نتيجة الفساد ومزاد العملة وتهريبها .. العراق يعيش حاليا أزمة اقتصادية خانقة

يُعد مزاد العملة الذي يجري في البنك المركزي العراقي من أكثر الملفات فساداً في العراق لانه يتسبب في هدر أموال العملة الصعبة التي يحصل عليها نتيجة بيع النفط على مشاريع وهمية واستيراد مواد لا وجود لها أصلا على ارض الواقع، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد العراقي شللا كبيرا بسبب انخفاض سعر النفط الخام، واللجوء إلى الاستدانة من البنوك الدولية.

وفي هذا السياق، يقوم البنك المركزي العراقي ببيع الدولار الى المصارف الاهلية وشركات تحويل الأموال التي يعود بعضها الى شخصيات متنفذة والميليشيات الموالية لإيران وذلك عبر عملية المزاد التي تصل الى (150) مليون دولار يوميا، ما أثر سلبا على احتياطي البنك الذي انخفض بشكل ملحوظ في الآونة الاخيرة نتيجة عدم التوازن بين ما يحصل عليه البنك من العملة الصعبة وعملية البيع عبر المزاد.

وأكدت الانباء الصحفية ـ التي تراقب اوضاع العراق الاقتصادية عن كثب ـ ان عددا كبيرا من المتخصصين بالسياسة المالية اعربوا عن معارضتهم لعملية مزاد العملة الذي عدّوه هدرا للمال العام لصالح شخصيات متنفذة تقوم بتحويل ملايين الدولارات الى تجار وهميين بحجة استيراد بضائع وصفوها بالبائسة ومحاصيل زراعية لا جدوى منها أو بضائع لا وجود لها .. موضحين ان معظم عمليات مزاد العملة تتم عبر مكاتب للتحويل المالي تحمل لافتات لأسماء مصارف لا تمارس العمل المصرفي وابوابها مغلقة أمام المواطنين، ما ادى الى استنزاف العملة الصعبة بالتزامن مع انخفاض أسعار النفط الذي يُعد الممول الرئيسي لاحتياطيات البنك المركزي العراقي من هذه العملة.

ونسبت الانباء الى الخبير المالي (محمد الخزاعي) قوله: "ان المزاد الذي يقوم به البنك المركزي يُعد اكبر استنزاف للعملة الصعبة وأصبح فرصة لبعض المصارف التي تمتلكها جهات متنفذة لتحقيق أرباح كبيرة من خلال تقديم اعتمادات وسندات مزوّرة تحت ذريعة تغطية صفقات تجارية واستيرادات أغلبها وهمية" .. مشيرا الى ان معدل ما يبيعه البنك المركزي سنويا لتمويل استيرادات القطاع الخاص يتجاوز الـ(40) مليار دولار وهو مبلغ كبير مقارنة بما يستورده العراق والذي لا تتجاوز قيمته الـ(30) مليار دولار سنويا.

بدوره، أكد (ضرغام محمد علي) المتخصص بالشؤون الاقتصادية ان العديد من المصارف الخاصة حصلت على ترخيص بممارسة المهنة بدون تدقيق أهلية هذه المصارف التي احجمت كليا عن ممارسة عملها الائتماني واقتصرت على المشاركة في مزاد العملة، واصبحت قطاع استهلاكي أسوة ببقية القطاعات في العراق .. مشيرا الى ان الزيادة الكبيرة في اعداد المصارف الخاصة التي ليس لديها جدوى اقتصادية حقيقية يؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان الهدف من انشائها هو تحقيق الارباح من عملية المزاد وليس ممارسة النشاط المصرفي النظامي، لاسيما ان نسبة مشاركة الجهاز المصرفي الخاص لا تزيد على (١٥%) من حجم الودائع الكلي في الجهاز المصرفي العراقي.

الى ذلك، اعترف مصدر حكومي مسؤول ـ فضل عدم الكشف عن اسمه ـ بأن ملف مزاد العملة اصبح من أهم ملفات الفساد التي تساهم بتبييض الاموال وتهريب العملة الصعبة الى خارج البلاد، وهناك ادلة واثباتات تؤكد وقوف جهات تابعة للأحزاب المشاركة في العملية السياسية الحالية وراء عمليات تهريب العملة واصدار فواتير مزوّرة لبضائع وهمية وأخرى فاسدة يتم ادخالها الى العراق .. لافتا الانتباه الى ان العام الماضي شهد استيراد (سكاكر) بمبلغ (28) مليون دولار عن طريق مزاد العملة في البنك المركزي.

بدورهم، أقر عدد من اعضاء مجلس النواب الحالي بأن مزاد العملة يتسبب سنويا في خروج ما يربو على (57) مليار دولار من العراق الى ايران وعلى مدار عشر سنوات مضت، في الوقت الذي يفترض على الحكومات المتعاقبة حصر الدولار بسوق الاوراق المالية .. موضحين إن عمليات مزاد العملة غير النظامية تسببت بخسارة العراق نحو خمسة ترليونات دينار خلال العام الماضي بالتزامن مع الازمة الاقتصادية الخانقة الناجمة عن عدم وجود رؤية استراتيجية حقيقية لإدارة الاموال.

وكان عدد من الصحفيين العاملين في إحدى الوكالات الإخبارية قد تلقوا تهديدات بالتصفية لنشرهم وثائق تتعلق بقضية عمليات غسيل أموال في مزاد بيع العملة لمصلحة أحد البنوك الأهلية بالتواطؤ مع أحد المصارف الحكومية في البلاد.

ونتيجة لما تقدم، فان مجلس النواب الحالي يشهد منذ فترة ليست قصيرة تصاعد وتيرة الاتهامات بشأن عمليات تهريب العملة التي  ألقت بظلالها على أسعار بيع الدولار في الأسواق المحلية وأدت الى ارتفاع سعر صرفه أمام الدينار العراقي، وسط مطالبات عدد من النواب بضرورة إيقاف عمليات بيع العملة في مزاد البنك المركزي، وتأكيد آخرون بأن العراق اصبح يخسر أموالاً طائلة جراء استمرار تهريبها الى خارج الحدود.

وكالات + الهيئة نت

م