الفساد المالي والإداري (2) .. هدايا الموظفين ... د. إبراهيم محمد

إذا فقدت الأمانة بين الناس ضاعت الحقوق، واضمحل العدل، وانتشر الظلم، وحينئذ يرفع الأمن، ويسود الخوف.

والشريعة الربانية قد أكدت على وجوب أداء الأمانة، وحرمت الخيانة، وسدَّت كلَّ الطرق المفضية إليها؛ حتى إنها منعت ما هو مندوب في الأصل إذا أفضى إلى محرم تفسد به الذمم، وتقتطع الحقوق، ويعطى من لا يستحق، ويمنع المستحق؛ كما حرمت الشريعة الهدية لذوي الولايات والوظائف، إذا بذلت لهم لأجل مناصبهم ووظائفهم وجعلتها رشوة، مع أن الهدية مأمور بها شرعا، ومندوب إليها، وفي الحديث: (تَهَادَوْا فإن الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَغَرَ الصَّدْرِ) رواه أحمد. والرشوة ملعون دافعها وآخذها والساعي بينهما؛ إذ (لَعَنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي) رواه أبو داود.

 فما أبعد ما بين الهدية المأمور بها، والرشوة الممنوع منها، ومع ذلك كانت الهدية رشوة في المواضع التي تكون سببا لفساد الذمم، وضياع الأمانة، وإهدار الحقوق.

وأصحاب الولايات كالأمراء والوزراء والمحافظين والقضاة والمديرين ووكلائهم والموظفين تحت ولاياتهم صغروا أم كبروا، ممن يحتاج الناس إليهم؛ إنما نُصِبوا في ولاياتهم لخدمة الناس، وإدارة شؤونهم، ورعاية مصالحهم، وإقامة العدل فيهم، ورفع الظلم عنهم، ويأخذون أجورهم على أعمالهم من بيت المال.

وهكذا من يعملون في الشركات والمؤسسات وغيرها إنما يخدمون من شَغَّلَوهم فيها، ويتقاضون أجورهم منهم، فلا بدَّ أن يبذلوا النصح في أعمالهم، ويحقوا الحق، ويؤدوا الأمانة، مراقبين الله تعالى في وظائفهم.

ولما كان الناس محتاجين إلى ذوي الولايات والمناصب والوظائف في قضاء حاجاتهم؛ فإن كثيرا منهم يتوددون لهم، ويتزلفون إليهم، وربما بذلوا في سبيل ذلك الوسائط من الهدايا والأموال والولائم والخدمات وغيرها؛ لنيل حقوقهم منهم، أو للحصول على ما لا حق لهم فيه، أو لتقديمهم على غيرهم، حتى إن بعض أهل المناصب والوظائف يملكون في زمن قليل ثروات طائلة لو استغرقوا أعمارهم كلها في جمعها من أرزاقهم ما جمعوها، ولكنها هدايا الناس وصِلَاتُهم التي لولا مناصبهم ووظائفهم ما ظفروا بشيء منها.

 وهذه الهدايا التي تبذل لهؤلاء الموظفين لأجل وظائفهم قد منعت الشريعة منها سواء كانت مالا أم متاعا أم ولائم أم خدمات أم غيرها، ولا حق لهم فيها؛ إذ لولا وظائفهم ما بذلت لهم، فحُرِّم بذلها على الباذلين، كما حُرِّم أخذها على العاملين، ولا يحل لموظف صغيرا كان أم كبيرا أن يماطل في حقوق الناس، أو يؤخر معاملاتهم؛ لأجل أن يبذلوا له شيئا، أو يتقربوا إليه بصنيعة.

كما لا يحل له أن يقبل هدية بذلت إليه ممن له مصلحة عنده ولو لم يشارطه عليها؛ لأنها تؤثر في قلبه، فيقدمه على غيره، أو يتجاوز عن نقص أو خلل في معاملته لأجل هديته؛ وذلك من تضييع الأمانة وغش المسلمين.

والأصل في منع هدايا الموظفين وتحريمها حديثُ أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قال: (اسْتَعْمَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم رَجُلًا على صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى بن الْلَّتَبِيَّةِ، فلما جاء حَاسَبَهُ، قال: هذا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَهَلَّا جَلَسْتَ في بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حتى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إن كُنْتَ صَادِقًا؟! ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه، ثُمَّ قال: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي استعمل الرَّجُلَ مِنْكُمْ على الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي الله فَيَأْتِي فيقول هذا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لي أَفَلَا جَلَسَ في بَيْتِ أبيه وَأُمِّهِ حتى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ؟! والله لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شيئا بِغَيْرِ حَقِّهِ إلا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يوم الْقِيَامَةِ فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا له رُغَاءٌ أو بَقَرَةً لها خُوَارٌ أو شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حتى روي بَيَاضُ إِبْطِهِ يقول: اللهم هل بَلَّغْتُ) رواه الشيخان.

وروى بُرَيْدَةُ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اسْتَعْمَلْنَاهُ على عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا فما أَخَذَ بَعْدَ ذلك فَهُوَ غُلُولٌ) رواه أبو داود.

قال الخطابي رحمه الله تعالى: (في هذا بيان أن هدايا العمال سحت، وأنه ليس سبيلها سبيل سائر الهدايا المباحة، وإنما يهدى إليه للمحاباة، وليخفف عن المهدي، ويسوغ له بعض الواجب عليه، وهو خيانة، وبخس للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله).اهـ. معالم السنن بحاشية أبي داود3 /355.

هذا؛ وقد كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى يتورعون عن قبول الهدايا؛ خوفاً من الشبهة، وخصوصاً إذا تقلد أحدهم عملاً من أعمال المسلمين، كما عقد البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باباً لذلك قال فيه: (باب من لم يقبل الهدية لعلة) ثم ساق البخاري قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: (كانت الهدية في زمن رسول الله هدية، واليوم رشوة).

وقصة ذلك ما روى عمرو بن مهاجر رحمه الله تعالى قال: (اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحا فقال: لو كان عندنا شيء من تفاح فإنه طيب الريح طيب الطعم، فقام رجل من أهل بيته فأهدى إليه تفاحا، فلما جاء به الرسول قال عمر: ما أطيب ريحه وأحسنه! ارفعه يا غلام، وأقرئ فلانا السلام، وقل له: إن هديتك وقعت عندنا بحيث نحب، قال عمرو بن مهاجر: فقلت له: يا أمير المؤمنين، ابن عمك ورجل من أهل بيتك وقد بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة! فقال: ويحك! إن الهدية كانت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية وهي لنا اليوم رشوة).

فإن كانت الهدية لمن يحكم بين الناس كالقاضي ونحوه فالإثم أكبر، والخطر أشد؛ لما يلحقه من تهمة تغيير أحكام الله تعالى، ورفضه للعدل، وإقراره للظلم بسبب ما أهدي إليه.

قال الشوكاني رحمه الله تعالى: (وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْهَدَايَا التي تُهْدَى لِلْقُضَاةِ وَنَحْوِهِمْ هِيَ نَوْعٌ من الرِّشْوَةِ؛ لِأَنَّ الْمُهْدِيَ إذَا لم يَكُنْ مُعْتَادًا لِلْإِهْدَاءِ إلَى الْقَاضِي قبل وِلايَتِهِ لا يُهْدِي إلَيْهِ إلَّا لِغَرَضٍ وهو: إمَّا التَّقَوِّي بِهِ على بَاطِلِهِ، أو التَّوَصُّلُ لِهَدِيَّتِهِ له إلَى حَقِّهِ، وَالْكُلُّ حَرَامٌ، وَأَقَلُّ الْأَحْوَالِ أَنْ يَكُونَ طَالِبًا لِقُرْبِهِ من الْحَاكِمِ وَتَعْظِيمِهِ وَنُفُوذِ كَلامِهِ وَلا غَرَضَ له بِذَلِكَ إلَّا الاسْتِطَالَةَ على خُصُومِهِ، أو الْأَمْنَ من مُطَالَبَتِهِمْ له، فَيَحْتَشِمُهُ من له حَقٌّ عليه، وَيَخَافُهُ من لا يَخَافُهُ قبل ذلك، وَهَذِهِ الْأَغْرَاضُ كُلُّهَا تؤول إلَى ما آلَتْ إلَيْهِ الرِّشْوَةُ، فَلْيَحْذَرْ الْحَاكِمُ الْمُتَحَفِّظُ لِدِينِهِ، الْمُسْتَعِدُّ لِلْوُقُوفِ بين يَدَيْ رَبِّهِ من قَبُولِ هَدَايَا من أَهْدَى إلَيْهِ بَعْدَ تَوَلِّيهِ لِلْقَضَاءِ؛ فإن لِلْإِحْسَانِ تَأْثِيرًا في طَبْعِ الْإِنْسَانِ، وَالْقُلُوبُ مَجْبُولَةٌ على حُبِّ من أَحْسَنَ إلَيْهَا، فَرُبَّمَا مَالَتْ نَفْسُهُ إلَى الْمُهْدِي إلَيْهِ مَيْلًا يُؤَثِّرُ الْمَيْلُ عن الْحَقِّ عِنْدَ عُرُوضِ الْمُخَاصَمَةِ بين الْمُهْدِي وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَالْقَاضِي لا يَشْعُرُ بِذَلِكَ وَيَظُنُّ أَنَّهُ لم يَخْرُجْ عن الصَّوَابِ بِسَبَبِ ما قد زَرَعَهُ الْإِحْسَانُ في قَلْبِهِ وَالرِّشْوَةُ لا تَفْعَلُ زِيَادَةً على هذا).اهـ.

ألا فليتق الله تعالى كل عبد ولي ولاية صغيرة كانت أم كبيرة، وليؤد الأمانة في ولايته، وليحذر من بخس الحقوق، واستحلال الرشاوى باسم الهدايا؛ فإن العبرة بالمعاني لا بالمسميات، قال أصحاب جندب بن عبد الله رضي الله عنه له: أوصنا، فقال رضي الله عنه: (إِنَّ أَوَّلَ ما يُنْتِنُ من الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إلا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ) رواه البخاري.

قال تعالى : ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188].


أيها المسلمون: إذا أُهدي للموظف هديةٌ لأجل وظيفته فيجب عليه ردها وعدم قبولها، كما يجب عليه أن ينكر على باذلها، ويبين له أنها رشوة لا يحل بذلها ولا أخذها. فإن لم يستطع الإنكار عليه؛ لقوته ونفوذه وقد يضره فلا يقبلها ولا يحابيه من أجلها، بل يحق الحق ويبطل الباطل، فإن لم يقدر على ذلك استعفى من البت في معاملته لتحال على غيره، وذلك أقل ما يجب عليه لاجتناب الوقوع في الإثم.

فإن قبل الموظفُ هدية أهديت إليه لأجل وظيفته؛ جهلا بالحكم، أو تهاونا بالتحريم؛ فلا يستحلها، ولا يتصرف فيها بل يردها إلى بيت المال؛ لأنها ليست ملكا له دون سائر المسلمين، ويتوب إلى الله تعالى من قبول ما أُهدي إليه لأجل منصبه أو وظيفته؛ لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: (من اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ على عَمَلٍ فليجيء بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ) رواه مسلم.

وروى مَالِكٌ في الموطأ عن زَيْدِ بن أسلم عن أبيه أنه قال: (خَرَجَ عبدُ الله وَعُبَيْدُ الله ابْنَا عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ في جَيْشٍ إلى الْعِرَاقِ فلما قَفَلاَ مَرَّا على أبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ وهو أَمِيرُ الْبَصْرَةِ فَرَحَّبَ بِهِمَا وَسَهَّلَ، ثُمَّ قال: لو أقدر لَكُمَا على أَمْرٍ أنفعكما بِهِ لَفَعَلْتُ، ثُمَّ قال: بَلَى، هَا هُنَا مَالٌ من مَالِ الله أُرِيدُ أن أبعث بِهِ إلى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأُسْلِفُكُمَاهُ فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعًا من مَتَاعِ الْعِرَاقِ ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إلى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَكُمَا، فَقَالاَ: وَدِدْنَا ذلك، فَفَعَلَ وَكَتَبَ إلى عُمَرَ بن الْخَطَّابِ أن يَأْخُذَ مِنْهُمَا الْمَالَ، فلما قَدِمَا بَاعَا فَأُرْبِحَا، فلما دَفَعَا ذلك إلى عُمَرَ قال: أَكُلُّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ مِثْلَ ما أسلفكما؟ قَالاَ: لاَ، فقال عُمَرُ بن الْخَطَّابِ: ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَسْلَفَكُمَا، أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ، فَأَمَّا عبدُ الله فَسَكَتَ وأما عُبَيْدُ الله فقال: ما ينبغي لك يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هذا، لو نَقَصَ هذا الْمَالُ أو هَلَكَ لَضَمِنَّاهُ، فقال عُمَرُ: أَدِّيَاهُ، فَسَكَتَ عبدُ الله وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ الله، فقال رَجُلٌ من جُلَسَاءِ عُمَرَ: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لو جَعَلْتَهُ قِرَاضًا، فقال عُمَرُ: قد جَعَلْتُهُ قِرَاضًا، فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ وَنِصْفَ رِبْحِهِ، وَأَخَذَ عبدُ الله وَعُبَيْدُ الله ابْنَا عُمَرَ بن الْخَطَّابِ نِصْفَ رِبْحِ الْمَالِ).

أيها الإخوة: لقد استهان كثير من الناس بهذا الباب الخطير، وهو سبب فساد الذمم، وشراء الضمائر، والمماطلة في الحق، والتقاعس عن أداء الواجب إلا برشوة أو هدية يبذلها صاحب الحق.

وتالله إن ذلك لمن أهم أسباب تخلف المسلمين وانحطاطهم؛ إذ لما عمت هذه الأخلاق الرديئة كثيرا من بلدان المسلمين توقف نماؤها، واستشرى فسادها، وخربت إداراتها، وتعطلت مصالحها، وصار المرء يعمل لنفسه لا لبلده وأمته، ويسعى في ملئ خزائنه بالمال، ولو كان في ذلك انتهاك الشريعة ومخالفة النظام، ولو كان فيه خراب الديار والعمران، وعمَّ ذلك مجتمعات المسلمين أو يكاد، ولم يسلم منه قادر عليه صغيرا كان أم كبيرا، إلا من سلمه الله تعالى، وقليل ما هم.

وبسبب ذلك ساد في كثير من الديار السفلة والأراذل الذين يفسدون ولا يصلحون، سادوا بما جمعوا من أموال محرمة جلبت لهم جاها لا يستحقونه، فخربت البلدان بسببهم، وانزوى الأمناءُ المصلحون الناصحون، وخمل ذكرهم؛ لأن البيئات المتلوثة بالرشوة والغش والسحت وأكل الحرام وممارسته وتسويغه لا مكان فيها للأمناء والمصلحين الناصحين.

وما تقدمت بلاد الغرب على بلاد المسلمين بذكاء في عقول أبنائها، ولا بفساد أخلاقها وأعراضها، وتحرر نسائها؛ كما يقول أهل الغش والتدليس والتغريب من دعاة الفساد والإفساد، ولكنها تقدمت بأنظمة صارمة تجاه الغش والرشوة وجميع أنواع الفساد الإداري والمالي، لا محاباة فيها لأحد، ويؤاخذ بها الكبير والصغير على حدٍ سواء.

ولا سبيل لنجاة الفرد من عذاب الله تعالى إلا بمراقبته في السر والعلن، والخوف منه، قبل الخوف من الجهات الرقابية، ولا سبيل لنهضة الأمة وتقدمها، وانتشالها من الجهل والتخلف إلا بإقامة العدل، ورفع الظلم، واستعمال الأمين، وإقصاء الخائن، ومكافأة المحسن، ومعاقبة المسيء، ومحاسبة المقصر، وعدم محاباة أحد في ذلك، كبيرا كان أم صغيرا، وإلا كان المزيد من التخلف والانحطاط والذل والتبعية، ولن يكون حالنا إلا كحال بني إسرائيل من قبل: إذا سرق فيهم الشريف قطعوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.


ألا فاتقوا الله ربكم أيها المسلمون وراقبوه في وظائفكم ومكاتبكم؛ فإنه مطلع على سركم وعلانيتكم، ومحاسبكم على أعمالكم ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقَّة:18].

فأعدوا لما ستسألون عنه جوابا، وإنكم لمسئولون عن أموالكم من أين اكتسبتموها، وأين أنفقتموها، ولا تنظروا إلى من تخوضوا في المال الحرام كم جمعوا؛ فإنهم زائلون عن جمعهم، وأموالهم تثقل ظهورهم، ومن اغتصب شبرا من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين فاحذروا ثم احذروا.

وصلوا وسلموا على نبيكم محمد وعلى آله وصحبه وسلم ...