واشنطن وطهران: اشتباكات الضرورة فوق الأراضي العراقية مثنى عبدالله

واشنطن وطهران: اشتباكات الضرورة فوق الأراضي العراقية
بقلم: مثنى عبدالله

في الحادي عشر من شهر مارس/آذار الجاري أدى هجوم صاروخي على قاعدة التاجي العسكرية شمال بغداد، التي تضم قوات للتحالف الدولي، إلى مقتل أمريكيين وبريطانية. وفي ساعة مبكرة من يوم الثالث عشر من الشهر نفسه، استهدفت القوات الأمريكية مقرات ومخازن أسلحة تابعة لميليشيا كتائب حزب الله في مناطق متفرقة من وسط العراق، بعد أن اتهمتهم بأنهم من يقف وراء استهداف القاعدة.

وفي تحد جديد تعرضت القاعدة العسكرية نفسها إلى ضربات صاروخية في الرابع عشر من الشهر الجاري، نتج عنها جرح عدد من الجنود الأمريكيين بعضهم في حالة حرجة، حسب بيان الجيش الأمريكي. وكان الاستهداف الاخير هو الثالث والعشرين، في سلسلة استهداف التواجد العسكري الامريكي في البلاد، منذ نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

لم يكن توجيه ضربات صاروخية إلى القواعد العسكرية العراقية، التي تتواجد فيها قوات التحالف الدولي، من قبل الميليشيات العراقية ذات الولاء الإيراني، الأول من نوعه. كما لن يكون الرد الذي جاء بقصف مقرات هذه الميليشيات ومخازن أسلحتها هو الأخير. ستستمر هذه المواجهة الأمريكية – الإيرانية على الأراضي العراقية إلى زمن غير محدد، لأنها مواجهة الضرورة، وليست مواجهة الاختيار. فكل طرف يجد نفسه مجبرا على خوض هذا الصراع لتحقيق أهدافه، بإعادة تشكيل طبيعة القوة في المنطقة. فالولايات المتحدة لديها استراتيجية الضغط الأقصى على إيران، التي تهدف من ورائها إلى جر طهران إلى إعادة التفاوض على الملف النووي، أو العمل على أسقاط النظام من الداخل. وقد دفعها عدم استجابة طهران إلى أن يكون الاشتباك معها، بحكم الضرورة وليس الاختيار، حيث استخدمت القوة العسكرية لأول مرة، عندما استهدفت الشخص الثاني في النظام، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني. بما يعني أن قواعد الاشتباك بين الطرفين قد تغيرت تماما. أما طهران فأهدافها هي إخراج الولايات المتحدة من العراق ومن المنطقة أيضا، والاعتراف بالمشروع الايراني الإقليمي. وقد حرصت على أن يكون خطابها السياسي يتحرك في المساحة المحصورة بين التهدئة تارة، والتهديد باستخدام القوة العسكرية تارة أخرى، إن حصل اعتداء عليها من قبل القوات الأمريكية. لكن استهداف قاسم سليماني أسقط خطاب التهدئة من يدها، فاتخذت مسارا تصعيديا أكثر شدة، حفاظا على سمعتها التي أهدرها الاستهداف، والرد على الاستهداف أيضا. فقد كان ردها بقصف قاعدة عين الأسد الأمريكية في غرب العراق، لا يستوي مع نفخ العضلات الذي مارسته على مدى عقود من الزمن، كما لا يستوي مع الأهمية الاستراتيجية لجنرالها القتيل، لذلك هي اليوم تضيف إلى أهدافها التي تريد تحقيقها من حالة الصراع مع الولايات المتحدة، هدفا جديدا هو، التأثير على الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي بما يعرقل وصوله إلى ولاية رئاسية ثانية. فطهران تشعر بأن العام الانتخابي يكون ثقيلا على أي رئيس في الولايات المتحدة، وحينما يترافق مع عودة جثامين جنوده إلى الوطن، سيكون أثقل عليه من أي حالة أخرى، خاصة أن وعده الانتخابي كان إعادة جميع الجنود سالمين إلى عوائلهم من ساحات الحروب الخارجية.

إن تصاعد استخدام القوة الصلبة في طبيعة الصراع الأمريكي ـ الإيراني، مردّه ظن كل طرف أن بإمكانه تحقيق أهدافه على حساب الطرف الآخر، أو بالحد الأدنى سحبه إلى منطقة وسطى، يستطيع فيها قضم جزء من مشروعه، ما يمنحه فرصة لتحقيق مصالحه العليا، لكن الخطورة في هذا المسار كبيرة، وأن الكُلف التي يمكن دفعها، ربما ستكون أكبر من التوقعات، لأن السيطرة على نبض هذا المسار غير مضمونة. وقد يقود ترف الاعتماد على القوة الصلبة غير المحسوبة إلى الانزلاق في مواجهة شاملة، وأن ما يدعم هذا القول هو أن إيران مازالت تعيش في حالة من خطأ التقديرات للطرف الآخر، وما هو قادر على فعله والذهاب به بعيدا، في حين أثبت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عدة مرات، أن عقيدته تقوم على اللامتوقع. وقد رأينا كيف كان الردع الأمريكي من فئة أعلى درجات سلم الردع، على سلسلة الاستهدافات الميليشياوية لقواعدها العسكرية وأصولها المدنية في العراق، حينما هاجمت موكب قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس قرب مطار بغداد، وقضت عليهما معا. ومع ذلك مازالت طهران لا تستوحش السير في طريق التقديرات الخاطئة، معتمدة على أذرعها الخارجية. فبدأت تنظر إلى التحذير الرادع من طبيعة عملية قتل قاسم سليماني، على أنها أصبحت من الماضي. وأن الخط الأحمر الذي رسمته واشنطن لها من أن الاستهداف سيكون مؤلما في حال مقتل أي أمريكي، يبدو أنها فهمته على أن بإمكانها اللعب على جوانبه، من دون الانزلاق إلى حافة الهاوية. لذا يبدو أنها أعطت الضوء الأخضر لأذرعها في العراق، لتوجيه ضربات لا تتجاوز هذا الخط، لكن قصف القواعد عن بعد وبوسائل غير متطورة كثيرا، لن يسمح بإبقاء معادلة الخط الاحمر متوازنة، حتى إن لم يقع قتلى في صفوف قوات التحالف. ومن قال بأن صانع القرار في واشنطن سيستكين للقصف اليومي على قواعده في العراق؟ هم أرسلوا قواتهم إلى العراق لتحقيق أهداف مرسومة، وإن القصف يعيق حركة هذه القوات، وبالتالي يُعطّل الاهداف التي جاءت من أجلها. وهذا لن يجعل صانع القرار الأمريكي في حالة صبر متواصل على الرعونة والعنجهية الإيرانية.

إن التصعيد الاخير بين طهران وواشنطن في الأراضي العراقية، تفهمه الادارة الأمريكية على أنه رسالة إيرانية، تقول بأنها لم تشفِ غليلها بعد من الثأر لرجلها الثاني قاسم سليماني، وإن الرد على قاعدة عين الأسد كان مجرد بداية. لكن صانع القرار الإيراني، ربما نسي بأن الهجمات المستمرة على القواعد الأمريكية سيدفع الطرف الآخر إلى تحديث ردود فعله وتفعيل مستوياتها، وربما ستواجه طهران مرة أخرى ردا غير متوقعا من قبل ساكن البيت الابيض.

السؤال المُلّح هو أين العراق من هذا الطحن الحاصل على أرضه، بين فواعل خارجيين يريدون تحقيق استراتيجياتهم المرسومة، وفق مصالحهم العليا وليس مصلحة العراق؟ الجواب، يبدو أنه بات كلبنان في سبعينيات القرن الماضي، عندما كان ساحة لتصفية الحسابات بين أطراف كثيرة، ثم دفع ثمن ذلك باهظا. اليوم بات العراق الساحة الأكثر التهابا بسبب موقعه المهم في استراتيجية الاثنين واشنطن وطهران. فهو مركز ثقل المنطقة الذي يؤثر ويتأثر بها من جميع الجهات. ولهذا السبب اختارته واشنطن كي تغزوه، وتغير وجه المنطقة به ومن خلاله، وهذا الذي حصل فعليا على أرض الواقع في عام 2003. أما العراق في ثوابت طهران الاستراتيجية، فهو الخطر الداهم والتاريخي على أمنها القومي، وأن تحطيمه وجعله يدور في فلكها هو الهدف الذي لا يمكن التخلي عنه. وما بين هذا الطرف والطرف الثاني، يبقى العراق أرضا وشعبا في ذمة وكلائهم الذين يقودون السلطة فيه.

كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية