ثورة ساحات التحرير تتجدّد في العراق.. بقلم: ولاء سعيد السامرائي

  • مقالات
  • 128 قراءة
  • 0 تعليق
  • الإثنين 12-10-2020 04:24 مساء

ثورة ساحات التحرير تتجدّد في العراق
بقلم: ولاء سعيد السامرائي

تصدّرت صور الشهيد صفاء السراي ورفاقه الشهداء والعلم العراقي تظاهرات الشباب الذين وصلوا هادرين بزخم العام الماضي وعنفوانه، وبأعداد ضخمة، إلى ساحة التحرير في بغداد، في الذكرى الأولى لثورة تشرين، ليمتلئ مركز بغداد وشوارعه الكبيرة المتفرّعة إلى مناطق بغداد المختلفة تصدح هتافاتهم باسم العراق، وبحبه، وبإصرارٍ لا تراجع فيه عن الأهداف التي خرجوا من أجلها: "ها ردينا ثوار إحنا.. ها ردّينا". بصوت واحد تردّد هذا الهتاف مدوّيا في جميع جهات ساحة التحرير، فيما دخل الطلاب إلى الساحة من نفق التحرير، قادمين من جامعة التكنولوجيا والمناطق المحيطة بها، وهم يردّدون نشيد "موطني" و"منصور يا دجلة" على نغمة "منصورة يا بغداد"، و"الثورة ما انتهت الثورة.. الآن بدت"، رافعين الأعلام العراقية. وقبلها، في ليلة الأول من أكتوبر/ تشرين الأول، قام مئات من الشباب بالتحضير لهذا اليوم الإحتفالي الممهد ليوم العودة في 25 من شهر أكـوبر/ تشرين الأول الحالي، وذلك بتنظيم ما سمّوه "فوج طوارئ التكتك" الذي تصدّر مشهد مسيرةٍ كبيرةٍ طافت في كل أحياء بغداد، تتنادى للوجود في وسط العاصمة بهذه الذكرى، للإحتفال والإحتفاء بالشهداء الذين سقطوا فيها، لينشروا الفرح من جديد لدى العراقيين، في مواصلة الثورة واسترجاع العراق من طغمة الفساد.

عادت دولة التحرير المصغّرة تعمل مثل خلية نحلٍ، فيها من يعيدون تنظيف الساحة وصبغها، ومن يعيدون تأهيل نفق التحرير وتزيينه بالرسومات والأنوار، وآخرون يعودون بنصب خيام خدمية. وهناك من ينظّمون مهرجانا شعريا للمواهب الشابّة التي تزخر بها التظاهرات. عادت صفحات التواصل الإجتماعي بإدارة شباب وشابات في العشرينيات من أعمارهم، لتكون صدى لما يحدث في التحرير والبصرة والناصرية والنجف والسماوة، ولتكون صحفا ومواقع حقيقية أمينة في نقل أخبار التظاهرات، وليس كما تفعل قنواتٌ، مثل "العراقية" الحكومية التي طردها الشباب من التحرير، وندّدوا بتغطيتها المنحازة، وبما تلفّقه ضد التظاهرات من أخبار كاذبة.

كان يوم الإحتفاء بالثورة وبشهدائها يوما مشهودا في تاريخ ثورات العراق وانتفاضاته وتظاهراته السياسية الحديثة، فقد غطّت التظاهرات، بهتافاتها المعبرة بقوة عن أوضاع العراق بشكل شامل، وبرفض الشعب العراقي، وفي مقدّمته شبابه وشاباته، لوضعٍ يستمرّ بالاهتراء، سنة بعد أخرى، من دون أن تتخذ الحكومات المتعاقبة أي إجراءٍ يتناسب مع حجم الكوارث التي يعيشها الشعب العراقي منذ 17 عاما، وفي مقدّمته الشباب والطلاب والمعطلون عن العمل قسرا، بسبب الفساد والمحسوبيات والاستنسابية وأيادي الأحزاب المتسلطة على كل ميادين العمل والقطاعات الحكومية. هذه الأحزاب هي من تبيع وتشتري بالوظائف، ولها اليد الطولى أكثر من الدولة، ففي مقدّمة الهتافات التي صدحت بها الحناجر الشعارات المناوئة للأحزاب التي مزّق المتظاهرون صورتها ومصداقيتها مرة بعد أخرى، في هتافاتهم ضدّها، والتي ردّدوا فيها شعارات ضد الخونة والمندسّين والعملاء ممن باعوا الثوار لحساب الأحزاب والرئاسات التي استعملتهم لاحتواء المطالب والتظاهرات، ولكن من دون نتيجة. 

كما حضرت المرأة بقوة، وبكثير من الإهتمام والمحبة والإحترام مثل العام الماضي. وشباب التظاهرات يكرّمون العراقية، ويعطونها مكانتها الأساسية في كل موقع، مع عودة التظاهرات، فقد صوّب القناصون من القوات الحكومية والمليشيات التابعة للحرس الإيراني في العام الماضي على النساء، بعد تصويبهم على أهم قادة الثورة من الشخصيات الكاريزمية الأصيلة، فقتلوا أكثر من طبيبة، وتسعا من المسعفات، واختطفوا طالبة طب من بين المسعفات، ولم يكتف المجرمون بقتلها، بل تم تعذيبها بشكل بشع، لتُرمى جثّتها أمام بيتها، وهُدّدت وما تزال الشابة التي ساعدت أصحاب "التكتك" بالمال، لكي يستمروا في نقل الجرحى إلى المستشفيات، والتي رفضت حكومة عادل عبد المهدي إسعافهم، ولاحقتهم حتى في المستشفيات.

من أجل هذه المساهمات، وغيرها كثير، وقف الشباب العراقي اليوم موقف الإجلال والإحترام للنساء، وأفسحوا للمتظاهرات المكانة الأولى، تعبيرا عن دورهن الأساسي في الثورة. ليس ذلك فحسب، بل خلّد الشباب، بفيديوهات وأغان ورسومات وبوسترات، شخصيات كاريزمية نالت محبة الشعب واحترامه وتوافقه عليها، مثل الشهيد صفاء السراي الذي كان مهندسا مبرمجا وشاعرا وعازفا للعود ورساما، وهو صاحب مقولة "محد يحب العراق بكدي" (لا أحد يحب العراق كما أحبه)، الذي أظهرت التظاهرات حب الناس الكبير له، كما أظهرته الصور المنشورة عنه، وهي هائلة العدد، في كل الصفحات والبوسترات، حتى أصبح أولى أيقونات الثورة وأهمها، بل ربما غيفارا العراق. تأتي بعده الناشطة البصراوية، رهام يعقوب، التي اغتالتها أسلحة المليشيات الولائية، لما كانت عليه من شخصية قوية وذكية وقيادية. وقد أصبحت هتافاتها اليوم أغنية جميلة، يرددها المتظاهرون من بغداد إلى البصرة. وبقوة أيضا، أكد المتظاهرون الوطنية واللحمة العراقية، وأصالة الثورة.

هذا الزّخم المفعم بالإصرار والشجاعة ومواجهة الموت من أجل العراق، وتخليصه من الطغمة الفاسدة والإحتلال، هو المشهد الذي ساد في ساحة التحرير في بغداد، كما في البصرة وديالى والناصرية وذي قار والنجف بمناسبة مرور عام على الثورة. والمدهش، على الرغم من كل الشهداء الذين سقطوا، والجرحى الذين ناهز عددهم ثلاثين ألفاً، جاء التشديد والتأكيد على موضوع السلمية وشرعية التظاهرات والإستمرار بها حتى إسقاط العملية السياسية المهترئة برمتها.

شباب وشابات على مستوى عال من الوطنية والوعي والثقافة والكفاءة والعطاء والشجاعة والتنظيم، ومعهم غالبية الشعب العراقي، هم من يقارعون العملية السياسية. فيما يحاول رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، تسويق نفسه متجاوبا مع مطالب المتظاهرين وبأنه سيحقق مطالبهم، متحجّجا تارّة بالوقت، وأخرى بثقل المهمة. وأخيرا، أخذ يتكلّم عن الأزمة الإقتصادية التي يمر بها العراق، لكنه يناقض نفسه، بالقول إن العراق بلد غني. وعلى الرغم من وعوده بالإهتمام بملف الفساد، لم يقترب منه إلا ظاهريا، وبشكل بسيط جدا، ولم يتمكّن من البتّ فيه، أو مجرد لمسه، ليبدو أن كلامه ليس إلا جعجعة من دون طحين.