مأزق القضاء العراقي العالق في وحل العملية السياسية. بقلم: د. مثنى عبد الله

مأزق القضاء العراقي العالق في وحل العملية السياسية
بقلم: د. مثنى عبد الله

يُقال إن الزعيم الفرنسي شارل ديغول عندما دخل فرنسا منتصرا في الحرب على النازية، كان سؤاله الاول عن حال القضاء. قيل له مازالت فيه الروح. قال إذن نستطيع بناء فرنسا من جديد.. فهل يمكن إعادة بناء العراق بالحالة الرثة التي عليها القضاء العراقي الحالي؟

لم تكن السلطة القضائية في العراق بعيدة عن إعادة التشكيل التي مارسها الغزاة على جميع الأصعدة، بعد عام 2003. فإذا كانت السلطة التشريعية ذات دور مهم للمحتل، في تصميم الإطار القانوني الجديد، الذي رسمه وفق سياساته، كي يعيش فيه المجتمع العراقي، والسلطة التنفيذية، التي تتولى إدارة المجتمع وفق ما يريد، فإن الاحتلال كان ينظر إلى وظيفة السلطة القضائية، كدور أكبر وأهم، لأنها هي من يرسم العلاقة الجديدة التي يريد بين أفراد المجتمع والدولة، وبين أفراد المجتمع أنفسهم. ولأن الهدف الأول من أي نظام قضائي مستقل وفعّال هو أن يكون حجر الزاوية لسيادة القانون الذي يجب أن يسود، ولان المحتل لم يكن معنيا بهذا الهدف إطلاقا، بل من مصلحته أن تعم الفوضى في البلاد، كي يرتب مصالحه أولا ومصالح بيادقه ثانيا، فقد عمل جاهدا على إعادة صياغة القضاء بما يتماشى والبرنامج السياسي الذي جاء به.

ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم يسمع العراقيون بوجود نظام قضائي، لكن الشواهد اليومية والمتكررة على مدى سبعة عشر عاما، تلح في التأكيد على أن هيكل هذا النظام موجود فعلا، لكنه مجرد من روح السلطة الحقيقية القادرة على التأثير الفاعل في المجتمع، وعديم القدرة على تأدية الخدمة العامة المنوطة به، وغير قادر حتى على ممارسة الدور الأخلاقي الموكل له. ولأن بناء الهياكل ليس دائما يعني وجود المؤسسة أو السلطة الفاعلة، فقد بات القضاء العراقي مرتعا ومسرحا للصراعات السياسية، فمارس اللعبة السياسية لإعلاء كفة فريق سياسي على آخر. واصطف مرات عديدة، وبدون خجل، إلى جانب زعيم ضد آخر. وكان في كل مرة يُسلّم كل وسائله القانونية، التي يفترض به أن يسخرها لإعادة بناء الدولة والمجتمع، إلى الفصيل السياسي الذي يُشكّل الحكومة، وإلى الزعيم السياسي الذي يتبوأ المنصب الأول. لذلك وجدناه يُصدر أحكاما في محاكمات مُسيّسة يعتريها الخلل القانوني في أوجه متعددة. ويتجاوز كل منطق قانوني، فيُصدر أحكام إعدام بغير أدلة كافية.. ويحجم الادعاء العام عن توجيه أي تهمة للفاسدين والمرتشين، والقتلة وناهبي المال العام، والمتعاونين مع الأجنبي، على الرغم من أن العديد من زملائهم أشاروا بالأسماء والحقائق إلى هؤلاء مرات عديدة، بل إن أحد النواب اعترف علنا على إحدى القنوات الفضائية بأنه قبل رشوة مالية، لكن أي إجراء لم يتحرك ضده حتى الساعة.

إن شروط بناء نظام قضائي رصين يتطلب أن يكون هذا البناء مستقلا أولا، وأن يكون قادرا على منع السياسين من محاولة السيطرة عليه ثانيا. فاستقلال القضاء هو أساس سيادة القانون، وسيادة القانون لا يمكن أن تكون محميّة في أي دولة من دون نظام قضائي محمي من آثار الاستغلال السياسي، لكن البنية الذاتية والموضوعية للقضاء العراقي بعد عام 2003، ما زالت تشجع القوى السياسية على التسابق في عملية تكالب مدروسة لتعزيز مواقعها فيه، وبالتالي باتت السلطة الثالثة مرتبطة بشكل فاعل بالأداء السياسي للأحزاب والكتل الفاعلة في المشهد. فنجد أداءها السيئ يستفحل بسوء أداء المُمسك بالمنصب الأول، كما يخفت هذا الأداء السلبي بعد الانتهاء من تحقيق ما أراد، لذلك كان أداء القضاء في أقصى الفاعلية في فترة حكم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، حيث قام بتفسير الكتلة الأكبر، التي تشكل الحكومة على مقاسات كتلته، وفتح ملفات فساد وتآمر وإرهاب بحق الكثير من خصومه السياسيين، وبحق الشعب العراقي كذلك، لكنه أحجم عن الكلام في كل الفضائح المالية، والفظائع، والجرائم بحق الإنسانية التي قام بها رئيس الوزراء، بل تواطأ بشكل سافر معه في مسألة سقوط ثلاث محافظات عراقية بيد تنظيم «الدولة»، وهروب فرق عسكرية كاملة من ساحة المواجهة واستيلاء التنظيم على كامل المعدات العسكرية والمدنية، ولم يتم توجيه أي اتهام في القضية، ولا تحديد مسؤولية ما حدث على عاتق من.

كما وقف ومازال واقفا في خانة العجز الكامل عن جلب العديد من نواب البرلمان السابقين والحاليين والوزراء، إلى ساحة المساءلة القانونية، بتهم الفساد، وغيرها من التهم. ففي كل مرة يطلب القضاء رفع الحصانة عن برلمانيين، تبرز قوة السلطة السياسية لكتلهم وأحزابهم، بشكل أكبر من قوة السلطة القضائية، فيتم التخلي عن الموضوع، وغلق القضايا المرفوعة ضدهم. وبات دوره رثاً إلى الحد الذي أصبح عمله، رهن إشارة الحاكم، يدين من يريد الحاكم إدانته، ويبرئ من يريد الحاكم تبرئته، حتى لو كان هذا هو نفسه الذي تمت إدانته سابقا، لذلك نجد اليوم عودة بعض المشاركين في العملية السياسية، ممن كانوا حتى الأمس القريب يُنعتون بأنهم إرهابيون هاربون خارج العراق، يقفون على أبواب هذا القضاء للحصول على صك البراءة، الذي وُعدوا به، لأن اللعبة السياسية اقتضت وجودهم في المشهد مرة أخرى لا أكثر، لكن هل يستطيع هذا القضاء أن يُفسر لنا تلك الإجراءات التي أعلنت باسمه وبتوقيعه على تجريم هؤلاء؟ وكيف سيستطيع تبرير التعذيب والقتل، اللذين تما بحق عناصر الحمايات الأمنية، وموظفي مكاتب هؤلاء الساسة، لانتزاع الاعترافات منهم عن تآمر مرؤسيهم، الذين كانوا في مناصب نواب رئيس الجمهورية ووزراء ونواب برلمان؟

إن إسقاط التهم، والعفو العام، دأب الكثير من الدول عليهما لأسباب عديدة، لكنهما في العراق جزء من اللعبة السياسية التي يشترك فيها القضاء العراقي، ويضفي عليها مسحة قانونية. علنا يقول نائب في البرلمان كان متهما بالإرهاب أن وقوفه أمام القضاء لم يتجاوز خمس عشرة دقيقة، تم فيها إسقاط كل التهم وحصل على صك البراءة، وعاد نائبا في البرلمان من جديد. ونائب آخر حصل معه السياق نفسه، كان متهما بتفجير البرلمان وحكم عليه بالإعدام، وتم تهريبه إلى الخارج، ثم عاد. وثالث كان وزيرا متهما باختلاس أكثر من مليار دولار، ألقي القبض عليه من قبل الإنتربول وتم جلبه إلى العراق، فتمت تبرئته وعاد إلى الدولة نفسها، التي كان يقيم فيها، لكن مئات آلاف من المغيبين في الموصل وصلاح الدين والأنبار وبغداد والحلة، وغيرها من محافظات العراق، لم يحقق القضاء في مصيرهم، وأين هم الآن؟ كما لن يسأل عن مثلهم ممن يقضون سنوات عديدة في السجون ومراكز الاحتجاز العلنية والسرية، بتهم كيدية وباعترافات تم انتزاعها تحت التعذيب، ولا عن الجهة التي تقف خلف قتل المتظاهرين السلميين والمغيبين منهم.

لقد سقط اليقين الذي كان الناس يعتصمون به بقدرة القضاء العراقي على إحقاق الحق، وإنصاف المظلومين، بعد أن اختارت السلطة الثالثة دروب السياسة الموحلة طريقا لها. وبدل من أن تكون قائدة للمجتمع أصبحت مجرد تابع.

كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية