هل تُغطّي العلاقات الدولية عورة السياسات الداخلية العراقية؟ بقلم: د. مثنى عبد الله

  • مقالات
  • 212 قراءة
  • 0 تعليق
  • الثلاثاء 16-06-2020 12:17 مساء

هل تُغطّي العلاقات الدولية عورة السياسات الداخلية العراقية؟
بقلم: د. مثنى عبد الله

اعتاد العراقيون على تلقّي حزمٍ كبيرةٍ من الآمال العريضة، بعد أن تضع الحرب السياسية أوزارها، ويتسلق هرم السلطة شخص ما. خصال ومهارات وشهادات جامعية، ولغات أجنبية وعلاقات دولية وتاريخ جهادي طويل عريض في ساحات واشنطن ولندن وطهران وغيرها. وعندما تدور الأيام ويبدأ العد الحقيقي للأفعال لن تجد في أرشيف رئيس الوزراء الحاكم، إلا صفحات سوداء مليئة بالفشل السياسي والاقتصادي والأمني.

هذه هي التجربة المُرة التي جناها العراقيون منذ أول وزارة جاء بها الاحتلال. واليوم وبعد تولي رئيس الوزراء الجديد منصبه في أيار/ مايو 2020، عادت الأبواق السياسية، وورش التفكير المساندة للعملية السياسية لممارسة الدور نفسه، ففي معرض التقييم الإيجابي الذي يحاولون أضفاءه عليه، القول بأنه يتمتع بعلاقات دولية واسعة، نتيجة عمله في جهاز المخابرات. وهو معروف من قبل قادة الاجهزة الأمنية لدول التحالف التي قاتلت تنظيم «الدولة». وأنه بنى صلات وصل متينة مع الإيرانيين والأمريكيين، ويستطيع التعامل معهم، بل يزعمون أنه التقى الرئيس الفرنسي مرتين، ووقف على الحدود العراقية السورية بنفسه لتسلم عناصر تنظيم الدولة من الفرنسيين، وغيرهم من الغربيين بعد سقوطهم بيد القوات الكردية في سوريا، وكأنها عملية بطولية.

في حين كشفت وسائل الإعلام الغربية الجوانب الحقيقية لهذه الفعالية، وقالت إنها كانت أشبه بخدمة شخصية قدمها العراق للرئيس الفرنسي، بعد أن أوقعه الرئيس الأمريكي ترامب بالحرج، حينما طلب منه ومن دول غربية أخرى تسلم مواطنيهم، الذين كانوا يقاتلون مع تنظيم «الدولة»، ووقعوا بيد حلفاء أمريكا من الأكراد السوريين.. إذن أين هي مصلحة العراق في هذا الفعل؟
إن المعضلة الكبرى في القضية العراقية، هي أن الحاكم لا يملك بيده عوامل النجاح في مهمته، والسبب في ذلك هو أن هذه العوامل مشتته بسبب كثرة اللاعبين الدوليين والإقليميين، وتناقض وتقاطع المصالح في ما بينهم. في حين أن استراتيجية الحكم الرشيد، تُحتّم على المسؤول السيطرة على كل مكونات النجاح. حينها ستكون الخطة ناجحة، حتى لو كان التنفيذ فيه بعض المشاكل على المستوى التكتيكي، لكن إذا كانت الاستراتيجية خاطئة، وهنالك بعض النجاحات التكتيكية من وقت لوقت، سيكون الفشل حتميا، أي أن مستوى النجاح وطبيعته وعوامله يجب أن تكون تحت يد المسؤول الأول في السلطة، لا أن تكون عوامل النجاح في يد الاخرين، ويتمنى هو أن يتصرف الآخرون كما يريد، لذلك كل ما يقال عن اتساع العلاقات الدولية، التي يرتبط بها رئيس الوزراء وإيجابيتها، كعوامل دفع للمهمة الملقاة على عاتقه، وربط نجاح أدائه الوظيفي بهذه العلاقات، هي محض هراء لا أساس له من الصحة. صحيح أن العلاقات الدولية مهمة جدا في تحقيق المصالح ورسم السياسات، كما يمكن أن تُقلّص الفجوة القائمة في الرأي ما بين صُنّاع القرار وتنفّس الأزمات، لكن هذه ترتبط ارتباطا مباشرا بشرعية الحاكم أولا، وطبيعة تصنيف الدولة ثانيا.

ما المصالح التي يمكن أن يجلبها حاكم مشكوك بشرعيته، تم استيزاره بتوافقات خارجية؟ وما المفاسد التي يمكن درؤها عن دولة مُصنّفة أنها دولة فاشلة؟ في الحالة الأولى ستنظر الدول الأخرى إلى الحاكم على أنه مجرد وسيلة لتحقيق مصالحها في تلك البلاد، لانه لا يريد سوى الدعم كي يبقى في المنصب. وفي الحالة الثانية تبقى الدول الاخرى حريصة على إبقاء الدولة فاشلة، كي تبقى أذرعها فيها ذات شأن. إذن لا خير في علاقات دولية في وسط غير صحي.

إن تحقيق الإنجازات والإصلاحات في أي بلد كان، يمكن أن تتم في أحلك الظروف، إن توفرت الإرادة الوطنية المستقلة، من دون الحاجة للتعكز على الآخرين. في بريطانيا وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، كانت الصواريخ تتساقط على لندن، لكن نواب البرلمان البريطاني، أسسوا أول وأهم نظام للحماية الاجتماعية في كل أوروبا. وهذه سنغافورة دولة بعمر خمس وخمسين سنة لا أكثر، ليست لديها موارد طبيعية ولا ماء للشرب، ولا وسائل دفاع، ونظامها غير ديمقراطي بالمعنى المتعارف عليه، لكنها وصلت إلى مصاف الدول الكبرى. وعندما سُئل رئيس وزرائها عن السر في ذلك قال «في عالم متغير يجب أن نجد مكانا لنا، ومن أجل ذلك نحن بحاجة إلى أناس في المراكز العليا، لهم رؤية وعقل سليم. مطلوب تجديد المواهب والشرفاء الذين يعملون للصالح العام وليس الخاص». وكي يكون الإنجاز ممكنا في العراق، فإن أول متطلباته أن يصحح القائمون على الإدارات السياسية مساراتهم الأخلاقية قبل السياسية، وإعادة بناء الدولة بفهم جديد قائم على المؤسسات ذات العقد الاجتماعي والأسس الدستورية، وحاكمية القانون والحقوق المدنية والسياسية، فهي الأساس الراسخ لبناء نظام المواطنة. ووضع أسس صحيحة يصل من خلالها الشخص المناسب للمكان المناسب، بعيدا عن التوافقات الخارجية، وسحب الحُصص السياسية من كل الفرقاء الطائفيين والإثنيين والمذهبيين، كي لا تصبح الطائفية والمذهبية والإثنية جزءا من السياسة، وإلغاء الطائفية السياسية، كي لا يستمر إنتاج التوأمة مع الفساد والتوأمة مع الحساسية الطائفية.

إن كل الطواقم السياسية التي توالت على السلطة في العراق، منذ بداية الاحتلال وحتى اليوم، كلها كانت لديها علاقات خارجية، وحاضنين دوليين وإقليميين، لكن النتيجة كانت واحدة.. تراجع كارثي في كل ميادين الحياة، وقتل واعتقالات وتغييب وتهجير، وتدمير مدن على رؤوس ساكنيها، وأفضل الناس يتعفنون في السجون ومراكز الاعتقال، فيما يزداد المسؤولون وعوائلهم وأقرباؤهم وميليشياتهم ثراء وجاها. وباتت المعادلة في العراق هي (أنا الحاكم والنظام هو أنا والدولة هي نظامي)، وأن كل من يعارض ولو بكلمة يهدد كياني، لذلك قُتل المئات من المتظاهرين السلميين، وجُرح آلاف منهم، وغُيّب واخُتطف العشرات، والسبب في ذلك هو أن الجميع اعتبر الارتباط بالخارج أهم من السلم الأهلي، لأن فيه دعم مالي وسياسي وغيرها، لذلك بات تغيير النظام ليس تغير العهد، ولكن يجب تغيير طريقة وفلسفة الحكم.

إن خروج العراق من النفق المظلم الذي يعيش فيه منذ أكثر من سبعة عشر عاما، ليس مرتبطا بالحاجة إلى سياسيين ميزتهم الأولى أن لديهم علاقات مع الامريكيين أو الإيرانيين، أو الأتراك، أو الغربيين، أو جميع هؤلاء، إنه بحاجة إلى رجال دولة ينظرون إلى السياسة والعمل السياسي على أنه مجرد فعل اجتماعي ينهضون به لإحداث التغيير الجذري في المجتمعات التي يقودون.

كما أن سلوكهم السياسي اليومي مسكون بالبحث عن الموارد الذاتية، التي يتغذى بها، كي يستطيع تقديم برامج ذات رؤى حقيقية للمجتمع. لكن ما موجود في المشهد السياسي هو عكس ذلك تماما. هنالك منظومة سياسية كانت أداة من أدوات الحرب العدوانية التي شنت على البلاد، ثم وصلت لتقاسم كعكة السلطة حسب المحاصصة، لذلك فإن الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها هذه النخب الفاسدة البقاء، هي تشريع النهب عبر تحالفات داخلية وخارجية.

كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية