بدائل زنبق الماء والقتل بعقيدة التأثير المزدوج.. بقلم: د. مثنى عبد الله

بدائل زنبق الماء والقتل بعقيدة التأثير المزدوج
بقلم: د. مثنى عبد الله

إذا كانت حروب السايبر قد باتت أحد ملامح العصر الجديد، فإن الطائرات المُسيّرة (الدرون) ربما تكون أحد أذرعها الفتاكة، لما ستضيفه إليها تكنولوجيا الجيل الخامس من مزايا متطورة. وإذا كان البعض يظنها سلاحا حديثا، فإن المعلومات تقول بأن الصينيين هم أول من استخدم سلاحا على غرار درون اليوم في القرن الثاني، حيث كانوا يطلقون بالونات الهواء الساخن المضاءة بالفوانيس فوق ساحة المعركة.

كذلك استُخدمت أنواع شبيهة بالدرون في الثورة الفرنسية، والحرب الأهلية الأمريكية لاغراض المراقبة. وأطلقت النمسا في عصرها الامبراطوري بالونات تحمل قنابل ضد القوات الإيطالية في الحرب العالمية الثانية. واستخدم اليابانيون بالونات النار المليئة بالهيدروجين، التي تحمل قنابل مضادة للأفراد، وقنابل حارقة لحرق المدن الأمريكية والكندية. وقد ازدهر إنتاج الطائرات بدون طيار في الحرب العالمية الثانية، واستمر تطور هذا النوع من الأسلحة طوال القرن العشرين.

لقد نما استخدام الطائرات بدون طيار بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من أن التاريخ العسكري يشير إلى أول استخدام قتالي لطائرة بدون طيار من قبل الولايات المتحدة في أكتوبر عام 2001، في أول يوم من أيام الحرب في أفغانستان ضد قافلة من مقاتلي طالبان، إلا أن المعلومات المتوفرة تشير إلى أن العدو الاسرائيلي أطلق أسرابا منها باتجاه الجبهة العربية المصرية في حرب عام 1973. كما استخدمتها إيران في نهايات الحرب العراقية ـ الإيرانية في أواخر ثمانينيات القرن المنصرم. وفي حرب الخليج الثانية في عام 1991 دخلت إلى الخدمة العسكرية بشكل واسع. وشرعت الولايات المتحدة الامريكية في نشر قواعد تنطلق منها هذه الطائرات خاصة في افريقيا، حيث باتت القواعد الموجودة في النيجر وجيبوتي والصومال وإثيوبيا وجزر سيشل مراكز استطلاع مهمة للقوات الأمريكية، وكذلك لتنفيذ ضربات قاتلة ضد أهداف محددة. وأُطلقت على هذه القواعد تسمية (بدائل زنبق الماء) في عهد جورج بوش الابن، الذي رسم الملامح الأولى لعسكرة السياسة الخارجية الامريكية، خاصة في القارة الافريقية. لكن القاعدة الرئيسية التي يُدار منها هذا النوع من الطائرات تم تأسيسها في فلوريدا، تساندها قاعدة أمريكية أخرى في مدينة شتوتغارت الألمانية، مهمتها إعادة بث الإشارة اللاسلكية للطائرات المسيرة الامريكية. ثم توسعت حسب أجندة القيادة المركزية الامريكية، وباتت لها منافذ أخرى في دول عديدة كانت واشنطن مهتمة في توسيع تواجدها العسكري فيها، حيث العقيدة العسكرية الامريكية ترى أن نشر قواعد هذا النوع من الطائرات يؤمن فضاء جيوسياسيا للولايات المتحدة، ويُقصي نفوذ الدول الاخرى، خاصة الصين وروسيا وغيرهما من الدول.

وقد شاع مؤخرا استخدام هذه الطائرات نتيجة قلة تكلفتها، وكذلك لتقليل الأعداد اللازمة من الجنود. وهي تختلف من حيث الحجم حسب التكنولوجيا المزودة بها. بعضها مزود بتكنولوجيا حديثة تجعلها قادرة على القتال والمطاردة والهروب من الرادارات، والاستطلاع التقليدي والتشويش على أنظمة الصواريخ، وتوجيه النيران، والعمليات الانتحارية. كما أن هنالك أنواع قادرة على حمل صواريخ زنة خمسة أطنان. كما توجد أخرى أكثر تطورا، وهي تلك التي يمكن توجيهها عبر الأقمار الصناعية لتنفيذ العمليات الهجومية، لكن الخبراء العسكريين يقولون بأن أهم مجالات عملها هي عمليات المسح الأرضي، اعتمادا على قدرتها على للطيران مدة 36 ساعة متواصلة، بمساحة قطرها يصل إلى 2000 كيلومتر مربع. بينما هنالك نوعيات بسيطة، ولا تعتمد تكنولوجيا معقدة تُستخدم غالبا من قبل حركات التمرد والميليشيات المسلحة، أو الدول محدودة الإمكانيات، التي تستخدمها في عمليات محدودة مثل، مراقبة الحدود وغيرها. لكن هذا لا يعني أنه يمكن استخدام هذه الطائرات بصورة منفردة في حروب شاملة، والاستغناء عن الاستخدام المعروف للطائرات المقاتلة، فدورها محدود لاهداف ذات طبيعة خاصة، وواجباتها محددة مكانيا وزمانيا، مثل الاغتيالات وتدمير أهداف ثابتة أو متحركة حسب رؤية صانع القرار العسكري.

لقد تزايد عدد الدول التي تملك هذا السلاح بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية، على اعتبار أنه سلاح آني مهم واعتباره سلاحا مستقبليا ربما يكون أكثر أهمية من الآن، تبعا للإضافات التكنولوجية التي تطوّر من مواصفاته وإمكانياته. بل بدا أكثر أهمية للميليشيات المسلحة، التي وجدت ضالتها فيه، حيث لا يتطلب إنشاء قواعد جوية بالمعنى التقليدي المتعارف عليه. كما يسهل حمله وأخفاؤه والتنقل به. يضاف إلى ذلك أن سعر الطائرة الواحدة منه لا يتجاوز 600 دولار أمريكي للأنواع الصغيرة الحجم والبسيطة التكنولوجيا. لكن المفارقة أنه على الرغم من هذا السعر الزهيد، لكن خطورتها تتطلب التعامل معها بصاروخ باتريوت يبلغ سعره حوالي مليون دولار، حيث أنها قادرة على اختراق أعقد أنظمة الدفاع الجوي بسبب صغر حجمها وطبيعة المواد المصنوعة منها. وقد رأينا كيف أن طائرات من هذا النوع تعود إلى جبهة النصرة، اخترقت قاعدة حميميم الجوية الروسية في سوريا، على الرغم من أنها مُحاطة بمنظومة صواريخ أس أس 400، التي تعتبر الأكفأ عالميا. لكن هنالك أنواعا أخرى باهظة الثمن بسعر يصل إلى حوالي 200 مليون دولار، وتصنف على أنها أسلحة استراتيجية، تعمل من خلال الاقمار الصناعية بنظام جي بي أس، وهذه تحتاج إلى طيار أرضي عمله استلام الاشارة وتحليلها ثم إعادة توجيهها.

يتوقع خبراء الصناعات العسكرية مستقبلا واسعا لهذا النوع من الطائرات، على اعتبار أنه يوفر استهدافا دقيقا من ناحية، وسلامة دائمة للأشخاص الذين يديرونه على الارض من ناحية أخرى، لذلك يتوقعون أن الحصول عليه سيكون ضمن الاهتمامات المُلحّة للكثير من دول العالم، مما سيشجع مراكز البحوث العلمية العسكرية على جعل إدارتها بأنظمة إلكترونية أكثر تطورا. ولأن كل تكنولوجيا لها تكنولوجيا مضادة، ولأن هذا السلاح بات فتاكا وبيد ميليشيات ومنظمات مسلحة، فكان لابد من إيجاد سلاح مضاد له، حيث أعلن سلاح الجو الأمريكي عن نظام ميكرويف عالي الطاقة، لنشره حول القواعد الامريكية في العالم، لتعطيل الطائرات المسيرة وإخراجها من المدى المرسوم لها. كما استثمرت وزارة الدفاع البريطانية ما يقرب من 162 مليون جنيه في نظام جديد، يهدف إلى قتل الطائرات المسيرة بالاشارات اللاسلكية. وتعتقد الوزارة حسب صحيفة «الغارديان» البريطانية أن هذه الطائرات ستكون لها في نهاية المطاف القدرة على تحديد الهدف ومهاجمته بشكل مستقل، قبل عام 2030.

وكما الحروب التقليدية تحصد أرواح مئات آلاف من الأبرياء، فإن الطائرات المُسيّرة بات لها باع كبير في هذه الجرائم. فقد تمت مهاجمة تجمعات اجتماعية ومناسبات دينية بهذه الطائرات، نتيجة خطأ في تحديد الهدف.. حصل ذلك في العراق واليمن وفلسطين وسوريا وباكستان وأفغانستان. لكن الغرب الذي يدّعي الحضارة والقيم الانسانية يُبرر هذه الأفعال بعقيدة التأثير المزدوج، الذي ينص منطوقها على (أنه إذا كان القيام بشيء جيد من الناحية الاخلاقية له تأثير جانبي سيئ أخلاقيا، فمن الجيد القيام بذلك).

*كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية