قسم حقوق الإنسان في الهيئة يصدر تقريرًا بعنوان: جولة بين أطلال الموصل القديمة؛ دمار غير مسبوق وأوضاع لا توصف

أصدر قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين في العراق تقريرًا بعنوان: جولة بين أطلال الموصل القديمة؛ دمار غير مسبوق وأوضاع لا توصف، وفيما يلي نص التقرير:

 

تقرير:
جولة بين أطلال الموصل القديمة؛ دمار غير مسبوق وأوضاع لا توصف

مع بداية موسم الصيف الحارق في العراق، تجوّل فريق قسم حقوق الإنسان في الهيئة بين أطلال المدينة القديمة من الموصل، ليجد أنه ما يزال هناك الآلاف من أهالي المدينة القديمة في الموصل يعيشون دون مأوى وبلا سبل عيش، وسط أكوام الأنقاض والركام التي خلفتها حرب ضروس لم تبقِ ولم تذر دارت رحاها في مدينة الموصل بين القوات الحكومية وحلفائها من جهة ومسلحي تنظيم الدولة (داعش) من الجهة الأخرى.

في وضع مزرٍ ويائس، تحدث محمّد لمندوب قسم حقوق الإنسان، وكان يقف أمام ما يعتقد أنها أنقاض منزله المدمر في الموصل قائلًا: مضى على رجوعنا إلى المدينة أكثر من سنتين وجميع المنازل في الشارع الذي كنا نسكن فيه مهدمة ومنها ما سوي بالأرض تمامًا بفعل القصف العنيف الذي تعرض له الحي، ولم نستطع تحديد مكان منزلنا بدقة لأن ركام المنازل متداخلة في بعضها بعضًا وهناك جثث ضحايا القصف ما تزال تحت أنقاض المنازل التي تهدمت على رؤوس ساكنيها، ولم يتغيّر أي شيء منذ ذلك الوقت. وهو يقف في وضع مزرٍ للغاية مرتديًا ملابسة رثة، وبحالة يأس تساءل: إلى متى سنبقى نعيش بين هذه الأنقاض والأموات؟!، ولماذا حلّت بنا كل هذه المصائب؟!.

وكجزء من النشاطات الاجتماعية التي تسبق حلول شهر رمضان المبارك كل عام؛ يتم تقديم سلال غذائية –لكنها هذا العام كانت متواضعة المحتوى وبكميات أقل مقارنة بالأعوام السابقة- للأشخاص الذين يعيشون بين أنقاض البلدة القديمة في الموصل بعد ثلاثة أعوام من استعادة المدينة من تنظيم (داعش)، في المعركة الأخيرة التي حوّلت العديد من السكان المحليين إلى متسولين بلا مأوى.

قال علي، 24 عامًا، بعد أخذه سلة غذائية من إحدى السيارات التي كان يستقلها رجال عراقيون يقومون بتوزيع الطعام على العائلات الفقيرة في مدينة الموصل القديمة: هناك الكثير من السكان بحاجة إلى المساعدة في الحصول على الطعام وإعادة بناء منازلهم. لقد تأثر الجميع هنا بالحرب.

خيم وسط الموتى

في أوائل آب/أغسطس 2018، عاد حازم، 52 عامًا، وعائلته إلى كومة من الحطام الذي كان قبل الحرب منزله، بجانب مرفق رياضي سابق تضرر بشدة، على بعد بضعة أمتار من الأنقاض المهجورة التي لا تزال تنتشر فيها بقايا لجثث بشرية لم تقم السلطات الحكومية برفعها وانتشالها من المكان.

اضطر حازم للاستقرار في خيمة نصبها خارج أنقاض منزله القديم، تمنح عائلته ظلًا في حرارة الصيف الحارقة. وزوجته كانت تقوم بغلي الماء على نار موقدة خارج الخيمة، وكان أطفالهم الصغار يلعبون داخلها.

وقال: قررت العيش مع عائلتي في هذه الخيمة لإحراج الحكومة وحثها على إعادة بناء منزلي والكثير من المنازل الأخرى المدمرة في البلدة القديمة، ولكن استمرار إهمال السلطات المحلية أحبط الأهالي جميعًا وجعلنا في حالة من القلق والحزن والضياع.
وأضاف حازم: أصبحنا عائلة فقيرة. ليس لدينا المال الكافي للعيش بكرامة. نعاني من نقص الطعام ولا نملك أي أثاث لأنه تحت أنقاض منزلنا الآن.

توقفت سيارة مارة عند الخيمة، وسلم السائق، الذي أطلق عليه اسم صالح، وأعطى لحازم سلة غذائية.

وقال لنا صالح: عدم قيام السلطات المحلية بإعادة بناء البنية التحتية للمدينة يعكس حالة الفساد المستشري على الصعد كافة، وعدم اكتراث حكومة بغداد للمعاناة والمآسي التي يعيشها أهالي الموصل عمومًا منذ سنين.

وقبل مغادرته المكان؛ قام صالح بإعطاء امرأة كانت تطبخ الطعام بالقرب من خيمة أخرى بالمكان، حيث تعيش منذ أكثر من سنتين.

ومنذ إعلان القوات الحكومية هزيمة تنظيم داعش، بالكاد تحسنت حياة السكان في مدينة الموصل القديمة بجهود ذاتية من الأهالي المحليين الذين عانوا الظلم من الأجهزة الأمنية الحكومية ومن مسلحي التنظيم على حد سواء. واستمرت معاناتهم مع حكومات الاحتلال المتعاقبة في بغداد التي تعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية، بحسب السكان الذين التقاهم مندوب قسم حقوق الإنسان.

والتقى مندوب القسم خلال جولته أيضًا مع أحد الشبّان الناشطين في الإغاثة المحلية، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، والذي كان يتجه إلى المدينة القديمة من الموصل القديمة لتسليم السلال الغذائية للقاطنين في المكان: سنقدم المساعدات للفقراء هنا ونطلب من الله العون والقبول. وأضاف: الحكومة لا تفعل أي شيء لمساعدة الأهالي هنا، وما تزال تعرقل نشاطاتنا لإغاثة السكان المحليين وتتهمنا بمساعدة الإرهابيين وتهددنا بالاعتقال وتقوم بابتزازنا ماليًا في كثير من الأحيان، بحسب الناشط.

وخلال جولتنا في المدينة القديمة لاحظنا مشكلة أخرى تهدد حياة القاطنين في المنطقة؛ حيث انتشار مخلفات الحرب والمقذوفات بأنواع وأحجام مختلفة المتروكة على الأرض في أنحاء المدينة، وهي مخلفات قابلة للانفجار في أي لحظة دون إنذار، ويمكنها إحداث كارثة في المكان الذي تنفجر فيه. وعند استفسارنا من الأهالي المتواجدين معنا عن الموضوع، قال أحدهم: هناك مئات القنابل اليدوية القديمة التي لم تنفجر بعد وعشرات المنازل المفخخة التي لم تتم معالجتها حتى اليوم، وطلب منا مرافقته لرؤية حفرة خلفها انفجار قنبلة يدوية قديمة كانت متروكة على جانب الطريق لم يسفر عن إصابة أحد، وكانت القنبلة بجوار ما قال عنه السكان إنه قبر مؤقت لأحد عناصر تنظيم الدولة الذين قتلوا في المعركة.

وبشأن المخلفات الحربية في المدينة؛ تحدث أحد ضباط مديرية الدفاع المدني في محافظة نينوى بشرط عدم ذكر اسمه قائلًا: لا توجد إحصاءات رسمية عن كمية المواد المتفجرة والمخلفات الحربية في الموصل. وأضاف: حتى القوات الحكومية لا تملك إحصاءات، أو أي مسح ميداني يحدد أماكن المتفجرات غير المنفلقة في الموصل، بحسب الضابط.
من جانبها؛ حذرت الأمم المتحدة في مناسبات عديدة من بقاء القنابل غير المنفجرة في الموصل لعقد من الزمن في جميع الأحوال، الأمر الذي يعرّض حياة أكثر من مليون مدني للخطر.

ويُعتقد أن معركة الموصل خلفت ما يقدر بأحد عشر مليون طن من الحطام والأنقاض، وأن ثلثي المخلفات القابلة للانفجار ما زالت مدفونة تحت الركام.

وعلى الرغم من مرور سنوات على استعادة الموصل بالكامل؛ ولكن خلال جولة سريعة في المدينة القديمة يمكن لأي شخص أن يجد الحطام والركام وبعض بقايا الجدران التي على وشك الانهيار الذي ما زال يملأ معظم أزقة المدينة القديمة، ويمكن رؤية أجزاء الجسم البشري المتحللة وسط أكوام الأنقاض التي خلفها القصف العشوائي للقوات الحكومية والغارات الجوية لقوات التحالف الدولي الذي استمر على مدى تسعة أشهر من حرب شَعْوَاء تعدّ أكثر الحروب دمارًا في العصر الحديث.

وفي هذا الصدد قال الدكتور أيمن العاني، مسؤول قسم حقوق الإنسان في الهيئة: "بعملية حسابية بسيطة لمجموع قِيَم الميزانيات الحكومية المخصصة والمنح والقروض التي قدمتها الدول المانحة لعمليات إعادة الإعمار في مدينة الموصل للسنوات الثلاث الماضية، نجد أنها تبلغ مجتمعة 800 مليون دولار أمريكي، ما يعادل أكثر من 1000 مليار دينار عراقي، ولكننا لم نجد أي أثر لهذه المبالغ الضخمة على أرض الواقع في الموصل، حيث لم تتجاوز نسبة إنجاز مشاريع إعادة الإعمار في المدينة بالكامل بشقيها الأيمن والأيسر 30% فقط خلال المدة نفسها، أي بواقع 10% سنويًا؛ الأمر الذي يفسر حجم الدمار الذي ما يزال يغمر الموصل، ويعكس عدم جدية الجهات الحكومية المعنية بإعادة إعمار المدينة وباقي المدن المنكوبة الأخرى، التي مضى على استعادة بعضها أكثر من 6 سنين".

وقبل الذهاب إلى المدينة القديمة في الموصل؛ تجول الفريق في إحدى المناطق الراقية في شرق المدينة، التي لم يكن القتال فيها عنيفًا ولم يستغرق وقتًا طويلًا، وقد عادت مظاهر الحياة فيها إلى حد كبير إلى طبيعتها السابقة، ولكن تفاجئ الفريق من قول الشخص المرافق له -وهو من أهل المدينة- بأن مجرد السير في هذه المنطقة يمكن أن يكون أمرًا خطيرًا بسبب انتشار العصابات والمسلحين خارج القانون في المنطقة التي باتت تسيطر عليها أمنيًا واقتصاديًا وتجاريًا مليشيات الحشد، بحسب الشخص المرافق.

واستطاع قسم حقوق الإنسان أن يتواصل مع ذوي بعض ضحايا القصف في الموصل، الذين ما تزال جثثهم تحت أنقاض منازلهم ولم يتم انتشالها حتى اليوم، وسيقوم بنشرها قريبًا في تقرير خاص بهذا الشأن يتضمن أيضًا شهادات لذوي الضحايا الذين يعيشون مأساة مركبة بسبب عدم تمكنهم من دفن أقربائهم وأبنائهم الذين قضوا منذ سنين.

قسم حقوق الإنسان
3 / رمضان/ 1441هـ
26/ 4/ 2020م