قسم حقوق الإنسان يُصدر تقريرًا بعنوان: (التمييز أمام القضاء أبرز ملامح غياب الدولة القانونية في العراق)

قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين، يُصدر تقريرًا بعنوان: (التمييز أمام القضاء أبرز ملامح غياب الدولة القانونية في العراق)، وفيما يلي نص التقرير:

تقرير:
(التمييز أمام القضاء أبرز ملامح غياب الدولة القانونية في العراق)
 
السلطة القضائية في العراق تبرئ مرتكبي مجزرة جامع (مصعب بن عمير) في ديالى، المحكومين بالإعدام سنة 2015م، وتقرر الإفراج عنهم، ويجري تنفيذ قرار الإفراج بإجراءات سريعة غير مسبوقة.
إن أصل قيام أي دولة يرتكز على أركان وضمانات قانونية أبرزها: المساواة في مختلف الحقوق العامة والخاصة ولاسيّما عدم تمايز الأفراد أمام القضاء، ويعدّ تطبيق المساواة أمام القانون اللبنة الأولى في التطبيقات الأخرى لمبدأ المساواة في الدولة القانونية، إذ أن بانعدام المساواة يستحيل صون الحقوق ويتحول الأمر إلى مساواة نظرية بعيدة عن التطبيق العلمي لها، الذي له أهمية كبرى من حيث الطبيعة القانونية وقيمتها من الناحية القانونية بحثا عن أصل هذه الحقوق المنشاة، وكذلك تحُدَّد طبيعة النظام السياسي على ضوء صون الحقوق المعلن لها اعترافاً واحتراماً وكفالة للإفراد.
وتعدّ المساواة أمام القانون والحماية المتساوية التي يكفلها القانون دون أي تمييز، مبدأ أساسيًا وعامًا يتعلق بحماية حقوق الإنسان. ومن ثم فإن الفقرة 1 من المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تلزم كل دولة طرف باحترام الحقوق المعترف بها في العهد وبضمان هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والخاضعين لولايتها دون أي تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غير السياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة أو النسب أو غير ذلك من الأسباب. يًزاد على ذلك ما جاء في المادة 26 من العهد الدولي آنف الذكر، التي تحظر أي نوع من أنواع التمييز بمقتضى القانون وتكفل لجميع الأفراد حماية واحدة وفعالة ضد التمييز القائم على أي أساس من أسس التمييز المذكورة أعلاه.
وعلاوة على عدم توفر أركان الدولة القانونية في النظام السياسي القائم في العراق ما بعد الغزو الأمريكي سنة 2003؛ فإن تبرئة المجرمين وتجريم الأبرياء نهج سياسي مستمر تتبعه جميع حكومات الاحتلال المتعاقبة. وكدليل آخر يؤكد عدم مهنية السلطة القضائية في العراق؛ اتخذت محكمة (التمييز الاتحادية) قرارًا بتبرئة مرتكبي مجزرة جامع (مصعب بن عمير)، التي تعود لعام 2014 وراح ضحيتها أكثر من 70 شخصاً، الأمر الذي يعزز حقيقة أن النظام السياسي القائم في العراق ما بعد الغزو الأمريكي نظام مارق خارج عن القانون تنعدم فيه مقومات قانونية الدولة.
ارتكب مجزرة جامع (مصعب بن عمير) في محافظة ديالى في آب/أغسطس 2014، عدد من عناصر مليشيا (العصائب)، الذين اقتحموا المسجد وقت صلاة الجمعة، وأطلقوا النار عشوائيًا على المصلين، ليسقط أكثر من (70) قتيلًا على الأقل. وبعد مرور نحو عام على المجزرة أصدرت السلطة القضائية في العراق أحكاماً بالإعدام على عدد من تلك العناصر استناداً إلى اعترافاتهم بارتكاب الجريمة، لكنه عاد قبل نحو أسبوعين لينقض القرار، ويعلن تبرئتهم من التهم ويطلق سراحهم.
وقد أثار قرار تبرئة مرتكبي مجزرة جامع (مصعب بن عمير) المجحف بحق العراقيين والمستخف بدمائهم، موجة غضب شعبية واسعة في البلاد، وانتقادات لاذعة على مواقع التواصل الاجتماعي حتى من قِبَل المشاركين في العملية السياسية أنفسهم، حيث أقر رئيس البرلمان السابق في العراق (سليم الجبوري) بالظلم المسلط منذ سنين طويلة على العراقيين عامة وعلى أهالي محافظة ديالى خاصة، التي ينتمي إليها، عادّاً القرار طعنة في قلب "العدالة" بحسب تعبيره، إذ نشر في تغريدة له: إطلاق سراح مرتكبي مجزرة جامع مصعب بن عُمير في ديالى طعنة قاتلة في قلب العدالة بخنجر الظلم المسلط عليها منذ سنوات طويلة.
وفي بيان لها بهذا الشأن؛ قالت هيئة علماء المسلمين في العراق : (إن تبرئة (محكمة التمييز) لمرتكبي مجزرة (جامع مصعب) المروعة التي تقشعر لها الأبدان مع ثبوتها بالأدلة القاطعة بشهود العيان وشهادات المجني عليهم والاعتراف الصريح من مرتكبيها؛ تؤكد بلوغ حالة (تسييس القضاء) في العراق مرحلتها القصوى، وتكشف عن مدى قدرة السياسيين وقادة الميليشيات المتنفذين على فعل ما يريدونه في هذا المجال، وتفضح –بما لا يدع مجالا لمتشكك- عن حقيقة صدور آلاف الأحكام بالسجن المؤبد والإعدام بحق الأبرياء التي أصدرتها المحاكم المختلفة في العراق، على من يتم اعتقالهم بدوافع عنصرية بواسطة الوشايات والاعترافات المنتزعة تحت التعذيب والإكراه والمساومات، وتصادق عليها محكمة التمييز بدون مراجعة؛ بينما المجرمون من الميليشيات وأحزاب السلطة الحاكمة الذين تتم إدانتهم بالشهود والقرائن والأدلة يتم إطلاق سراحهم).
وأكدت الهيئة في بيانها على أن ما يجري في محاكم العراق من تبرئة المجرمين وتجريم الأبرياء؛ هي سياسة حكومية مقيتة ومستمرة، تمليها رغبات أصحاب النفوس المريضة ممن استرخصوا دماء العراقيين، وأن هذه الجرائم والمجازر وقرارات المحاكم المجحفة بحق العراقيين وحقوقهم، على بشاعتها؛ هي غيض من فيض وما خفي كان أعظم، وهي تظهر بشكل قاطع التواطؤ والتنسيق المفضوح بين الميليشيات وحكومات الاحتلال المتعاقبة، وسطوتهم على المؤسسات القضائية، وتمرير جرائهم بحق الشعب العراقي.
من جهته، عدّ الباحث في الشأن العراقي (جاسم الشمري) الحكومة الحالية شريكًا مباشرًا في الجريمة لأنها تخلت عن مسؤوليتها تجاه هذا القرار، وقال في تغريدة له: تغليس (تجاهل) حكومة مصطفى الكاظمي عن قرار محكمة التمييز ببطلان حكم السفاحين الذين قتلوا المصلين بجامع مصعب بن عمير في ديالى، لا يعفيها (الحكومة) من المسؤولية، بل يدخلها شريكًا مباشرًا في الجريمة بسبب القوة القانونية التي يمتلكها رئيس الحكومة.
وبهذا الشأن؛ قال الدكتور (أيمن العاني) مسؤول قسم حقوق الإنسان في الهيئة: إن تمييز حكم الإعدام وتبرئة مرتكبي مجزرة مروعة راح ضحيتها عشرات المصلين، يلخِّص الحال المزري للسلطة القضائية وتغييب العدالة المزمن في ظل النظام القائم على المحاصصة في العراق وهيمنة الميليشيات الموالية لإيران عليه، ويؤكد عدم صلاحية القضاء الحالي كمحكِّم عادل بين الناس، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر بجميع أحكام الإعدام الصادرة عنه ولاسيّما الأحكام وفق المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب، الذي يتيح استخدام الأساليب غير المشروعة لانتزاع الاعترافات الباطلة كالتعذيب والمعاملة المهينة والابتزاز واعتقال العائلات للضغط على الفارّين من الظلم لتسليم أنفسهم وغيرها.
وعلى الرغم من أن قرار الحكم بحق المجرمين قد تم التدخل فيه وتخفيفه على مرحلتين من حيث عدد المشاركين في الجريمة، من خلال زعماء الميليشيات للتستر عليهم وعدم إدانتهم؛ إلا أن قيام (محكمة التمييز) بإلغاء إدانة المتهمين والحكم ببراءتهم من الجرم الذي ارتكبوه، وعدم قبولها اعترافات المرتكبين وشهادات الناجين من المذبحة؛ وقرار إطلاق سراح المجرمين فورًا، يعدّ مخالفات صارخة لكل الإجراءات القانونية الواجب اتخاذها في مثل هذه القضايا الخطيرة.
وسنتتبع في هذا التقرير مسار قضية مجزرة جامع (مصعب بن عمير)، كدليل على تمايز الأفراد أمام السلطة القضائية القائمة في العراق ما بعد الغزو الأمريكي والاحتلال الإيراني الذي أعقبه، التي باتت تفتقر إلى الحياد وتنتفي عنها صفة الاستقلالية وتنعدم فيها العدالة إلى أقصى الحدود التي لا يمكن حصرها في سطور معدودات، ومسار القضية كالآتي:
- في 22 آب/أغسطس 2014م، مسلحون ينتمون لمليشيا "العصائب" يقومون بقتل (73) شخصاً على الأقل، بينهم نساء وأطفال، في هجوم استهدف مصلين أثناء إقامتهم صلاة الجمعة في مسجد (مصعب بن عمير) في قرية (بني ويس) بمنطقة (حمرين) التابعة لناحية (السعدية) شمال شرقي محافظة (ديالى) بالعراق، التي تسيطر عليها منذ سنين طويلة ميليشيات موالية لإيران مثل ميليشيا (بدر) و (العصائب) وغيرها.
- وفي 13 نيسان/أبريل 2015م، محكمة جنايات الرصافة تصدر حكمًا بالإعدام شنقًا على (34) شخصًا من المدانين الذين ثبت جرمهم في هذا الحادث الإرهابي، وهم بعض مرتكبي هذه المجزرة الوحشية؛ لاعترافهم بجرمهم وشهادات شهود العيان من أهل المنطقة والناجين من المجزرة.
- وفي 29 آب/أغسطس 2018م، محكمة (التمييز الاتحادية) تقرر إلغاء القرارات كافة بحق المدانين وإعادة التحقيق على الرغم من ثبوت التهمة على المجرمين، وتحيل القضية إلى المحكمة (الجنائية المركزية).
- في 7 كانون ثاني/يناير 2020م، محكمة (الجنائية المركزية) تؤكد قرار تجريم المتهمين، ولكنها تقوم بتخفيف الحكم إلى السجن المؤبد، متجاهلة وقائع ثبوت ارتكاب الجناية عليهم وقتلهم عشرات المصلين عن سبق إصرار وترصد، فضلًا عن طبيعة الفعل الجرمي وطريقة تنفيذه وحرمة المكان الذي وقعت فيه الجريمة.
- في 30 حزيران/يونيو 2020م، محكمة (التمييز الاتحادية) تصدر حكمًا بإطلاق سراح (المجموعة الميليشياوية) التي ارتكبت مجزرة جامع (مصعب بن عمير) المروعة وراح ضحيتها (73) شخصًا كانوا يؤدون صلاة الجمعة في المسجد.
- في 2 آب/أغسطس 2020م، تنفيذ قرار الإفراج عن القتلة بإجراءات سريعة غير مسبوقة، على الرغم من ثبوت جريمتهم في ارتكاب هذا الحادث الإرهابي بالدليل القاطع عن طريق شهود العيان، واعترافهم أمام القضاء بمسؤوليتهم عن المذبحة التي ارتكبوها يوم 22 آب/أغسطس 2014م، وأنهم هاجموا المصلين في الجامع.
 
قسم حقوق الإنسان
4/ محرم/ 1442هـ
23/8/2020م