حروب السايبر والتحديات المقبلة.. بقلم: د. مثنى عبد الله

  • مقالات
  • 126 قراءة
  • 0 تعليق
  • الثلاثاء 28-07-2020 03:01 مساء

حروب السايبر والتحديات المقبلة
بقلم: د. مثنى عبد الله

يقول مفكر فرنسي (كي يمارس الإنسان السلطة لابد أن تكون لديه المعرفة اللازمة، وممارسة السلطة مع المعرفة ينقل الإنسان إلى مرحلة جديدة تتطلب معرفة جديدة غير التي استعملها). الدليل على ذلك أن العالم مرّ بثلاث ثورات غيرته من حال إلى حال. كانت المعرفة المتوفرة بالأرض هي قاعدة الثورة الزراعية، أي أن الأرض هي الأساس، وكانت المعرفة المتوفرة بالإنتاج هي قاعدة الثورة الصناعية، أي أن الإنتاج كان هو أساس الصراع والثورة. وكانت ومازالت المعرفة المتوفرة بالمعلومات هي أساس الثورة التكنولوجية المتواصلة. أي أن المعلومات هي أساس الصراع، وقد أضافت الثورة الأخيرة بُعدا جديدا للصراع، فبعد أن كانت ساحات الصراع هي السيطرة في البر والجو والبحر، أصبح هنالك بُعد جديد هو السيطرة والهيمنة المعلوماتية.

وعند إمعاننا في كل واحدة من هذه الثورات، نجد أن علاقة الإنسان بالمعلومات كانت علاقة جمع وفرز وتخزين، ثم معالجة وتحويل إلى معرفة، حتى وصلنا إلى شبكات الجيل الخامس للاتصالات فائقة السرعة، التي هي أحد أسباب الصراع التجاري القائم حاليا بين الولايات المتحدة والصين، وكذلك هي سبب الخوف الذي اجتاح الأوساط السياسية والأمنية في أوروبا وكندا والمكسيك ونيوزيلندا، ودول أخرى. وقد يكون هذا الخوف مُبَرّرا أمام معرفة جديدة ليس الغرب وحده من يمتلك مفاتيحها، بل دول آسيوية صاعدة أيضا. وهنا انتفضت أنانية ما يسمى الدول المتحضرة ضد الآخرين، خاصة أن هذه التغيرات الكبرى التي ستحدثها هذه المعرفة لن تقتصر على توفير اتصالات بسرعة خيالية وحسب، بل إنها ستحدث سلسلة ثورات جذرية تقنية ومجتمعية وعسكرية واقتصادية أيضا، ما يهيئ القرن الحادي والعشرين ليكون مسرح صراع كبير، بين من يُسيطر على المعلومة ومن هو قادر على تحليلها وتوظيفها واستثمارها وتوزيعها قبل الآخر.

فلو نظرنا إلى إمكانيات التحميل في الجيل الخامس على سبيل المثال، نجد أنه ينقل سرعة التحميل من 31 ثانية في الجيل الرابع إلى ثانية واحدة فقط، لفيلم يُراد تحميله، هذا يعني أن هذه الشبكة ستؤمن ربط مليارات من الأجهزة بالإنترنت، وبالتالي توفير كمية أوفر من البيانات، وبسرعة مرور أكبر مما هو متعارف عليه الآن، ما يعني أن نقلنا للمعلومات لن يكون رهنا بانتظار التحميل الطويل. وسينعكس ذلك على سرعة تحليل وتوزيع المعلومة، ليقودنا إلى عالم أكثر ذكاء من ذي قبل، حيث ستكون هنالك وسائط نقل بدون سائق، ورعاية صحية مُقدّمة بدرجة أعلى من الجودة الحالية، وعمليات جراحية تجرى عن بُعد، ومنازل ومدن ذكية لا يصرف فيها الإنسان جهدا عضليا. وفي المجال العسكري سيتغير وجه الحروب الحالية التي نعرفها، حيث سيكون جمع المعلومات العسكرية والاستخباراتية في جميع المجالات وتحليلها والتخطيط لها، واتخاذ قرار التنفيذ، كلها بطريقة غير تقليدية، كما هو متعارف عليه في الحروب الحالية، ما يعطي بُعدا جديدا للعمليات العسكرية من حيث استشعار الأهداف، ووصول الأوامر لتدميرها، خاصة أن الطائرات المُسيّرة والآليات العسكرية ستكون أكثر ذكاء مما هي عليه اليوم.

إن المعلومات المتوفرة من حقل الاتصالات تشير إلى أن الخبراء يقولون بأن هذه الشبكة تم إكمال البُنى التحتية لها في كثير من الدول منذ العام الماضي. وقد أُجريت الكثير من التجارب الميدانية عليها، حيث كانت أول تجربة لها في أولمبياد بيونغ يانغ عام 2018. وهنالك اليوم مجموعة من المدن في العالم تم اختيارها لتجربة هذه الخدمة، مثل إيطاليا واليابان وألمانيا. وباتت هذه التكنولوجيا تحت التجربة في 12 مدينة في الولايات المتحدة الأمريكية، أي أن الاستخدام الان هو على مستوى المدن، وأن دخولها إلى الخدمة بشكل واسع ومُتاح للجميع سيكون ربما العام المقبل2021. لقد قادت الولايات المتحدة الامريكية السباق التقني في مختلف المجالات واحتكرته، على مدى عقود من الزمن، لكن يبدو أنها بدأت تخسر في هذا المجال أمام الشركات الصينية، خاصة شركتي هواوي و»زد تي أي». وأذا ما علمنا أن شبكات الجيل الخامس هي استثمارات ناجحة لمئات المليارات من الدولارات. وأن الدولة التي تنتج وتسيطر على هذه التقنية يعني سيطرتها على قطاع الاتصالات في العالم، فإنه يصبح جليا أمامنا دوافع الحملة الامريكية المهددة لحلفائها من مغبة التعاقد مع الشركات الصينية، لبناء البنى التحتية لهذه الشبكة في هذه البلدان. ولعل رضوخ الحكومة البريطانية مؤخرا لهذه التهديدات، وقرارها بحظر مشاركة شركة هواوي في شبكة الجيل الخامس هو أبرز مثال على ذلك. فقد أعلن وزير الإعلام البريطاني في 14 يوليو الجاري هذا القرار، داعيا شركات الاتصالات للتخلص من مُعدات الشركة الصينية في مجال شبكة الجيل الخامس.

وإذا كانت الفوائد المُجناة من هذا التقدم التقني هائلة، ولا يمكن نكرانها، لكن ذلك لا يجعلنا نشيح بوجوهنا ونغض الطرف عن الوجه القبيح للتكنولوجيا وتأثيراتها السلبية علينا. فلابد من الاعتراف بمُعاناتنا الكبرى من التغيرات التي حدثت على صعيد العلاقات الاجتماعية، بسبب الاجيال التقنية السابقة في مجالات الاتصالات. وعليه فإن تقنية الجيل الخامس سوف تكون وسيلة أخرى أكثر تقدما وسرعة، بيد ورش التفكير التي تسعى للسيطرة على عقول الناس وقمع الحريات وجعل الأوطان سجونا لمواطنيها. فقد جرى أستثمار الاجيال التقنية في استغلال المعلومات الشخصية لملايين الناس، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي لاغراض انتخابية، وحصل تأثير واسع وغير أخلاقي على القناعات بغرض تبديل الولاءات.

يقول الفيلسوف بول فاليري (كل شيء يتعلق بالسرعة والآنية ولم نعد معنيين بالمسافة الحقيقية) أي أن السرعة باتت هي الوسيلة التي نتكالب عليها في سبيل الهدف الآني، وهو تقليص الفترة الزمنية، وهذا هو الحاصل اليوم والذي سيتطور غدا، حيث جعلت أجيال الثورة الرقمية الناس يعملون من داخل بيوتهم في ظل جائحة كورونا على سبيل المثال. كما لم يعُد هنالك تفكير بطول المسافة، لكنها في الوقت نفسه حوّلت البشر إلى أرقام أو صور على السايبر، فتغيرت العوامل الاجتماعية والتقاليد. كما أنها غيّرت لغة التواصل بينهم من لغة وتلاق جسدي وأنساني إلى كتابة، قُبل باهتة وعناقات باردة وقلوب خاوية وضحكات جافة ودموع كاذبة. كل هذا يعني أن كل جيل تقني جديد يصدر يحكم على الإنسان بالاقتراب أكثر من أن يكون آلة، في حين يساعد الآلة كي تتغول أكثر في حياتنا وتكاد تقترب من أن تصبح إنسان العصر الذي نعيشه.
ومع كل هذا التسارع والثورات التكنولوجية، مازال البؤس والفقر شائعا بين ملايين البشر، في حين أن التنمية محصورة بقطاع معين من الدول وليس بكل الناس. فنادي الكبار لا يُفكر إلا بمصالحه ويجعل من باقي العالم أسواقا له، حتى الدول التي كانت تُسمي نفسها اشتراكية وتدعي دعم الفقراء التحقت بالنادي الرأسمالي، وباتت أساليبها لاتختلف كثيرا في ظل العولمة غير الإنسانية.

كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية