قسم حقوق الإنسان في الهيئة يُصدر تقريرًا بعنوان: (لجان التحقيق في العراق أداة من أدوات الفساد وطمس الحقيقة)

قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين، يُصدر تقريرًا بعنوان: (لجان التحقيق في العراق أداة من أدوات الفساد وطمس الحقيقة)، وفيما يلي نص التقرير:

 
تقرير:
لجان التحقيق في العراق أداة من أدوات الفساد وطمس الحقيقة
 
منذ 2003؛ لم يُحَل إلى القضاء في العراق أحد من مرتكبي الانتهاكات والجرائم أو المتورطين بملفات الفساد من المشاركين في العملية السياسية التي فرضها الاحتلال، وإذا تم تشكيل لجنة للتحقيق بشأن جريمة نكراء أو قضية فساد كبرى ارتكبها هؤلاء، فإنها تكون عملية صورية لامتصاص النقمة الشعبية، إذ لم تحقق أي من اللجان التحقيقية الهدف المعلن من تشكيلها ولم تُعلن نتائج أي من التحقيقات التي أُجريت، ولم يُقدم أحد من المتهمين للقضاء لمحاسبته، فضلاً عن عدم الكشف عن الأسباب الحقيقية وراء حدوث معظم القضايا، وفي كل قضية رأي عام كان من شأن الحكومة الالتفاف على الحقيقة وتعطيل عمل لجان التحقيق لتحول بالتالي دون إكمال مهامها؛ الأمر الذي جعل العراقيين ينظرون إلى إعلان تشكيل لجان التحقيق أداة من أدوات طمس الحقيقة وشكلًا من أشكال الفساد المتجذر في العراق ما بعد الغزو الأمريكي، وأصبح المراد من تشكيل لجان التحقيق خلط الأوراق وإضاعة الحقوق وهدرها، فأحداث كارثية كسقوط الموصل، وصفقات الأسلحة الفاسدة، وغيرها الكثير من الملفات التي أُغلقت ورفض القضاء والادعاء العام تحريك المطالبات بالتحقيق فيها.
ومنذ الأيام الأولى للاحتلال لم يكن الهدف من التحقيق الكشف عن حقيقة ارتكاب الجريمة والوصول إلى معاقبة مرتكبيها في حال ثبوت تورطهم. إذ كانت عمليات التحقيق عمليات ينعدم فيها البحث والتقصي الموضوعي والمحايد والنزيه، الهدف الرئيس منها تغييب الحقائق ومن ثم إفلات المرتكبين من العقاب؛ الأمر الذي يعدّ مخالفة صريحة للقوانين العراقية النافذة التي تقرّ إجراء التحقيق بهدف ضبط المتهمين بارتكاب الجرائم ومعاقبة من تثبت إدانته، كقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، وقانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم 14 لسنة 1991، وقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971، وغيرها من القوانين.
وبسبب تسارع الوقائع الكارثية على الساحة العراقية وتزاحم المصائب التي تحل بنسق شبه يومي على العراقيين والتي ترقق بعضها بعضًا من شدة هولها، فسرعان ما ينشغل الشارع العراقي بمصيبة جديدة وينسون سابقاتها، والأمثلة عديدة على حالات تم تشكيل لجان تحقيق فيها دون معرفة النتائج، ونذكر في هذا التقرير بعض الحالات التي حدثت في السنوات الثلاث الماضية، منها حوادث سقوط الموصل، ومجزرة سارية ومصعب في ديالى، وهدم مساجد والاستيلاء على أخرى من قِبَل الميليشيات الموالية لإيران، وتلوث مياه الشرب في البصرة جنوبي العراق وتسمم عشرات الآلاف من المواطنين من جرائه، والانتهاكات المتواصلة بحق أهالي مناطق حزام بغداد ومدن سامراء والفلوجة وغيرها واحتراق صناديق الاقتراع في 2018، ومنع آلاف العائلات النازحة قسرًا من العودة إلى مناطقهم، وكوارث نفوق ملايين الأسماك في نهري دجلة والفرات وإحراق مساحات شاسعة من حقول الحنطة واستهداف مزارع الطماطم والرز والمحاصيل الزراعية الأساسية الأخرى، وفضائح بيع المناصب بين الكتل المشاركة في العملية السياسية، وسلسلة الحرائق المفتعلة في عدد من مباني الوزارات الحكومية، وغرق سبع مليارات دينار بمياه الأمطار، وفاجعة غرق العبارة في الموصل، ومحاولات تغييب هوية ضحايا الإجرام الميليشياوي في مناطق شمالي محافظة بابل الخاضعة لسيطرة قوات الشرطة الاتحادية وميليشيا الحشد، وسلسلة الاغتيالات التي تعرّض لها متظاهرون وناشطون وشخصيات ذات تأثير اجتماعي خلال السنين الثلاث الماضية، مروراً بمقتل عناصر أمن باشتباكات مع ميليشيا العصائب في شارع فلسطين ببغداد، وتفجّر ملف الفساد في مطار النجف، وسرقة معدات مصفى بيجي النفطي، وهروب محافظ البصرة ماجد النصراوي خارج العراق بعد تورطه بملفات فساد، فضلاً عما يتعلق بحريق سجن النساء في بغداد الذي تسبّب بوفاة عدد من النزيلات، وتوثيق جرائم الابتزاز في محافظة نينوى، وضحايا المقابر الجماعية في الفلوجة ومحاولات التستر عليها، وجرائم قتل المتظاهرين السلميين في العراق، وما رافقها من عمليات قمع دموي وعنف مفرط، شهدت مدن عراقية مجازر بحق المتظاهرين، راح في كل واحدة منها عشرات القتلى والجرحى، من أبرزها مجزرة ساحة الفلاح في مدينة الصدر ببغداد، وقنص المتظاهرين قرب مستشفى الجملة العصبية ومول النخيل شرقي بغداد، ومجازر ساحة الحبوبي في الناصرية، ومرآب السنك وساحة الخلاني في بغداد، وساحة التربية في كربلاء، و"مجسر ثورة العشرين" في النجف، ويُزاد على ذلك التدهور الملحوظ في الأوضاع الإنسانية داخل السجون الحكومية المعلنة المتردية أصلًا وارتفاع وتيرة جرائم قتل واغتيال المعتقلين القابعين خلف أسوارها ولجان تحقيق في وفاة معتقلين جراء التعذيب في سجون الناصرية والتاجي وسجون في مدينة الموصل، وغيرها كثير من الحالات التي تشكلت لجان للتحقيق فيها دون جدوى تذكر.
وعندما نحاول أن نراجع عدد اللجان التحقيقية التي شُكّلت في العراق بأوامر من السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية وتلك اللجان التي شُكلت من قبل الوزراء والمدراء العامين نجدها قد بلغت الآلاف وقد توزعت مهام هذه اللجان ما بين قضايا أمنية واقتصادية وإدارية وجنائية، وعلى الرغم من أن الكثير من هذه القضايا والحوادث قد تسببت بأزمات كبيرة، منها ما هو متعلق بجرائم وانتهاكات خطيرة لمصالح الوطن وحقوق المواطن ومنها مرتبط بعمليات فساد إداري ومالي ألحق الضرر الكبير باقتصاد البلد، ومنها ما يتعلق بالخيانة الكبرى إلا أن عمل هذه اللجان ومسار عملها يحاط بسرية تامّة بدءًا بأسماء أعضائها وآليات عملها والإجراءات التي اتبعتها وانتهاءً بالحقائق التي توصلت إليها، أما فيما يتعلق بمصداقية الهدف من تشكيلها أساساً، فأن الشكوك تساور الكثير من المتابعين والمراقبين المهتمين بالمصلحة العامة، إذ يرى هؤلاء إن قرار تشكيل لجان التحقيق ما هي إلّا خدعة تكمن وراءها أهداف غير حسنة تتمثل باستيعاب ردود الفعل الشعبية الغاضبة تجاه مخالفة أو جريمة يرتكبها مسؤول أو موظف أو مكلف بخدمة عامة.
ويُعد ملف التحقيق بقتل المتظاهرين منذ تجدد الاحتجاجات الشعبية في الأول من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، الأكثر حساسية في البلاد حتى اليوم، مع توفر أدلة دامغة على تورط ضباط وقادة في الأجهزة الأمنية، وكذلك قيادات وعناصر في المليشيات المسلحة المدعومة من طهران، في قمع التظاهرات وقتل المحتجين. وبعد مرور نحو سنة على أول إعلان صادر عن الحكومة السابعة للاحتلال، في 12 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بتشكيل لجنة تحقيق عليا بجرائم قمع التظاهرات، إلا أن أي نتائج لم تظهر. كما أن عمل اللجان توقف، من دون أن تكشف عن حصاد تحقيقاتها. بينما صدر أمر قضائي يتيم باعتقال قائد الجيش في ذي قار الفريق جميل الشمري، بعد ثبوت إصداره أوامر إطلاق النار على المتظاهرين، لكنه لم يُنفذ، وما زال الشمري يعمل بعد إعادته إلى مقر وزارة الدفاع في بغداد.
واستمرت حكومة الاحتلال الثامنة على نهج القمع الدموي الوحشي للتظاهرات السلمية الجارية في العراق، وعلى الرغم من إصدارها قراراً بإطلاق سراح جميع المتظاهرين المعتقلين، وتشكيل لجنة قانونية عليا لتقصي الحقائق في كل الأحداث التي حصلت منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر وحتى اليوم، و"بما يحقق العدل والإنصاف ومحاسبة المقصرين تجاه الدم العراقي وتعويض عوائل الضحايا ورعاية المصابين"، بحسب بيان صدر عن مكتب رئيس الحكومة. لكن مصيرها لم يكن مختلفاً عن سابقاتها، وهو ما لمح إليه مصدر مقرب من رئيس الحكومة الحالية، عندما صرح لوسائل الإعلام أن "هناك جهات سياسية وأخرى مسلحة مقربة من طهران، أوصلت إشارات للكاظمي تحذره من أن عبد المهدي وأعضاء مكتبه ومساعديه خارج نطاق التحقيقات التي أمر بها".
ووفقاً لمعلومات حصل عليها قسم حقوق الإنسان في الهيئة، فإن أحدث حصيلة متوفرة لدى وزارة الصحة في الحكومة الحالية، تشير إلى أن مجمل ضحايا التظاهرات الجارية في العراق، منذ تجددها في الأول من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بلغت قرابة الـ(700) ضحية، بينهم نحو (60) ناشطاً بارزاً قضوا اغتيالاً. وتتصدر العاصمة بغداد أعداد الضحايا، تليها الناصرية العاصمة المحلية لمحافظة ذي قار جنوبي العراق، ثم مدينة كربلاء، والنجف، تليها البصرة وميسان جنوبي البلاد أيضاً. وارتفعت هذه الحصيلة في الأسبوع الأخير من المواجهات قبل تفشي جائحة كورونا في العراق، والتي تسببت بانحسار التظاهرات، لتصل إلى ما لا يقل عن 27 ألف مصاب، بقنابل الغاز والرصاص الحي، وبنادق الصيد.
إن مصير لجان التحقيق في قتل المتظاهرين مشابه للجان التحقيق بقضايا سقوط الموصل وصفقة السلاح الأوكراني الفاسد ومجزرة سبايكر وغيرها من الجرائم. فهذه اللجان تشكلت أساساً من أجل إسكات الجماهير الغاضبة، إلى حدّ أصبحت فيه الثقة معدومة بفاعلية هذه اللجان، بل إن مجرد الإعلان عن تشكيل لجنة تحقيقية في قضية ما، سينظر إليه الشعب العراقي كوسيلة لصرف أنظارهم عن هذه القضية ومن ثم كسب الوقت لطي صفحتها ونسيانها وتضليل الرأي العام عن مجرياتها. وعلى الرغم من توصل بعض هذه اللجان إلى حقائق وبالأدلة عن تورط ضباط ومسؤولين كبار وأحزاب سياسية متنفذة، وفصائل ميليشيا الحشد الولائية تحديداً، بقتل المتظاهرين وخطف واغتيال الناشطين. ولكن لحسابات وضغوط سياسية، أخمدت تلك التحقيقات وأغلق العمل بها، وهذا ما أكده عضو في لجنة الأمن البرلمانية الحالية، الذي طلب عدم ذكر اسمه. في حين قال عضو في مجلس مفوضية حقوق الإنسان في العراق: إن اللجنة العليا للتحقيق بعمليات قتل وقمع المتظاهرين، أكدت واعترفت بأن هناك جهات حكومية قتلت واستهدفت المتظاهرين، بطرق مختلفة، بقنابل الغاز المسيل للدموع، والرصاص الحي، وعمليات القنص، وغيرها.
إن ما تقدم ذكره في هذا التقرير غيض من فيض الأدلة التي تؤكد أن لجان التحقيق في العراق ما بعد الغزو الأمريكي تفتقر إلى الاستقلالية في عملها، وتنعدم فيها المهنية والنزاهة والاستقامة في السلوك؛ الأمر الذي يجعل عملية التحقيق ناقصة وبعيدة كل البعد عن أهدافها المفترضة. وإن خضوع أعضاء لجان التحقيق المشكلة من قِبَل السلطات الحكومية للتأثيرات أو الضغوط أو التهديدات سياسية أو الإغراءات بمنافع مالية، من شأنه تعطيل عمل هذه اللجان وضياع فرصة تحقيق الأهداف المأمولة منها. إلى جانب غياب الشفافية في عمل هذه اللجان التي يتسم السرية التامّة وعدم إعلان الحقائق التي تم التوصل إليها أثناء مراحل التحقيق وصولاً إلى النتائج النهائية لعملية التحقيق.
 
قسم حقوق الإنسان
10/صفر/1442هـ
27/9/2020م