التجاوزات المتواصلة على مياه العراق تسببت في جفاف أراضيه وهجرة مزارعيه

يبدو ان تسمية العراق ببلاد وادي الرافدين اصبحت قديمة ولا تتناسب مع الواقع المرير الذي يعيشه هذا البلد الجريح منذ ابتلائه بالاحتلال السافر وحكوماته المتعاقبة، ولا سيما عقب انخفاض مناسيب نهري دجلة والفرات بسبب السدود الايرانية والتركية، وتسلل الجفاف الحاد الى الاراضي العراقية، ما أثر بشكل مباشر على الزراعة وتربية المواشي والاسماك، وساهم بتهجير المزارعين الى مناطق أخرى بحثاً عن مصادر للزرق.

فقد أقرت وزارة الموارد المائية الحالية مؤخرا بحدوث انخفاض كبير في كميات المياه الواردة من الأراضي الإيرانية نتيجة تحويل مجرى المياه الى داخل ايران، اضافة الى السدود الصغيرة التي تم انشائها خلال السنوات الاخيرة .. موضحة ان محطات الرصد الواقعة على نهر (سيروان) اكتشفت ان مقدم سد (دربندخان) انخفض من (45) متر مكعب في الثانية إلى سبعة امتار مكعبة فقط، فيما شهد نهر (الزاب الأسفل) قطعا شبع كامل للمياه بعد ان اصبح تصريف المياه فيه لا يتجاوز المترين المكعبين في الثانية، ما أثر كثيرا على الخزين المتواضع في سدي (دوكان،  ودربندخان).

ووفقا للبيان الذي اصدرته الوزارة المذكورة، فان إيران أقدمت ايضا على تحويل جزء من مياه نهر الزاب إلى بحيرة (اورومية) وتحويل جزء من مياه نهر (سيروان) عن طريق نفق (موسود) إلى مشاريع إروائية في منطقتي (كرمنشاه، وسربيل زهاب) ضمن حوض نهر (الكرخة)، بالرغم من معرفتها بأن هذه الأعمال تُعد مخالفة واضحة وصريحة للقوانين والأعراف الدولية التي تنص على عدم نقل المياه من نهر إلى آخر إذا كان ذلك يلحق الضرر بالسكان الذين يقطنون على حوض النهر وخاصة مصبات الأنهر.

ونتيجة للاجراءات الايرانية التعسفية واللاقانونية اصبح المواطنون الذين يسكنون المناطق في حوض محافظة ديالى أول المتضررين جراء انخفاض منسوب المياه وتدني المخزون في سدّي (دربندخان، وحمرين)، وكذلك الحال في حوض (الزاب الأسفل) ومخزون سد (دوكان) الذي يؤمن المياه لمشروع ري كركوك، ودعم نهر دجلة لتأمين المياه للمحافظات العراقية الجنوبية، فضلا عن إلحاق الضرر بشريحة واسعة من ابناء المحافظات الشمالية الثلاث، وجميع المزارعين العراقيين الذين يعتمدون على مياه حوض (الزاب الأسفل).

وفي هذا الصدد، أكد (جمال الشمري) عضو ما يسمى مجلس ناحية (كنعان) بمحافظة ديالى في تصريح نشر مؤخرا ان (40) قرية زراعية تابعة للناحية ما زالت تعاني منذ أربعة أشهر متتالية من عطش كبيرة تسببت في حالة جفاف طالت حتى الابار الارتوازية .. لافتا الانتباه الى توقفت الزراعة في أكثر من (100) الف دونم، ما الحق اضرارا مادية جسيمة بالمواطنين الذين يعتمدون بشكل مباشر على الزراعة في تأمين متطلبات حياتهم اليومية.

بدوره، كشف (مازن الخزاعي) مدير ناحية مندلي شرقي مدينة بعقوبة في تصريح مماثل، النقاب عن ان أكثر من (20) قرية في منطقة (الندا) التابعة للناحية تعاني الان نقصاً حاداً في المياه بسبب التجاوزات على قناة (مندلي) الممتدة بين قضاء (المقدادية) وناحية مندلي، ما تسبب بتوقف سبعة مجمعات لتصفية المياه الصالحة للشرب التي تغذي المناطق التابعة لناحيتي (مندلي، وقزانية)، اضافة الى الاضرر الكبيرة التي لحقت بأكثر من ألف دونم من الاراضي الزراعية بسبب شحة مياه السقي.

وفي هذا السياق، دقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة والاسرة (اليونيسف) العاملة بالعراق ناقوس الخطر اثر حرمان نحو ستة ملايين عراقي من الحصول على مياه الشرب، وحذرت من مخاطر تفاقم هذه المعاناة في حال استمرار شح المياه .. مشيرة الى ان الخطر المحدق يكمن في احتمالية نضوب نهري دجلة والفرات خلال السنوات القليلة المقبلة.

المعهد الملكي البريطاني للدراسات (جاثام هواس)، أوضح في تقريره الجديد حول سياسة الموارد المائية في العراق، ان مناسيب نهري دجلة والفرات انخفضت بنحو 40% لأسباب بينها الاجراءات التي اتخذتها البلدان المجاورة وخاصة ايران وتركيا على منابع الانهار .. مشيرا الى ان ارتفاع درجات الحرارة وقلة الأمطار اثرت على الاحتياطيات المائية، اضافة الى عمليات التبخر التي تشهده السدود والمستودعات المائية التي بلغت ثمانية  مليارات متر مكعب سنوياً.

ونسبت الانباء الصحفية الى المعهد البريطاني قوله: "ان شح المياه تسبب بجفاف مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت خصبة، وازدياد نسبة الفقر في المناطق الزراعية، ما أدى الى اندلاع نزاعات بين السكان الذين يعانون اصلاً من صعوبات ومشكلات اقتصادية ولا سيما الذين يعتمدون في معيشتهم على مياه الأنهار، وهو ما دفع الكثير من العائلات الى الهجرة من المناطق الريفية الى المدن التي تعاني من اكتظاظ سكاني وقلة الخدمات وانقطاع التيار الكهربائي نتيجة اهمال حكومات الاحتلال المتعاقبة منذ عام 2003".

وازاء ما تقدم، فان غياب الدور الحكومي، وعدم دعم القطاع الزراعي والثروة السمكية، وضعف مواقف الحكومات المتعاقبة تجاه تجاوزات الدول المجاورة على حصص العراق المائية، كلها عوامل ساهمت في انخفاض مناسيب النهرين الرئيسيين دجلة والفرات، ما أثر بشكل كبير على الزراعة التي ما زالت تُعد مصدراً لدخل شريحة واسعة من المجتمع العراقي، والتي اضطرت الى هجرة اراضيها بسبب شحة المياه والاهمال الحكومي المتعمد لهذه الشريحة.

وكالات + الهيئة نت

ب