية الحاجة المحلية من السلع والبضائع.

واستعرض المحللون والمراقبون في تصريحات نشرت مؤخرا أبرز ملامح تدهور اقتصاد العراق وطبيعة التحديات التي تواجه الاصلاح الاقتصادي .. موضحين ان من أهم هذه الملامح هو الهبوط الحاد والمستمر لأسعار النفط في الاسواق العالمية، حيث تتوقع منظمة (اوبك) استمرار تدهور اسعار النفط الى عدة سنوات نظراً لتباطؤ نمو الاقتصاد العالمي من جهة والزيادة المستمرة في انتاج النفط الخام من داخل وخارج المنظمة من جهة أخرى، كما ان حكومات الاحتلال المتعاقبة لم تنجح حتى الان في تحقيق الحد الادنى من تحسين البنية التحتية اللازمة لانطلاق القطاع الخاص، ولم تفلح الموازنات الانفجارية التي شهدها العراق خلال السنوات الماضية في توفير الاكتفاء الذاتي من الطاقة الكهربائية، والماء الصالح للشرب، وادامة شبكات الصرف الصحي، وتحسين مستوى الخدمات الاساسية والطرق، كما ان تلك الحكومات لم تنجح في اقرار القوانين والتشريعات التي من شأنها تنشيط القطاع الخاص، ما شكل تحديا كبيرا امام فرص تقدم واستقرار العراق.

وأوضحت الانباء الصحفية ان سوء ادارة الملف الاقتصادي الذي وصل الى المناصب الدنيا في السلم الاداري نتيجة المحاصصة الطائفية، انعكس سلباً وبشكل واضح وخطير على اداء الحكومات السابقة والحكومة الحالية، اذ انزلقت معظم القطاعات الاقتصادية في ركود مزمن وتبخرت مليارات الدولارات الناجمة عن الموارد النفطية في مشاريع وهمية، في الوقت الذي زاد فيه التركيزعلى قطاع النفط في نسبة الناتج المحلي الاجمالي.

ووفقا لآخر احصاءات وزارة التخطيط الحالية، فان نسبة البطالة المتفاقمة في العراق ـ الذي يُعد من اغنى بلدان العالم بالموارد الطبيعية ـ تجاوزت الـ(30%)، فيما ارتفعت نسبة الفقر الى (25%)، ما ينذر بحدوث كارثة انسانية في ظل استمرار آفة  الفساد المالي والاداري وهيمنة المافيات والميليشيات المتنفذة  على موارد البلد التي يُكرس معظمها لتغطية متطلبات الطبقة السياسية الحاكمة على حساب معاناة الشعب العراقي المظلوم.

وفي هذا الاطار، هبط احتياطي البنك المركزي العراقي من العملة الصعبة الى ادنى مستوياته، وعزا المتخصصون سبب الهبوط الى فائض الطلب على الدولار بسبب عمليات التهريب وغسيل الاموال وزيادة حجم الاستيراد، مقابل شحة تدفق الدولار الى البلاد بسبب انخفاض اسعار النفط العالمية، كما ساهم توقف الانتاج المحلي وانفلات الاستيراد وضعف الرقابة في تحويل العراق الى سوق لتصريف معظم السلع الغذائية والصناعية المستوردة من دول الجوار ولا سيما ايران.

وفي ظل عدم قدرة الحكومة الحالية على ضغط النفقات الى مستوى مقبول والتكييف مع اسعار النفط المنخفضة، بدأت وزارة المالية الحالية بالترويج لسندات حكومية دولية وبأسعار فائدة عالية لأجل تغطية النفقات وسد العجز المالي الحكومي، لكن ذلك سيؤدي في النهاية الى عجز العراق عن تسديد ديونه ودخوله برامج جدولة الديون المشروطة بتطبيق وصفات صندوق النقد الدولي بالتزامن مع ضعف الطاقة الاستيعابية للمشاريع الاستثمارية التي يتم الاقتراض من أجلها، حيث اثبتت تجارب السنوات الماضية فشل الحكومات السابقة في تنفيذ المشاريع الاستثمارية بالرغم من توفر السيولة المالية اللازمة، وذلك نتيجة استشراء الفساد في معظم الحلقات الادارية بدءا من منح العطاء ولغاية استلام المشروع، اضافة الى عدم كفاءة الشركات المنفذة وتلكوءها في انجاز المشاريع وفقا للجداول الزمنية المحددة لها، ما يعني ان الاقتراض لن يغير من الواقع الحالي، وانما سيكبل العراق بالتزامات جديدة.

وفي محاولة يائسة لانقاذ الاقتصاد المتهالك، طرحت حكومة (مصطفى الكاظمي) الاسبوع المنصرم ما تسمى (الورقة البيضاء) بهدف إعادة التوازن الى لاقتصاد العراقي، ووضعه على مسارٍ يسمح للدولة باتخاذ الخطوات المناسبة في المستقبل لتطويره إلى اقتصاد ديناميكي متنوع، حيث تضمنت الورقة رؤية بشأن إصلاح القطاع الخاص، وتفعيل الاستثمار، وتحسين بيئته في العراق، وإعادة هيكلة الشركات العامة الممولة ذاتياً، إضافة إلى ملف الطاقة الكهربائية الذي تضمن مسائل الجباية والترشيد والاستهلاك، وشبكات التوزيع وغيرها.

وبعد إقرار الحكومة الحالية يوم الثلاثاء الماضي هذه الورقة التي تتضمن مئات الإجراءات الكفيلة بإحياء الاقتصاد العراقي واستثمار موارد البلاد، تباينت الآراء حول مدى جديتها في مواجهة الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالعراق، في ظل انخفاض أسعار النفط واستمرار تفشي فيروس كورونا.

ففي الوقت الذي زعم فيه (الكاظمي) بإن ورقة الإصلاح البيضاء تُعد مشروع حل لأزمة إدارة الاقتصاد المزمنة، والاعتماد الكامل على النفط، وعدم تنويع مصادر الدخل، رأى (أحمد حمه رشيد) عضو ما تسمى اللجنة المالية في مجلس النواب الحالي إن الورقة تتضمن طروحات قديمة مشابهة لمقترحات صندوق النقد وعدد من الاقتصاديين .. موضحا ان ورقة الإصلاحات يمكن ان تكون مجدية في حال التزام الأطراف السياسية بتطبيقها، كما استبعد توفر إرادة سياسية لإنجاح هذه الورقة وذلك لان مصلحة الأحزاب المشاركة في العملية السياسية الحالية تعتمد على استمرار الفساد والفوضى التي تشهدها البلاد، كما اشار (ناجي السعيدي) عضو المجلس ذاته الى ان ورقة الإصلاح تحتاج الى تعديلات وإجراءات وآليات وسقوف زمنية لتطبيقها ومعالجة بعض الثغرات فيها والبحث عن تخفيف الآثار السلبية للورقة على المجتمع العراقي.

بدورهم، رأى متخصصون في الاقتصاد ان الورقة الإصلاحية لم تقدم معالجات مجدية في ما يتعلق بالأزمة المالية الراهنة التي يواجهها العراق، حيث قال الخبير الاقتصادي (محمود داغر): "إن الورقة التي تتضمن معالجات على المستوى المتوسط والبعيد، لم تحدد كيفية التصدي لحالة التردي المتواصل التي يشهدها الاقتصاد العراقي الآن" .. مؤكدا ان التحدي الأكبر أمام الحكومة الحالية هو سرعة تصديها لهذا الانهيارالذي سيسبب إشكالات اجتماعية واقتصادية كبيرة للمواطن العراقي.

وفي سياق ذي صلة، شكك مراقبون في امكانية تجاوب القوى السياسية الحالية بشكل فاعل مع أية إجراءات إصلاحية، حيث تساءلت المستشارة الاقتصادية السابقة (سلام سميسم) عن مدى امكانية تطبيق بنود الورقة البيضاء في ظل النفوذ الكبير للقوى المستفيدة من استمرار آفة الفساد المستشرية في الدوائر والمؤسسات الحكومية .. مشيرة الى ان هناك جملة من الإجراءات الغائبة التي يجب ان تسبق تطبيق بنود الورقة لتعظيم الإيرادات العامة للبلاد، بينها تصويت مجلس النواب على منع تعدد الرواتب، وضرورة توفر الإرادة السياسية، وإقرار مجموعة من القوانين الاقتصادية المعطّلة، فضلا عن وضع مدد زمنية لتطبيق بنود هذه الإصلاحات.

وكالات + الهيئة نت

ح