رسالة إلى من ابتلي بكورونا ... أ رضا جمال

حمدًا لله الرحيم الرحمن، الكريم المنان، صاحب الفضل والإحسان، وصلاة وسلامًا على نبينا المصطفى والمجتبى من ولد عدنان، وعلى أصحابه وآل بيته ومَن تبعهم إلى يوم الدين بإحسان.. ثم أما بعدُ:

 فاعلمْ -حبيبي المبتلَى بكورونا أو غيره من الأمراض-: أن المرَض (كورونا، وغيره) واقع بإذن الله تعالى الرحيم الرحمن العليم الحكيم جل جلاله، ووقوعه لحِكَم جليلة؛ قد تظهر لبعض الخلق وقد لا تظهر؛ فمَن ظهرَت له بعضها ازداد تسليمًا وانقيادًا وإذعانًا لحُكم الله تعالى الكوني والشرعي، ومن لم تظهر له فعليه أن يعلم ويتيقن أن الله تعالى لا يقدِّر ما قدره عبثًا، وإنما قدَّره لمصالح عظيمة وحِكَم جَليلة؛ فمن بعض الحِكَم في ذلك:

1- شعور العبد بضعفه، وفقره، وحاجته إلى ربه، وانكساره، وذله له سبحانه؛ فإذا حصل ذل العبد لربِّه، دعا ذلك إلى دعاء ربه، والتضرع إليه، والتوبة إليه من الذنوب، وسؤاله تكفيرَ الخطايا، فيرق بالمرَض قلبُه، ويذهب عنه الكبرياءُ والعظمةُ والعدوان، فقد لا يحصل له مع الصحة بعض هذه المصالح!

 2- ابتلاء العباد أيهم يحسن ظنه بربه، ويصدق في توكله عليه، ويصبر، ويرضى بما قدره الله تعالى عليه، ويحتسب الأجر، وأيهم يجزع ويسخط.

 3- رحمة الله تعالى بعبادِه المؤمنين بتكفير الخطايا والسيئات، ورفع الدرجات.

 4- إذاقة الناس بعض ما عملوا؛ لعلهم يرجعون إلى الله تعالى.

 5- العلم بأنَّ تقدير أسباب الشفاء من الرقى والأطباء ونحو ذلك هو من أعظم مظاهر رحمة الله بعباده؛ فمن حكمة الله في تقدير هذه الأسباب للشفاء أن يري العباد لُطفه وبره بهم، وإحسانه إليهم، وأنه إذا قدر الداء قرَن به أسباب الدواء والتعافي منه، ولو شاء لحال بينهم وبين ذلك..

 

وغير ذلك من الحِكم الكثيرة، التي يقصر المقام عن تعدادها.. وبالجملة فإنَّ انتفاع القلب والروح بالآلام والأمراض أمرٌ لا يحس به إلا من فيه حياة؛ فصحة القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها، وهذه الآلام والأمراض والمشاق من أعظم النعم إذ هي أسباب النعم! كما يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه شفاء العليل، وقال: (وقد أحصيت فوائد الأمراض فزادت على مائة فائدة)!

ثم اعلم أن الله الرحيم الرحمن سبحانَه هو وحده الذي يكشف الضر، ويدفع البلاء سبحانه، ويشفي من المرض بفضله سبحانه، وأنه ما أنزل داء إلا وأنزل له الدواء؛ عَلِمه من عَلِمه وجَهِله مَن جَهِله؛ فقد قال جل وعلا عن نبيه إبراهيم الخليل عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ [الشعراء: 80].

وقال سُبحانه لنبيه محمد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأنعام: 17]!

وقال تعالى: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل: 62]!

فالشفاء إنما هو من عنده سبحانه؛ فخذ بكل الأسباب الشرعية كالرقى والأدعية، والكونية كالتداوي منه والذهاب للأطباء، وعلِّق قلبك بربك تبارك وتعالى؛ لأن الله تعالى شرَع لنا ذلك وأمرنا به، فلا تكن متواكلًا بترك الأخذ بالأسباب، ولا تكن مُعلِّقًا قلبك بالأسباب فقط معتمدًا عليها.

فاجتهد في الدعاء، وعلِّق القلب بالله، وردِّد كثيرًا ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: 51].

*وعليك برُقية نفْسك بالأذكار، والدعوات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ففيها نفع كثير، وكذا الرقية بالقرآن العظيم، وخصوصًا بفاتحة الكِتاب، وتكرار ذلك؛ ففي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضِيَ اللهُ عنه: أنه لما لُدغ سيِّد بعضِ الأحياء، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه؛ فهل عند أحدٍ منكم شيء؟ فقال بعضهم: نعمْ والله إني لأرقي... فانطلق يتْفُل عليه، وهو يقرأ ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، فكأنما نشِط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبَةٌ [أي: عِلَّة]... فلمَّا ذكروا للنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذلك، فقال: (ما يدريك إنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم...)!

قال ابن القيم رحمه الله تعليقًا على هذا الحديث: (فقد أثَّر هذا الدواء في هذا الداء وأزاله حتى كأن لم يكن، وهذا أسهل دواء وأيسره. ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى لها تأثيرًا عجيبًا في الشفاء. ولبثت في مكة تعتريني أدواء ولا أجد طبيبًا ولا دواء فكنت أعالج نفسي بالفاتحة فأرى لها تأثيرًا عجيبًا، فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألمًا وكان كثيرًا منهم يبرأ سريعًا).

وقال كذلك: (إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص ومنافع؛ فما الظن بكلام رب العالمين، ثم بالفاتحة التي لم ينزل في القرآن ولا غيره من الكُتب مثلها؛ لتضمنها جميع معاني الكتاب...)!

كما أنَّ اللهَ سبحانَه لم يُنزلْ من السماء شِفاءً قطُّ أعمَّ ولا أنفعَ ولا أعظمَ في إزالةِ الداء من القُرآن؛ فكذلك الدُّعاء، فإنَّه مِن أقوى الأسبابِ في دفْع المكروه، وحصول المطلوب؛ فالدعاءُ من أنفع الأدوية، وهو عدوُّ البلاء؛ يدفعه، ويُعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يُخفِّفه إذا نزَل، وهو سلاحُ المؤمن.

ومِن أنفعِ ذلك: الإلحاحُ في الدُّعاء، وعدمُ الاستعجال؛ ففي صحيح مسلمٍ عن أبي هُريرةَ رضِيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنه قال: «لا يَزال يُستجابُ للعبد، ما لم يَدْعُ بإثمٍ أو قَطيعةِ رَحِمٍ، ما لم يَستعجِل»! قيل: يا رسولَ الله، ما الاستعجالُ؟ قال: يقول: «قدْ دعوتُ وقد دعوتُ، فلم أرَ يَستجيبُ لي، فيستحسِرُ عند ذلك ويدَعُ الدعاءَ»!

وإذا جُمِع مع الدعاء حُضورُ القلب وجمعيته بكُليَّته على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة، وصادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الربّ، وذلًّا له، وتضرُّعًا، ورِقةً... وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثَنَّى بالصلاة على محمَّدٍ عبدِه ورسولِه صلى الله عليه وسلم، ثم قدَّم بيْن يدَيْ حاجته التوبةَ والاستغفار، ثم دخَل على الله، وألحَّ عليه في المسألة، وتملَّقه ودعاه رغبةً ورهبةً، وتوسَّل إليه بأسمائه وصِفاته وتوحيده، وقدَّم بين يدَيْ دُعائه صدقةً؛ فإنَّ هذا الدُّعاءَ لا يكادُ يُرَدُّ أبدًا.. [مختصر من كتاب الداء والدواء لابن القيم رحمه الله].

ومن أنفعِ الأدعية التي لها أسرارٌ عَجيبةٌ في رفْع المرضِ وغيرِه، وعِندَ الكربِ والأمورِ العظيمةِ: هذا الدُّعاءُ النبويُّ الذي لا يَتجاوَز سطرًا واحدًا، وهو دُعاءُ الكربِ؛ ففي الصحيحين من حديثِ ابن عبَّاس رضِيَ اللهُ عنهما: «أنَّ رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع، ورب الأرض، ورب العرش الكريم».

فعِلمُ القلب ومعرفتُه بما في هذا الدعاء العظيمِ المشتمل على توحيدِ الإلهية والربوبية، ووصْف الربِّ سبحانه بالعَظمةِ والحلمِ المستلزمتينِ لكمال القُدرة والرحمة، والإحسانِ والتجاوزِ: توجب محبَّته وإجلالَه وتوحيدَه، فيحصُل للقلبِ من الابتهاج واللذة والسرور ما يَدفعُ عنه ألمَ الكربِ والهمَّ والغمِّ؛ فالمريض إذا ورد عليه ما يَسرُّه ويُفرحه، ويقوِّي نفْسَه، تقوى طبيعتُه على دفْع المرضِ الحسيِّ؛ فحصولُ هذا الشفاءِ للقلب أوْلَى وأحْرَى. [ينظر الطب النبوي والفوائد لابن القيم]

ومِن الأدعيَّة النبويَّة العَظيمةِ في رفْع المرض وذَهابِ الوَجعِ عن الجَسدِ: ما جاء في صحيح مسلِم رحمه الله، عن عثمان بن أبي العاص الثقفيِّ، أنَّه شكَا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وجعًا يجده في جسَدِه منذُ أسلَمَ، فقال له رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ضعْ يدَكَ على الذي تألم مِن جسدِك، وقلْ: باسم الله ثلاثًا، وقل سبْع مرات: أعوذ بالله وقُدرته مِن شرِّ ما أجِدُ وأحاذِرُ».. وهذا الحديث رواه أيضًا مالكٌ والترمذيُّ وغيرهما، ولفظه عندهما: «... أعوذ بعزة الله وقدرته ...». وزاد أبو داود والترمذي والنسائي: قال عثمانُ: فقلتُ ذلك، فأذْهبَ اللهُ ما كان بي؛ فلمْ أزَلْ آمُرُ به أهلي وغيرَهم!

فهذه مِن الأدويَّةِ الإلهيةِ التي هي مِن أسرعِ الأدويةِ لكلِّ ألَمٍ ومرَضٍ ووجَعٍ بالأعضاءِ؛ لِمَن خلَصتْ نيِّتُه.

وفي الأخير: اعلمْ أنَّ من أهم أسباب الشفاء حسْنَ نفسيتك وقوة عزيمتك؛ فقوِّ تعلقك بالله تعالى، وبإذن الله تعالى تشفى وتعافى ويُكتب لك الأجر كاملًا!

فهوِّن على نفسِك هوَّن الله عليك، وأتمَّ شفاءك، ولا تحزن، وأبشِر؛ فإنَّ مرَض المسلم كفَّارة له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعن عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها قالتْ: قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما من مصيبة تصيب المسلِمَ إلَّا كفَّر الله بها عنه، حتى الشوكة يُشاكها» رواه البخاري، في باب: ما جاء في كفارة المرض، ومسلم في باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض، أو حزن، أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها، ولفظ مسلم: «لا يُصيب المؤمنَ من مُصيبةٍ، حتى الشوكةِ، إلا قُصَّ بها من خطاياه، أو كُفِّر بها من خطاياه».

وأخرج مسلم أيضًا عن أبي سعيد، وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «ما يُصيب المؤمنَ من وصَبٍ، ولا نصَب، ولا سَقَم، ولا حَزَن، حتى الهمِّ يُهمُّه، إلا كُفِّر به مِن سيِّئاته»!

فالله يكفِّر عنك ذنوبك وخطاياك بهذا البلاء، ويرفعُك يُعلي درجتَك عنده؛ فاستبشر خيرًا..

وقد ورد عن أحد السلف أنَّه مرِضَ في قدمه، فلم يتوجع ولم يتأوه، بل ابتسم واسترجَع؛ فقيل له: يُصيبك هذا ولا تتوجع؟! فقال: إنَّ حلاوة ثوابِه أنستني مرارة وجعه!

ومع ذلك فلا يَنبغي للمؤمن أن يتمنَّى البلاء، ولا أن يسأل الله أن ينزل به المرضَ؛ فقد قال النبيُّ الله صلى الله عليه وسلم: «سلوا الله العفو والعافية؛ فإنَّ أحدًا لم يُعطَ بعدَ اليقينِ خيرًا من العافية» رواه النسائي وابن ماجه.

فاللهم ارزقنا العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، وعافِ مرضى المسلمين أجمعين، واكتب أجرهم، وكفِّر عنهم، وارفع درجتهم، وارزقْهُم الصبر والرضا، وأنزل عليهم برْدَ اليقين الذي يهوّن عليهم ما يلاقونه من آلام .