قسم حقوق الإنسان يصدر تقريرًا بعنوان: نازحو ديالى وصمة عار في جبين الحكومات المتعاقبة في العراق

 أصدر قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين في العراق تقريرًا بعنوان: نازحو ديالى وصمة عار في جبين الحكومات المتعاقبة في العراق، وفيما يلي نص التقرير:

نازحو ديالى وصمة عار في جبين الحكومات المتعاقبة في العراق.

ما لا يقل عن (15,000) عائلة نازحة من مدن محافظة ديالى شرقي العراق، باتت عودتهم مستحيلة بسبب استيلاء الميليشيات الموالية لإيران على مدنهم وممتلكاتهم بحسب الإحصاءات؛ يوجد في محافظة ديالى أكثر من (100,000) من العراقيين النازحين نتيجة فوضى السلاح وهيمنة الميليشيات الموالية لإيران. يعيشون داخل وطنهم حياة التشرد والشتات وضيق ذات اليد منذ سبع سنين؛ الأمر الذي جعل هؤلاء الأشخاص، ولاسيّما الأطفال والنساء منهم، يعانون من مشاكل اقتصادية واجتماعية وصحية ونفسية خطيرة من جرّاء نزوحهم واضطرارهم للعيش في مخيمات مهملة مكتظة بآلاف العائلات.
 
خارج مدينة خانقين بمحافظة ديالى شرقي العراق، يوجد على تل مجاور لجدول مليء بالأوساخ والقاذورات مخيمات معروفة باسم الوند 1 و 2، تعيش فيها مئات العائلات النازحة داخل غرف ضيقة مصنوعة من الصفيح (حاويات) تحت درجة حرارة (53) مئوية، حيث يسكن ما لا يقل عن (897) عائلة عراقية من ديالى، فيهم الشيخ الكبير والمرأة العجوز والصبيان والأطفال بمختلف الأعمار. أُجبروا على النزوح لأول مرة في عام 2014، عندما استولت الميليشيات الموالية لإيران على مدنهم وبلداتهم بحجة محاربة تنظيم (داعش). واليوم هم محشورون معًا بحيث لا توجد خصوصية أو مساحة شخصية على الإطلاق.
 
يقول أحد النازحين من مدينة السعديّة، على بعد حوالي (40) كيلومترًا من خانقين، إلى مخيم الوند 1 لمندوب قسم حقوق الإنسان في الهيئة، الذي قام بزيارة المخيم: مع عدم وجود إمكانية حقيقية للعودة إلى منازلهم بسبب سطوة الميليشيات، وانعدام فرص العمل، ونفاد المدخرات التي تمكنوا من حملها أثناء اضطرارهم للنزوح منذ سنوات، تعتمد العائلات النازحة إلى المخيم بشكل كامل على المساعدات الإنسانية المتواضعة والمتناقصة باستمرار المقدمة من قِبل منظمات إغاثة غير حكومية للبقاء على قيد الحياة. إن حالة اليأس التي باتت تسيطر عليهم من جرّاء أوضاعهم المعيشية المتفاقمة، إلى جانب ما عانوا منه من صدمات نفسية أثناء رحلة النزوح القسري والضيق المتواصل في حياة المخيم، كل هذا جعل منهم أناسًا خارج الطور البشري.
 
ويضيف: هذا بسبب الأحداث الصادمة التي مروا بها، مثل فقدان ذويهم وأقربائهم وأحبائهم، ومصادرة الأراضي والمنازل التي كانوا يمتلكونها من قِبَل الميليشيات بالقوة، والظروف المعيشية الصعبة هنا في المخيم. أكبر مشكلتين نسمع عنهما في جلساتنا هما الشؤون المالية وحقيقة أن الوضع الأمني لا يسمح لهم بالعودة إلى مسقط رأسهم. وكلما طالت مدة بقائهم هنا، زادت معاناتهم وزادت الأوضاع المتفاقمة تدهورًا.
 
ويقول نازح آخر من السعدية في محافظة ديالى إلى مخيم (قورة تو) بمحافظة السليمانية، الذي يؤوي 700 عائلة نازحة: في بداية شهر تشرين الثاني/أكتوبر عام 2014، قدم المسلحون إلى المنطقة، وسيطروا عليها بعد انسحاب الجيش الحكومي منها، وبدلًا من مواجهة المسلحين؛ قامت الميليشيات يساندها الجيش بمواجهة المدنيين ومداهمة منازل الأهالي من أجل إخراجهم من مناطقهم لأسباب أخرى. فاضطررنا إلى ترك منازلنا والنزوح باتجاه الجبل من ناحية السعدية حيث كنا نملك قطيع من الماشية حتى وصلنا الى مخيم "قوره تو" في محافظة السليمانية، ولم يتم السماح لنا برعي الماشية؛ الأمر الذي اضطرنا إلى بيع القطيع بثمن بخس، ثم استمر الحال بالتنازل، وأصبح اعتمادنا على المساعدات المقدمة من منظمات إغاثة غير حكومية، لكن تضاؤل المساعدات مع انعدام فرص العمل جعل أوضاعنا الاقتصادية صعبة للغاية، وهناك نازحون يحملون شهادة الدكتوراه لا يمكنهم الحصول على قوت يومهم، ويوجد نساء أرامل وكبار سن ومرضى يعانون ظروفًا معيشية لا توصف.
ويقول نازح ثالث، 34 عامًا، من السعديّة إلى مخيم الوند 1، طلب عدم ذكر اسمه: لا يمكننا العودة إلى ديارنا إلا إذا تحسن الوضع الأمني وتم القضاء على الميليشيات الموالية لإيران. العيش داخل المخيم يفرض علينا التعامل مع صراعات داخلية يومية وتوترات نفسية غير مسبوقة.
 
ويضيف: لا يمكن الاستمرار بالعيش في مثل هذه الظروف، نريد أن يتحسن الوضع الأمني حتى نتمكن من العودة إلى ديارنا، لكن ما يزال الوضع في بلدتي غير آمن، وليس لدينا وظائف تسمح لنا بإعادة بناء منازلنا التي قامت الميليشيات بتفجيرها. أحيانًا كثيرة يقوم الأهالي ببيع بعض الطعام الذي يحصلون عليه ليتمكنوا من إنفاق المال على أفراد عائلاتهم. وإذا مرض أي فرد في العائلة، فلا أحد يستطيع تحمل تكاليف العلاج. ومعظم أهالي بلدتنا اعتادوا على العمل كمزارعين، إذ كان لدينا بساتين وقطعان من الماشية ولكننا اليوم فقدنا كل شيء. كيف يمكننا كسب العيش هنا؟
 
ويقول نازح آخر من محافظة ديالى وهو موظف في شركة المنصورية الغازية: كان السبب الرئيس وراء التهجير هو سيطرة الميليشيات الموالية لإيران على قريتنا، التي جعلت الأهالي بين أمريْن؛ إما الخضوع لهم أو مواجهة الموت؛ الأمر الذي أجبرنا على الخروج، وبعدما استعاد الجيش مناطقنا بدأوا بأخذ الإتاوات من الأهالي ودمروا منازل القرية بالكامل، وتطور الأمر حتى وصل إلى قتل الأهالي بدم بارد على أيدي الجيش والميليشيات، بعد ذلك خرجت أنا وأطفالي وقدمت إلى المخيم.
 
ويضيف: إذا عدت سأكون مجبرًا على الخضوع للميليشيات التي باتت تسيطر على قوات الشرطة والجيش في المنطقة، حيث يتمكن عنصر واحد من عناصر الميليشيات من التحكم بمصير منطقة تحتوي على 15 قرية، لأنه فقط ينتمي لتلك الميليشيات، ولا يحق لأحد الاعتراض وإذا اعترضت سيتم قطع لسانك وقتل ابنك، وقد قُتل أخي لهذا السبب ومن الممكن أن أُقتل أنا كذلك، فاضطررنا إلى البقاء في السليمانية وانتظار الفرج من الله.
 
ويقول مندوب قسم حقوق الإنسان الذي التقى عشرات العائلات النازحة التي تسكن داخل المخيم: يوجد أسباب متعددة تحول دون عودة النازحين إلى ديارهم، أبرزها الخوف من بطش الميليشيات الموالية لإيران التي باتت تسيطر على مناطقهم وممتلكاتهم بالقوة، والتي قامت بهدم منازل كثيرة للنازحين، إلى جانب التهديدات الناجمة عن تغيّر التركيبة السكانية في مناطقهم الأصلية. إلى جانب الخوف من العقاب الجماعي والإخفاء القسري على أيدي الميليشيات بمجرد عودتهم، وهذا ما حصل مع من حاول منهم العودة إلى منزله المهدم، فضلاً عن الفقر المدقع والافتقار إلى مصادر دخل تدعمهم في إعادة بناء منازلهم المدمرة والبقاء على قيد الحياة. ويضيف: بالنسبة للنساء، فإن الحياة في المخيم قمعية، حيث يقضين معظم وقتهن داخل حاويات حديدية، إما مع أفراد أسرهن المباشرين أو بمفردهن.
 
وتقول إحدى النازحات لمندوب القسم: "نشعر بأننا محاصرون. نقضي اليوم كله نحدق في بعضنا البعض. منذ أن اضطررنا للنزوح، لا أشعر أنني بخير، ولا أتمكن من النوم. الوضع بغاية السوء، أشعر بالحزن الشديد، يبدو الأمر كما لو أنني أختنق ويجب أن أغادر الحاوية وأبقى بالخارج، لا يمكنني القيام بأي عمل منزلي، ولن أستطيع الاستمرار في العيش داخل هذا المخيم.
وتقول نازحة أخرى من محافظة ديالى إلى محافظة السليمانية: المعاناة كثيرة منذ خروجنا من مناطقنا حتى وصولنا إلى المخيم؛ معاناتنا مستمرة صيفاً وشتاءً، ففي الصيف تكون الحرارة شديدة جدًا تصل حد (57) درجة مئوية ولاسيما نحن نسكن في خيمة مهترئة ومع انقطاع الكهرباء المزمن يكون الوضع صعبًا جدًا، أما في فصل الشتاء، فمع تساقط الأمطار يزداد الأمر سوءًا وتتفاقم المعاناة إذا وصلت مياه الأمطار إلى داخل الخيمة وعندها نُحرم من النوم.
 
وتضيف: عندما تهجرنا كان الأطفال صغارًا، لكن اليوم وبعد مرور سبع سنين على رحلة النزوح أصبحت الطفلة الصغيرة فتاة والصبي رجلًا، ولا يوجد أي مستقبل لهم في المخيم وليس لهم أي ذنب في ذلك، والوضع لم يعد يحتمل ولا نستطيع الخروج من المخيم لعدم قدرتنا على دفع مبالغ الإيجار، أوضاعنا صعبة جدًا وليس لدينا معيل؛ إلى متى يبقى هذا الأمر؟
ويقول مستشار قانوني لقسم حقوق الإنسان: إن انسحاب الجيش وترك المدن والمناطق لمسلحي تنظيم داعش في محافظة ديالى من أجل إيجاد ذريعة لاستيلاء الميليشيات على المدينة والأحداث التي تلت ذلك، يعيد إلى الأذهان ما حدث في مناطق المحمودية وحي العامل وغيرها في الأعوام 2005 و2006 و2007، حيث كانت القوات الحكومية تفسح المجال لمسلحي الميليشيات ليسيطروا على المناطق، لتقوم هي بعد ذلك بمهاجمة المدنيين الآمنين وتهديدهم واتهامهم بالإرهاب واعتقالهم وإخفائهم قسرًا لإجبار ذويهم وأقاربهم على الرحيل من مناطقهم تنفيذًا لمخططات التغيير الديموغرافي في تلك المناطق، وهذا ما أصبح واضحًا وجليًا أمام الجميع اليوم.
 
وعلى الرغم من إعلان الحكومة مطلع عام 2015 "تحرير" محافظة ديالى بالكامل من مسلحي داعش؛ لكن ما يزال هناك عشرات آلاف النازحين عن مدنهم وبلداتهم الذين لا تسمح الميليشيات الموالية لإيران بعودتهم إلى ديارهم بحجة محاربة خلايا التنظيم، في الوقت الذي لم تقم فيه وزارة الهجرة والمهجرين في الحكومة الحالية وسابقاتها بأبسط واجباتها تجاههم، وتركت أمر إيصال المساعدات الإنسانية الأساسية والرعاية الصحية الضرورية لسكان المخيمات البائسة إلى منظمات الإغاثة غير الحكومية العاملة في العراق، التي تعاني نقصًا متراكمًا في التمويل والتجهيز؛ الأمر الذي ينذر بكارثة إنسانية كبيرة أخرى تضاف إلى الكوارث الإنسانية الكبرى التي ما يزال يعاني منها أهالي المحافظات المنكوبة في ظل حكومات الاحتلال المتعاقبة منذ 2003 وإلى اليوم.
 
قسم حقوق الإنسان
23/ ذو الحجة/ 1441هـ
13/8/2020م