لغز الانتخابات المبكرة في العراق.. بقلم: أمير المفرجي

لغز الانتخابات المبكرة في العراق
بقلم: أمير المفرجي

من شاهد فصول استقبال الرئاسات الثلاث للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارته للعراق، والأهمية والحرص الكبير اللذين أظهرتهما الطبقة السياسية الحاكمة للظهور أمامه كممثلين شرعيين للدولة العراقية، على الرغم من اتساع حجم الفجوة، التي تفصل هذه الطبقة السياسية عن الشعب العراقي، وفي الوقت الذي تستمر فيه انتفاضة الهوية العراقية، المطالبة بإصلاح العملية السياسية والقضاء على الطائفية والفساد، الذي أوصل الأغلبية من هذه الأحزاب للسلطة. حيث أصبحت ثروات العراق أداة سياسية لبقاء الأنظمة وحمايتها، وورقة رابحة في صراع القوى الإقليمية والعالمية، الساعية للتدخل في شؤون البلد. وهذا ما قد يدفع بنا للتفكير إلى ما سيؤول عليه مستقبل العملية السياسية، في حالة تنفيذ وعود رئيس الوزراء والذهاب إلى انتخابات مبكرة، قد تدفع لا محالة إلى تعنت الأحزاب المذهبية، في نهجها الطائفي في حالة استمرار حمايتها وإسنادها سياسيا وعسكريا من قبل الأسرة الدولية.

وإذا كان مغزى الأهمية التي أظهرتها بروتوكولات استقبال الرئاسات الثلاث للرئيس الفرنسي، تنبع من أهمية الشخصية الزائرة، وموقع فرنسا المهم كخامس دولة عظمى، إلا أن التهافت الواضح للنخبة الحاكمة في لقاء الزعيم الفرنسي، والأخطاء البروتوكولية في تنفيذ بعض المراسيم، على الرغم من الإمكانية المتوفرة، التي يتمتع بها العراق من قصور رئاسية ونسيج ضيافي، يتناسب مع أهمية ومكانة الضيف، بيد ان الحضور اللافت للكثير من الوجوه، التي يرفضها العراقيون، كانت تشير إلى حرص الطبقة الحاكمة على إقناع ممثلي القوى الكبرى، بأنهم من سيمثل العراق وحكمه إلى الأبد، وأن انتفاضة العراقيين ضد الفساد والطائفية، لم تعد قادرة على إزاحتهم، وأنهم عازمون على البقاء، رغم فشلهم ورفض الشارع العراقي لهم.. وبمعنى آخر سيكون من الصعب إقناع نواب الأحزاب الحاكمة، بحل البرلمان والتخلي عن رواتبهم، وترك امتيازات السلطة، فهم باقون حتى إن تطلبت الأمور، تزوير الانتخابات المقبلة، وصولا للفوز والاستمرار في جرّ البلاد إلى الهاوية، وكما كانت الأمور في السابق، انسجاما مع استمرار موجات العنف وعمليات  الخطف، التي تنفذها الميليشيات الساعية إلى إسكات حرية التعبير، ورفض تداول السلطة عن طريق نزاهة واستقلالية المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، التي لم تتعافَ بعد من عمليات التزوير، وعدم التدقيق في مصادر تمويل الأحزاب، وإنفاذ القوانين، أو استغلال الأموال العامة لشراء الأصوات؛ وإخضاع الميليشيات لسيطرة الدولة، التي ستدفع لا محالة إلى تقييد عملية الانتخابات، تحت تهديد السلاح.

وهذا ما قد يتناقض مع الوعود التي قطعها رئيس الوزراء نفسه، الذي دعا منذ وصوله للسلطة، إلى تهيئة الظروف المناسبة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تراعي حقوق جميع العراقيين. وهنا لابد من الإشارة إلى أن مصطفى الكاظمي ومن خلال مشروع قانون الانتخابات الجديد، قد تعهد في مايو الماضي بالسعي لإجراء انتخابات مبكرة، استجابة لمطالب انتفاضة تشرين، الرافضة للطبقة السياسية الحاكمة، التي يتهمها العراقيون بالفساد والتبعية للخارج، رغم صعوبة تطبيقه، حيث لا يزال هذا المشروع يراوح مكانه منذ العام الماضي، بسبب خلافات الأحزاب الحاكمة على العديد من بنوده الرئيسية، المتعلقة باعتماد دائرة انتخابية واحدة على مستوى المحافظة الواحدة، أو الدوائر المتعددة، وكذلك اعتماد التصويت المباشر للمرشح، أو التصويت لصالح القائمة الانتخابية.

وهذا ما قد يذهب لغير صالح الأحزاب المهيمنة على السلطة منذ 2003، التي ستعمل لا محالة على تعطيل إجراء الانتخابات، عن طريق إعادة هيكلة تحالفاتها القديمة، التي تعتمد الطائفية وضخ الأموال التي جنتها طيلة الحقبة السابقة، للتأثير ومن ثم تغيير نتائج الانتخابات لاستمرار بقائها في السلطة. وهذا ما يفسر ظاهرة عودة التفاهمات بين قادة الكتل المسيطرة في البرلمان، سعيا للخروج باتفاق مبكر يمهّد لآلية للخروج من مأزق الانتخابات المبكرة في 6 يونيو المقبل.

ثمة من يعتقد أن قانون الانتخاب الجديد، الذي اعتمد نظام الدوائر الانتخابية المتعددة، والذي دفعت به ساحات التظاهر للمشاركة في الانتخابات، قد يقلب الطاولة على هيمنة القوى والأحزاب الطائفية السنية والشيعية، التي تعتمد عامل التحشيد الطائفي، لحصد أصوات الناخبين من خلال العودة للسلاح المنفلت خارج سيطرة الدولة، الذي سيهدد لا محالة مجمل العملية الانتخابية. لا شك بأن مطلب الانتخابات المبكرة النزيهة، الذي رفعته انتفاضة تشرين، لا يمكن تنفيذه الا بتوفر الشروط اللازمة لإجرائه، ولعل من أول هذه الشروط، إنهاء التدخل الإيراني في شؤون العراق، من خلال القضاء على الميليشيات وحيتان الفساد السياسي. وبعكس ذاك تبقى تصريحات مصطفى الكاظمي وعودا إعلامية صعبة التنفيذ، ناجمة عن عجز رئيس الوزراء عن مواجهة أحزاب إيران والميليشيات التابعة لها. وهذا ما قد يفسر للعراقيين في النهاية، لغز القبول بمصطفى الكاظمي لرئاسة الوزراء، لفهم أسباب الازدواجية والإشكالية في تعامله مع الأحزاب الحاكمة في العراق.

كاتب عراقي