انفجار لبنان.. نهاية الطائفية وتأسيس نظام جديد. بقلم: طلعت رميح

انفجار لبنان.. نهاية الطائفية وتأسيس نظام جديد

بقلم: طلعت رميح

أيًا من كان الفاعل، فقد أخرج الانفجار المروع لبنان من "الطريق المسدود" الذي كانت قد وصلت إليه حالة الصراع الداخلي، وأحدث تغييرًا في التوازنات وعوامل القوة لدى أطرافه، ودفع بهذا البلد للسير نحو حقبة جديدة، تؤسس في نهاية مشوارها، نظامًا جديدًا بديلًا للطائفية، سواء جاء ذلك عبر انهاء تحالف عون –نصر الله، بما يحدث انقلابًا في التوازنات الحالية أو عبر الحرب الأهلية أو عن طريق مؤتمر تأسيسي تقوده القوى الغربية... الخ.

قبل الحدث كان لبنان قد شهد حالة من التوقف الشامل. كانت آمال قوى الطائفية السياسية التي شكلت حكومة حسان دياب –وفق تحالفات داخلية وتفاهمات فرنسية إيرانية- قد تبخرت؛ إذ دخلت الحكومة في مأزق سياسي واقتصادي شامل. فلا هي تمكنت من هزيمة القوى الرافضة لها، ولا هي أنهت الحصار الخارجي المفروض على لبنان، ولا هي استطاعت إدارة عجلة الاقتصاد -بل تدهور سعر الليرة بمعدلات قياسية- ولا هي تمكنت من اجتذاب قطاع من الجمهور الرافض لها.

وفي المقابل، كانت المظاهرات والحراك المدني وقوى المعارضة الطائفية، قد وصلت بدورها -هي الأخرى- إلى طريق مسدود، سواء في محاولتها إزاحة الحكومة، أو فيما استهدفته من تغيير المعادلات الداخلية بما يفتح الطريق لانتخابات جديدة أو لتشكيل حكومة حيادية أو لإقرار قانون جديد للانتخابات... إلخ. وهي باتت ترى بأم أعينها أن تصعيدًا لحركتها في الشارع بأكثر مما فعلت، سيؤدي لاندلاع حرب أهليه، لن تجري لمصلحتها.

انتهت الأوضاع إلى حالة شلل كامل. وجاء الانفجار المروّع ليهز كل شيء في لبنان –سواء الأبنية الإسمنتية أو الأبنية الاجتماعية أو مؤسسات الدولة أو التحالفات السياسية- وليعيد فتح خطوط الحركة أو ليفتح الطرق المقفلة التي لم تنجح المعادلات والتحيزات السابقة في فتحها، رغم الحراك الجماهيري المتقد لعدة أشهر.

وإذا كان هناك من تصور، أن فتح خطوط الحركة، قد يسمح للبنان بالخروج من المأزق الداخلي باتجاه إعادة ترتيب الأوراق وفق ذات القواعد القديمة وينهي الحصار الخارجي، فالحاصل أن خطوط الحركة، قد فتحت باتجاه تفعيل دور الخارج في الداخل، إلى درجة يمكن القول معها أن لبنان دخل في وضعية نهاية حالة الاستقلال –حتى لو كان شكليًا- وبات بلدًا تحت الفعل الدولي المباشر بل حتى تحت الوصاية الخارجية ومن فوق الأرض اللبنانية.

لقد جاء زلزال الحدث، وكأنه موجة انفجارية هدفها فتح الطرق جميعها، لإحداث تغييرات شاملة في التوازنات القائمة على الأرض، عبر وجود عسكري خارجي، ومن خلال إحكام السيطرة على الحركة السياسية والتحالفات والتوازنات الطائفية، وعلى عصب الاقتصاد اللبناني، بما يمكن من السير نحو إعادة تأسيس الحالة اللبنانية وفق قواعد وأسس وشروط وتوازنات جديدة.

وتأتي أهمية هذا التوصيف، من أن كل الدول التي تشهد صراعات في منطقتنا باتت في وضع شبيه بلبنان قبل زلزال الانفجار؛ إذ وصلت الأزمات فيها إلى وضعية الأزمة المقفلة وإلى حالة التآكل الذاتي لعوامل قوة الدولة والمجتمع. كما تأتي الأهمية، من احتمالات تكرار المشهد أو شبيه له. وربما على الجميع في تلك الدول أن يتوقع وقوع أحداث –بغض النظر عن طبيعتها التي لا شك ستختلف بين دولة وأخرى- لإعادة فتح المسارات وتغيير المعادلات الداخلية وتعميق الأدوار الإقليمية والدولية في داخلها. خاصة وأن بعض المؤشرات تطرح فكرة، أن حدث لبنان الكبير هذا، ربما يتطلب وقوع أحداث مشابهة في دول أخرى –أيًا كانت ملامحها- ليكتمل دوره وتأثيره في لبنان ذاتها؛ إذ المنطقة لا حل لها عند الكثير من الأطراف الساعية لإعادة ترتيبها، إلا وقوع أحداث تغير المعادلات المأزومة الحالية، على طريقة صهر الحديد بالنار. وقد رأينا سرعة حركة فرنسا تجاه لبنان بعد التفجير، لإدارة التغييرات المتوقعة ودفعها باتجاهات مطلوبة دوليًا أو غربيًا بمعنى أدق.

لبنان لم يكن وحده من وصل إلى تلك الحالة من انسداد آفاق الخروج من مأزق ثبات معادلات الصراع عند حالة لا أحد في الداخل يستطيع تغييرها وفق معالم قوته أو حتى وفق تحالفاته.

سوريا وصلت لنفس الحالة منذ فترة، إذ النظام لم يعد قادرًا على حسم المعركة استنادًا إلى ما حقق بدعم من روسيا وإيران وميليشياتها، كما هو غير قادر على وقف أو مواجهة القصف الصهيوني المتواصل، وكذلك هو لا يستطيع فعل شيء في مواجهة سيطرة الولايات المتحدة على منطقة الأكراد والبترول. وبمرور الوقت تتراجع قدرته على إدارة دفة الاقتصاد، بل تتدهور معالم قدرته على حشد القوى المجتمعية التي ساندته أو التي يسيطر عليها. وفي المقابل، فالمعارضة التي تراجعت وبقيت محافظه على وجودها في إدلب –بدعم وسيطرة تركية- لا تستطيع هي الأخرى تغيير المعادلات الراهنة، وهي لا تستطيع حتى التراجع عن دورها ووجودها في إدلب.

والحال أن العراق في وضع شبيه، حيث لم تتمكن مظاهرات ثورة تشرين (والقوى الوطنية والإسلامية) من حسم الصراع مع الحكم والميليشيات، فيما سلطة الاحتلال تعيش في داخل مأزقها بلا قدرة لا على تغيير البيئة السياسية ولا على تعديل التوازنات في داخلها. كما إن إيران لا تستطيع الدخول في مواجهة صريحة مع الولايات المتحدة، فيما لا تبدي الولايات المتحدة رغبة أو إرادة في الدخول في مواجهة حاسمة مع إيران وميليشياتها.

توازنات جديدة في لبنان:

انتهى الحال منذ التفجير وحتى الآن في لبنان، إلى نزول القوات الأجنبية (الفرنسية) إلى سواحل لبنان، وإلى مشاركة أجهزة الأمن والاستخبارات الغربية –على الأقل من فرنسا والولايات المتحدة-في تحقيقات الانفجار. وتلك حالة مستجدة على التوازنات التي كانت قائمة قبل الانفجار ولها ما بعدها أيضًا، إذ تلك القوات العسكرية والأمنية، لم تأت لمعرفة حقيقة ما جرى أو لمجرد تأمين المحققين، بل جرى إنزالها للتأثير على تطورات الأحداث القادمة وللمساهمة في توجيه التغيير القادم.

وكان أن استقالت حكومة (حسان دياب) التي كانت قد تشكلت لتحل الأزمة فأصابتها الأزمة بالعطب. تلك الاستقالة فتحت الطريق أمام تغييرات وإعادة تشكيل الأوضاع، وفي ذلك كان واضحًا أن الاستقالة لم تأت كنتيجة لتوافقات داخلية جديدة –وربما لم تجر كرد فعل على حدوث التفجير الزلزالي- بل تحت ضغط مباشر من تغيير التوازنات بفعل الوجود العسكري الغربي المستجد. ولعل ما قاله الرئيس الفرنسي من على الأرض اللبنانية وما وشت به تحركاته ووزيرة دفاعه من بعد، خير شاهد على ذلك.

وفي التغييرات المستجدة بدى واضحًا أن ميليشيا نصر الله، هي المعنية بتقديم التنازلات وفق المعادلات المستجدة، ليس فقط لنزول القوات أو لحضور الخبراء الأجانب إلى بيروت على مرمى حجر من تمركزات الحرب الاجتماعية أو الطائفية، ولكن أيضًا لأن تلك القوات لها ارتباطات بالقوى التي تقف في مواجهة ميليشيا نصر الله، وهو ما يعني أن الأمور تسير في اتجاه إفشال ورقة انفراد الحزب بامتلاك القوة العسكرية، كعامل حاسم في توجيه وإدارة التوازنات على الأرض.

ولا شك أن نصر الله يدرك الآن، أن حركة الحزب على الأرض وعبر الحدود مع سوريا باتت تحت المجهر المباشر، وأن الأوضاع تسير-فرنسيًا وأمريكيًا- باتجاه إضعاف دور الطرف المسيحي الذي كان قد شكل تحالفًا مع نصر الله، أى ميشيل عون والتيار الوطني الحر. ولعل أهم الإشارات هنا، ما صدر عن قادة مسيحيين حول حياد لبنان، بما يمثل انقلابًا وتخطيًا لفكرة النأي عن النفس التي كانت آخر ما تبلور عن تحالف عون-نصر الله، بشأن السياسية الخارجية اللبنانية.

وهكذا فثمة تغييرات حادة، سيجري من بعد ترجمتها إلى شروط بشأن الدور الداخلي لنصر الله وحلفائه، وبشأن سياسة لبنان الخارجية وهو ما يستهدف إضعاف دور ميليشيا نصر الله في الإقليم. كما سيجري ترجمة الأوضاع الجديدة في إضعاف التأثير الإيراني على أوضاع لبنان، وفي تغيير اتجاهات دوره الإقليمي. وفي الأغلب ستتمدد الأمور لتشمل دور ميليشيا نصر الله في الجنوب وعلى صعيد الوجود والدور في سوريا والعراق... إلخ.

إنهاء تحالف عون-نصر الله؟

نقطة التغيير ومربط الفرس كما يقال، ستكون إنهاء تحالف عون–نصر الله، ولعل التلميحات الأمريكية بفرض عقوبات على حلفاء مسيحيين لنصر الله، ودلالات سلوك الرئيس الفرنسي مع عون خلال زيارته للبنان، وتصريحاته بشأن عدم تسليم أموال المعونات لجهات حكومية، تصب جميعها في هذا الاتجاه. وذلك ما يعيد ترتيب التوازنات الداخلية لغير مصلحة ميليشيا نصر الله، بل ذلك ما يعزل نصر الله في داخل تحالفه الطائفي.

تحالف عون-نصر الله هو ما مكن نصر الله من توفير غطاء سياسي محلي ودولي لتلك الميليشيا، وهو ما قدم نصر الله في ثوب القادر على التعايش مع المختلفين دينيًا، ومنحه تغطية على جرائمه ضد الطوائف الأخرى، كما وفّر له فرصة مواجهة التحركات الجماهيرية المضادة له ولدوره، دون انعزال كامل، لوجود غطاء مسيحي له ممثلًا في التحالف مع قطاع رئيسي فاعل داخل الطائفة المارونية. كما أظهر هذا الغطاء نصر الله خلال صراعاته الداخلية، كطرف سياسي ضمن أطراف أخرى، ولنفس السبب يحرص نصر الله على الدوام على ضم قيادات سنية لتحالفاته الانتخابية أيضًا.

ولذلك فإن فصم تحالف نصر الله –عون، هو أهم العوامل التي ستغير التوازنات في لبنان. فإن حدث ذلك عبر الضغوط الجارية، سيدخل حزب نصر الله في مأزق خطير.

سيدخل نصر الله –إن حدث هذا- إلى وضعية لن تختلف كثيرًا، عن حالة وأوضاع الميليشيات الإيرانية في العراق وسوريا، على الصعيد السياسي والجماهيري، إذ إن انعزاله إلى داخل طائفته سيعزز من الحضور السياسي المنافس من قبل مجموعات شيعية مناهضة له لانفراده بإدارة القرار الشيعي.

وعلى صعيد الحراك الجماهيري والاعتصامات التي كانت ورقته في تعطيل وإعطاب الحياة السياسية في لبنان من قبل، فهو لو تحرك جماهيريًا بدون غطاء عون، سيتحرك كقوة طائفية منفردة، ولن يجد إلى جواره أحد في المواجهة وهو ما سيوسع قدرة الآخرين في الضغط عليه.

وسيدخل في مأزق يضعف قدرته على الحركة تحت شعارات وطنية. وهو حتى (على سبيل الافتراض للإيضاح) لو دخل في صراع مع إسرائيل، هو سيدخل معركته وحده بلا غطاء شعبي.

والأغلب أنه سيتخوف –إن حدث هذا- من الجيش اللبناني وبالدقة من زوال تأثيره على قرار الجيش اللبناني، إذ شبكة العلاقات التي كان قد نسجها وسجل من خلالها اختراقات عسكرية وأمنيه باتت تحت أعين خبيرة، وفي الأغلب سيجري قطع خطوط الحركة بينه وبينها على الأقل.

اتجاهات الحركة الإقليمية والدولية:

 السيناريوهات المتوقعة متعددة، وهي تبدأ بعزل ميليشيا نصر الله إلى داخل محيطها الطائفي عبر إنهاء تحالفه مع عون، بما يحدث تغييرًا في التوازنات الحالية، ويسمح بتشكيل أنماط حكومات تقل فيها هيمنة نصر الله، وهو سيؤثر على قدرته على الحركة في الداخل والخارج، لكنه لن يحدث ما هو مستهدف على المدى البعيد.

وسواء جرى ذلك إضعاف ميليشيا نصر الله عبر تلك الصيغة أو جرى إضعافه هو وعون والتيار الوطني الحر سويًا عبر انتخابات أو حتى انشقاقات في التيار الوطني، فالأغلب أن الأمور ستتصاعد على المدى الأبعد إلى دعوة لإعادة تأسيس الحالة اللبنانية. يمكن القول بأن هناك من يرى الآن أن الوقت حان لتجاوز الطائفية والذهاب إلى إعادة تأسيس النظام والحكم في لبنان، وذلك أمر سيجري وفق تضاغطات وصراعات متعددة الاتجاهات والمجالات والطرق، وقد يشهد لبنان خلالها صراعات حادة وربما حرب أهليه لإحداث هذا التغيير. ولهذا طلب نصر الله من أنصاره أن يكظموا غضبهم فقد يحتاجون لإظهار الغضب في وقت ما.