العراق وفرنسا :تعزيز سيادة مَن لا سيادة له.. بقلم: د. مثنى عبد الله

العراق وفرنسا :تعزيز سيادة مَن لا سيادة له
بقلم: د. مثنى عبد الله

أجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول زيارة رسمية له إلى بغداد في 2 سبتمبر/أيلول الجاري. وقبل وصوله إلى العاصمة العراقية قال إنه يتوجه (لإطلاق مباردة إلى جانب الأمم المتحدة لدعم عملية السيادة). فذهبت تصورات الكثير من المراقبين إلى أنه ربما هنالك مشروع فرنسي يمكن أن تكون باريس قد صاغته، وفق الظروف الدولية والإقليمية المحيطة بالقضية العراقية، لتعزيز السيادة العراقية بوجه هذه التحديات، لكن الرئيس الفرنسي فاجأ الجميع حين قال لمضيفيه العراقيين، أنتم من تعززون السيادة ونحن معكم. أنتم من عليكم أتباع سياسات جادة في كل مفاصل الحياة العراقية ونحن معكم. وأنتم من عليكم إعادة هيكلة القوات المسلحة ونحن معكم، وعندما يختمر المشروع العراقي لتعزيز السيادة سنجلب العالم كي يكون معكم. لكن لم نسمع منه كيف؟ ومتى؟ وأين المبادرة؟ أم أن مبادرة ماكرون ستقتصر على الاقتصاد والطاقة والتسليح، كي تستفيد الشركات الفرنسية، التي ليس لها علاقة بالسياسة والسيادة؟ لكن لماذا التحرك الفرنسي الآن في العراق؟

يجب أن نُذكّر بأن فرنسا كانت مع بريطانيا سيدة المشرق العربي بعد الحرب العالمية الأولى، وكانت من صُنّاع خريطة الشرق الأوسط الحالية، لكن التقدم الأمريكي ـ السوفييتي هو الذي أجبرها على الانسحاب من المنطقة. ومع ذلك بقيت المسلمات الأساسية الفرنسية هي نفسه، مهما كانت هوية ساكن قصر الإليزيه. يقول الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي عن استراتيجية الأمن القومي الفرنسية، إنها تقوم على محور أساسي مهم جدا، يمتد من المحيط الأطلسي إلى الهندي مرورا بالبحر المتوسط والبحر الأحمر. وحول هذا المحور الاستراتيجي تم الانتقال من منطقة النفوذ إلى ما يسمى قوس الأزمات، هذا القوس الذي تأتي منه الهجرة غير الشرعية باتجاه أوروبا، خاصة فرنسا، وكذلك يأتي منه ما يسمى الإرهاب وضرورة جمع المعلومات عنه. وحصريا في هذا الموضوع ترى باريس أن تنظيم الدولة يشكل مصدر قلق كبير لها، وأن ظروف العراق الحالية المتمثلة بأزمة اقتصادية خانقة، وعدم وجود يقين سياسي بالطبقة الحاكمة، والصراعات الجارية على أرضه، هي نفسها ظروف النشأة الأولى لهذا التنظيم، ولأن ماكرون كان في أزمة داخلية عاصفة، عندما رفض استلام مواطنيه الذي كانوا يقاتلون في سوريا، ولأن الحاكم في بغداد كان رئيسا لجهاز المخابرات، وقدّم خدمة لماكرون في استلام هؤلاء الجهاديين، والإبقاء عليهم في السجون العراقية، فإنه جاء إلى بغداد للتحدث في هذا الملف، بعد مطالبات عراقية بضرورة أن تقوم فرنسا بتقديم أموال ومشاريع، مقابل الإبقاء على هؤلاء في السجون العراقية، لأن بقاءهم يتطلب أموالا لا يستطيع العراق اليوم تأمينها، في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور. كما أنه جاء أيضا كي يبعث رسالة إلى تركيا، بأنه قادر على مناكفتها في العراق، بعد ليبيا وشرق المتوسط.

إن الحديث عن السيادة العراقية وتعزيزها في ظل الطبقة السياسية الحالية، شيء أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة. السيادة تُفرض ولا تُستجدى. تتحقق باحتكار الدولة الاستخدام الشرعي للسلاح، لا أن تكون الميليشيات هي من يحتكره ويطلقه يوميا على المؤسسات السيادية للدولة، والدور السكنية، والبعثات الدبلوماسية الأجنبية. تتحق السيادة عندما تكون حرية التعبير السلمي عن الرأي مضمونة، من دون قتل وترهيب وتغييب واختطاف. تتحقق السيادة عندما لا يكون في السلطة من أكله وشربه وتدريبه وتسليحه من إيران وأمريكا. وفوق هذا وذاك تتحق السيادة عندما تكون الانتخابات نزيهة، ولا يوجد خلاف على شرعية الحاكم. لن يكفي أن يقول برهم صالح ومصطفى الكاظمي وإيمانويل ماكرون وغيرهم بأنهم يريدون بناء وتعزيز السيادة العراقية، وأن السيادة خط أحمر، وأنه لا يجوز الصراع وتصفية الحسابات الخارجية على الأرض العراقية. هذه شعارات فارغة لا معنى لها. إسألوا الرئيس، ما هي حاضنته الدولية والإقليمية وستعرفون أين السيادة؟ إسألوا رئيس الوزراء ما هي الأطراف الخارجية التي وافقت على تسنمه المنصب، وستعرفون ما معنى السيادة العراقية؟ إسألوا كل السلطات العراقية أين السيادة والفاعل الأمريكي قادر على تجميد كل الأموال العراقية في البنك الفيدرالي الأمريكي؟ أين السيادة والإيرانيون بنوا نسيجا استخباراتيا لصالحهم في السياسة والأمن والجيش والمعتقلات والاقتصاد والثقافة والدين والتعليم، وكل مناحي الحياة العراقية؟ حينها ستعرفون كم هي مفارقة كبرى قول الرئيس العراقي لماكرون (إن العراق يتطلع إلى دور محوري وأساسي في المنطقة). فكيف يتحول المفعول به إلى فاعل؟ أم أنه يرى الفاعل الإيراني والامريكي والتركي وكل الغرب في الساحة العراقية هو تعزيز للسيادة العراقية؟

إن الاستثمار السياسي أحد قوانين علم السياسة، الذي لا أحد يعترض عليه، وقد توفرت للرئيس الفرنسي عناصر مهمة أراد استغلالها لمصلحة بلده، وله شخصيا أيضا، كي يلفت الأنظار إلى الدور الفرنسي، خاصة أن لبنان والعراق يعانيان من أزمات مستفحلة. لقد وجد في العراق شعبا ثائرا يطالب بدولة ذات سيادة. ووجد نية انسحاب أمريكي تدريجي من المنطقة، عبّر عنه الرئيس الأمريكي ترامب في 21 أغسطس/آب الماضي، بتأكيد التزامه بسحب القوات الأمريكية من العراق، على الرغم من عدم تحديد جدول زمني، مضافا إليه حاجة إيرانية إلى تفاهم إقليمي ودولي يخرجها من عزلتها. هذه العناصر أعطت الرجل مساحة للتحرك في لبنان والعراق، إضافة إلى ليبيا وشرق المتوسط. لكنه يريد تحقيق مصالح عسكرية واقتصادية استراتيجية خاصة في العراق، الذي كان يوما أكبر شريك تجاري وعسكري لفرنسا، في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، لكن الطريق العراقي غير سالك لماكرون، لأن الفاعل الإيراني وذيوله لن تسمح بذهاب الكعكة إلى فرنسا، رغم العلاقات المتينة بين باريس وطهران. وإذا كان هنالك من يُرحب بالدور الفرنسي، فغيره يُفضّل أدوار آخرين، لأن الفرقاء العراقيين لديهم علاقات تحاضن مع العديد من القوى الدولية، وبالتالي كل يريد لحاضنه أن يكسب.

كما أن الصين تراهن على الدور الإيراني في العراق، كي يكون بوابة لدخول استثماراتها، وإذا كان ماكرون يراهن على رئيس الوزراء الحالي، فهي مراهنة غير مضمونة، لأن الأخير مرحلة مؤقتة، حسب قول الأطراف السياسية المحلية التي وافقت عليه، بل حتى الدور الفرنسي غير مُعترف به في العراق منذ عام 2003 وحتى اليوم، فكل الاتفاقيات التي عقدت مع الفرنسيين منذ عام 2003 بقيت حبرا على ورق.

إن زيارة الرئيس الفرنسي زيارة بروتوكولية، حصلت بعد تأجيل لثلاث مرات، وعلى الرغم من أننا سمعنا عنها كلاما كثيرا، وتصريحات متعددة، لكنها على أرض الواقع لم ترتب أي شيء جديد. ربما كان الرجل يحمل مبادرة ما، لكنه أحجم عن طرحها لأنه تيقن من أن صنع القرار السياسي العراقي ليس في العراق، أو أنه وجد من التقاهم غير مؤهلين للعمل من أجل السيادة العراقية، مثلما كانوا غير مؤهلين لترتيبات زيارة لم تدم سوى ساعات، فتركوا الرئيس من دون ترجمة كي يسمع ما يقول مضيفه.

كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية