حين يحاول الغوغاء تزوير تاريخ العراق.. بقلم: د. مثنى عبد الله

حين يحاول الغوغاء تزوير تاريخ العراق
بقلم: د. مثنى عبد الله

(إن الحياة كلمة وموقف، والجبناء لا يكتبون التاريخ. التاريخ يكتبه من عشق الوطن وقاد ثورة الحق وأحب الفقراء). هكذا يقول تشي جيفارا.

طلّت على العراقيين في الأسبوع الماضي الذكرى المئوية للثورة العراقية الكبرى عام 1920 ضد القوات البريطانية، التي احتلت العراق خلال الحرب العالمية الأولى. وهي حدث استحق الخلود في الضمائر والعقول، وبات صفحة ناصعة في تاريخ العراق، فكل الصفات والعوامل التي تصنع من الحدث رمزا تاريخيا كانت موجودة فيها، فالدافع كان نيل الحرية والاستقلال، والأداة الفاعلة لنيل هذا المطلب كانت وحدة الشعب واصطفافه تحت هوية وطنية واحدة.

وفي الوقت الذي كان فيه شعبنا يحتفل بهذه المناسبة الكبيرة باهتمام بالغ، رغم العامل الزمني البعيد لوقوع الحدث، ويستذكر زعماء الثورة الذين كانوا رموزا اجتماعية ودينية، حملوا راية الجهاد، وتقدموا الصفوف بالأفعال وليس بالأقوال، خرج علينا أحد الغوغائيين، ليطعن في وطنية الشيخ ضاري المحمود، أحد زعماء الثورة، الذي كان له شرف النيل من الاحتلال بقتل القائد العسكري البريطاني العقيد جيرارد ليتشمان، ظنا منه أن تشويه حقائق التاريخ والطعن بصدقية أحداثه يُثبّت وقائع جديدة. وإذا كان هذا الفعل ليس جديدا على كُتّاب التاريخ، وأن محاولات كهذه لن تتوقف، مادام هنالك صراع بين الحق والباطل، لكن هذه التخرصات تدفع الكثيرين للتساؤل عن التوقيت وأهدافه.

لا شك في أن التوقيت له دلالة كبرى، فالتجرؤ على النيل من قامة وطنية معروفة، يأتي بعد السقوط المدوي للميليشيات وزعمائهم، وملاحقة زمرهم وحرق مقراتهم والتشهير بممارساتهم ورموزهم، بفعل ثورة تشرين المباركة، التي حمل رايتها أبناء جنوب العراق، والتي زعزعت عوامل التجبّر والطغيان في هذه الكيانات الطائفية، حتى لم تعد قوى السلطة المادية والمعنوية، التي يمتلكونها قادرة على إعادة الاعتبار للهيبة الخادعة، التي كانوا يفرضونها على الناس. فلم يدر في خلد أيا منهم يوما أن يكون أبناء الجنوب، الذين كانوا يدّعون بأنهم حواضنهم وسيوفهم وشرعية وجودهم في السلطة، سيكونون أول المنتفضين ضدهم والثائرين عليهم والداعين، لأن يكون السلوك السياسي تحت راية الهوية الوطنية، وليس الهويات الفرعية. ولأن الثورة أسقطت تلك الرمزية التي كانوا يتشدقون بها، بعد أن رفض الثوار الحصة السياسية التي منحها المحتل لكل فريق طائفي، والتي بموجبها باتت هنالك وظيفة لأول مرة للطائفية، في أن تكون جزءا من السياسة، فإن هذا الزعيم الميليشياوي يحاول اللعب مرة أخرى على الغرائز، فعلى الرغم من أن الصفة العظمى لثورة العشرين كانت هويتها الوطنية الخالصة، لكن حديثه عنها كان بصيغة طائفية بحتة، فهو يتحدث عن دور شيعي ودور سني ودور كردي في الثورة، مُركّزا على أن فتواها وقادتها الأساسيين هم من الشيعة، وكأن هؤلاء الناس ليسوا عراقيين، وإمعانا منه في التزوير، فإنه يأتي على ذكر أسماء شيوخ العشائر، وزعماء القبائل الذين شاركوا في الثورة، من دون أن يذكر اسم الشيخ ضاري المحمود، وكأنه شخص خارج الإطار العملي للثورة، وليس له أي دور مادي أو معنوي فيها، ليصل الى استنتاج قبيح بان تاريخ ثورة العشرين قد كُتب في العهد السابق، وأن الشيعة قد تعرضوا للظلم هنا أيضا.

إن الطبيعة الطائفية للأفكار التي تُثقّف بها هذه الطغمة الميليشياوية الفاسدة، والسلوك السياسي الذي تمارسه، إنما هدفها الأول هو القضاء على كل شيء يؤكّد الوحدة الوطنية، إنهم وبعد أن مارسوا كل الرذائل، في سبيل تثبيت أفكارهم المعطوبة، ومنها تزوير حقائق كبيرة وكثيرة في التاريخ الإسلامي، راحوا اليوم يفتشون حتى في التاريخ الحديث، عن وقائع معروفة بغية تزويرها أيضا. هم يريدون التخلص من كل إرث نضالي خاضه العراقيون متوحدين، كي لا تكون هنالك فرصة لعاقل لبيب أن يقارن ويسأل عن حاضر تفوح منه الممارسات الطائفية، وتاريخ حديث كانت فيه الهوية الوطنية هي الكأس المُعلّى. إنها معركة حياة أو موت بالنسبة لهم، وأن أي نقطة مضيئة في التاريخ تشكل عامل تهديد وجودي لهم، لذلك يحاولون تزوير حقائق ثورة العشرين لإفراغها من مخزونها الوطني والنضالي والثقافي والإنساني والأخلاقي أيضا، كي ينطلقوا بعد ذلك لتزوير كل تاريخ العراق القديم والحديث، لذلك حينما زارهم كبيرهم وقال لهم أنتم أحفاد العراقي نبوخذ نصر، قالوا له علنا إننا لسنا أحفاده، ولا نفخر بأن نكون أحفاده.

إن التخرصات التي تحدث بها هذا الزعيم الميليشياوي عارية تماما عن الصحة. فلم يكن هنالك دور في ثورة العشرين لأي عشيرة أو قبيلة أو فرد أو مجموعة تحت راية طائفية، بل كان الجميع تحت راية وطنية واحدة، لأن واقعة الاحتلال كانت تشمل العراق بكل خريطته الجغرافية المعروفة، كما أن تاريخ الثورة لم يكتبه العهد السابق، فالمواجهات اليومية التي كانت تحدث كانت تُوثّق من قبل المقاتلين أنفسهم، وليس من خلال المنظومات السياسية التي كانت حاكمة، أو التي حكمت في ما بعد. فقد اعتادت القبائل على تدوين تاريخها بنفسها، وهو عُرف سائد ماضيا وحاضرا، خاصة في حوادث القتال، لأن فيه فخرا كبيرا لأبنائها من الاجيال اللاحقة، بمعنى أن السردية الخاصة بالثورة أمسك بها الثوار، وليست أطرافا أخرى، لذلك هي ذاكرة لها حياتها الخاصة، التي لا يمكن أن تتلاشى أو يعتريها التزوير.

أما بخصوص التعتيم على اسم الشيخ ضاري المحمود، ومحاولة الانتقاص من دوره الوطني وسلوكه الاجتماعي، فإن أيا من الزعماء المشاركين في الثورة، وكل الوثائق الخاصة بها، سواء تلك التي كُتبت من قبل الثوار، أو من قبل المحتل البريطاني، كلها كانت تعدّه زعيما من زعماء الثورة، على قدم المساواة مع الجميع، لكن الدور الذي لعبه الرجل في مقتل القائد العسكري البريطاني، لم يكن هبة من أحد له كي يتم الطعن به، بل هو موقف مسؤول ولحظة بطولية سجّلها بنفسه لكل الثوار وللعراق كله، كما رسم الآخرون أدوارا لهم في الثورة.

إن الشيخ ضاري المحمود وزعماء الثورة الآخرين، هم شخصيات عامة باتت مُلكا للعراقيين جميعا، وعلامات مضيئة في تاريخ العراق بكل قومياته ومذاهبه وطوائفه وأديانه، وأن ليس من حق أحد الاستفراد بهذا دون ذاك، أو تعلية قدح فلان على غيره، لأهداف طائفية أو عرقية، لقد عملوا جميعا بإيمان جمعي لا يلين تحت راية وطنية واحدة، فكان هذا الإيمان طاقة تحويلية، استطاعوا التعويض بها عن نقص العَدد والعُدد، كي يواجهوا بريطانيا العظمى، التي كانت لا تغيب عنها الشمس. وهذه هي ميزة الإيمان بالهوية الوطنية التي تحوّل معتنقيها إلى حجوم كبيرة بأدوات فاعلة، فيحققون ما لا يستطيع تحقيقه غيرهم. ويبقى الغوغائيون الطائفيون أحجامهم صغيرة مهما امتلكوا من أدوات السلطة المادية والمعنوية. هذا هو منطق التاريخ الذي يقول بصراع الجيد والرديء، والشرفاء والغوغاء.

كاتب عراقي أستاذ في العلاقات الدولية