أذرع إيران تشارك بقوة في قمع التظاهرات السلمية في العراق.. شهادات ولقطات توثّق الجرائم

أذرع إيران تشارك بقوة في قمع التظاهرات السلمية في العراق

شهادات ولقطات توثّق الجرائم

يشهد العراق منذ أكثر من خمسة أشهر أيامًا دامية؛ قُتل خلالها ما لا يقل عن (650) متظاهرًا وأصيب نحو (25000) آخرين، مع تجدد التظاهرات السلمية المطالبة بتغيير النظام السياسي الفاسد في البلاد؛ الأمر الذي دفع منظمة الأمم المتحدة إلى إدانة الانتهاكات الكبيرةلحقوق الانسان -بحسب المنظمة- من قِبَل قوات الأمن الحكومية والميليشيات الموالية لها خلال التظاهرات السلمية الجارية في العراق، ولكنها تتفادى مع كل إدانة جديدة تحديد كيفية معاقبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، التي وصفتها المنظمة نفسها بـ"الكبيرة".

وعلى الرغم من أن المحتجين وفق الدستور الحالي في العراق؛ لهم حق التظاهر السلمي وحق الحماية من قِبَل قوات الأمن الحكومية، إلا أن مشاهد القتل خارج القضاء والاعتقالات غير القانونية والتنكيل الأعمى بالمتظاهرين التي حصلت منذ الأول من تشرين أول/أكتوبر الماضي تتكرر من جديد، حيث بلغت المجازر المرتكبة من قِبَل القوات الحكومية والميليشيات المدعومة من إيران بحق المحتجين السلميين خلال الأشهر الخمسة الماضية 29 مجزرة على الأقل.

ومنذ الأسبوع الأول للاحتجاجات؛ وثّق قسم حقوق الإنسان شهادات لناشطين ومتظاهرين وذوي ضحايا ومسعفين؛ تفيد بأن قناصة تابعين لميليشيات مدعومة من إيران، استهدفوا المتظاهرين في ساحة التحرير والمناطق المحيطة بها وسط بغداد، من بينها "مليشيا بدر"و"سرايا الخراساني" و"كتائب سيد الشهداء"، وتكررت هذه المشاهد في بغداد ومدن محافظات الجنوب في العراق، الأمر الذي ظهر جليًا من خلال الضحايا الذين قضوا بإصابة مباشرة في الرأس أو الصدر؛ فقد وثّق القسم نحو (400) حالة قتل خارج القضاء لمتظاهرين وناشطين مدنيين قتلوا بهذه الطريقة.

إلى جانب ذلك؛ أظهرت عشرات المقاطع المسجلة والمتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لقطات توثّق قتل متظاهرين بعدما أصيبوا إصابات مباشرة بقنبلة الغاز المسيل للدموع اخترقت رأسهم.

وقال شهود عيان لمندوب قسم حقوق الإنسان، إن العاصمة بغداد شهدت انتشاراً لعناصر مسلحة تعمل ضمن ميليشيات الحشد لقمع المتظاهرين وتفريق تجمعاتهم. وأكد الشهود، أن ميليشيا الحشد كثفت تواجدها على الأرض منذ اليوم الأول للتظاهرات حيث تجوب الشوارع وتطلق النار بشكل عشوائي من أسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة لقمع التظاهرات وتفريقها، في حين تقوم القوات الأمنية الحكومية بإخبار المتظاهرين حينما يتعرضون للقمع بأن "هذه القوات غير تابعة لها وأنهم لا يستطيعون فعل شيء لردعها"، بحسب الشهود.

من جهة أخرى، أكدت مصادر أمنية من بغداد، فضلوا عدم ذكر اسمائهم، أن بعض الميليشيات الموالية لإيران مثل "منظمة بدر" و"العصائب" و"سرايا الخراساني" و"كتائب حزب الله" و"النجباء" و"جند الإمام" قامت بإنزال عناصر تابعة لها في محيط ساحة التحرير بهدف اعتقال المتظاهرين، وفي هذا الشأن وثّق قسم حقوق الإنسان خلال الأشهر الماضية اختفاء (87) متظاهرًا وناشطًا مدنيًا حال خروجهم من ساحة التحرير، بينهم فتيات وقاصرون، وتابع القسم قضاياهم وقدّم عشرات الالتماسات إلى اللجنة الأممية المعنية بحالات الاختفاء القسري لتتدخل بشكل عاجل لمعرفة مكان وجودهم ووضعهم تحت حماية القانون وتحديد المرتكبين، وتم بالفعل إطلاق سراح عدد منهم، وقد أكدوا لمندوب القسم قيام الميليشيات المذكورة باعتقالهم لمدد مختلفة جرى خلالها عزلهم عن العالم وتعذيبهم وتهديدهم بالتغييب إلى الأبد -بحسب الضحايا- إذا ما عادوا إلى ساحات التظاهر.

فيما تحدث عدد آخر من المتظاهرين لمندوب قسم حقوق الإنسان؛ عن أن عناصر من ميليشيا سرايا الخراساني طوقت في تشرين ثاني/نوفمبر الماضي مستشفى الجملة العصبية ببغداد ومنعت الكادر الطبي من مزاولة عمله، بعد أن قامت باعتقال عدد من جرحى التظاهرات الذين سقطوا بنيران قناصة وعناصر تابعين لميليشيا الخراساني، ما أدى إلى وفاة 13 متظاهراً في المستشفى من جراء إصابات في الرأس مُنع الأطباء من علاجها، وهذا ما أكدته مصادر طبية.

كما التقى مندوب قسم حقوق الإنسان مع عدد من المحتجين وسط بغداد، من الذين ألقوا القبض على شخص مسلح كان يطلق النار على المتظاهرين السلميين في شارع السعدون وسط بغداد في تشرين أول/ أكتوبر الماضي، وكان يحمل هوية تعريفية صادرة عن وزارة الداخلية الحالية،ووثّق ناشطون لقطات تُظهر الشخص المسلح قبل اعتقاله وهو يقوم بإطلاق النار على المتظاهرين من مسدس، الذي أظهرت التحقيقات الأولية أنه تابع لميليشيا بدر الموالية لإيران، وقد أقرت السلطات الحكومية في العراق باعتقال هذا الشخص، وادّعت أنه "كان يطلق النار على القوات الأمنية والمتظاهرين"، ولم يتم نشر نتائج التحقيقات في هذه القضية حتى تأريخ إصدار هذا التقرير.

وأفاد عشرات المتظاهرين من المحافظات الجنوبية لمندوب قسم حقوق الإنسان بأنهم تعرضوا خلال تجمعاتهم في مدن البصرة والعمارة والناصرية والكوت والديوانية إلى إطلاق رصاص حي من قِبَل حراس مقرات أحزاب وميليشيات حزب الدعوة ومنظمة بدر وسرايا الخراساني والعصائب والنجباء في تلك المحافظات، التي رد عليهم المتظاهرين بإضرام النار بالجدران الخارجية لتلك المقرات، والتي تطورت الأمور في بعضها ما أدى إلى تعرضها للحرق بالكامل.

وبشأن "مجزرة ساحتي السنك والخلاني" التي وقعت في كانون أول/ديسمبر الماضي، والتي كشفت القرائن والأدلة عن أن ميليشيا "كتائب حزب الله" نفذت خلالها سلسلة من عمليات القتل الوحشي بحق عشرات المتظاهرين السلميين؛ فقد تحدث عدد من مختطفي المجزرة إلى مندوب قسم حقوق الإنسان شهادات مروعة، حيث قال أحدهم إنه كان على مقربة من المكان عندما بدأ إطلاق النار يتكرر من داخل المرآب، لذلك اتصل بأصدقاء يعرفهم كانوا في الداخل. وتابع رد أحد المتظاهرينقائلا: الأمور سيئة جدا، إنهم يطلقون علينا النار من كل جانب، ثم أغلق الخط. بعدها أقفل هاتفه. بدوره،قال أحد الناشطين، الذي فضل عدم ذكر اسمه خوفا من التعرض للانتقام، والذي كان موجودًا في مرآب السنك عند وقوع الهجوم: ملأوا حافلتين للركاب، بمتظاهرين من السنك تحت تهديد السلاح واقتادوهم إلى جهة مجهولة.

ونقلًا عن شاهد آخر كان متواجدًا ساعة الحادثة ونجا بأعجوبة، قوله: "الأمر بدأ عندما هجم علينا أفراد ميليشيات كانوا ملثمين وفتحوا نيران أسلحتهم عشوائيًا، وبعدها تعرض عشرات المتظاهرين المناهضين للحكومة للضرب والطعن بالسكاكين والقتل بدم بارد. وأضاف أن واحداً من أصدقائه كان يتحدث بغضب مع أفراد المليشيات، فقاموا بقتله ذبحًا، وقبل ذلك سمع صراخاً خلفه لأحد الشبان المتظاهرين انتهى مع صوت إطلاق نار.

وبعد الإعلان عن تكليف محمد توفيق علاوي بتشكيل "الحكومة الانتقالية"، الذي تم رفضه رفضًا قاطعًا من قِبَل ساحات التظاهر في عموم العراق؛ ظهرت ميليشيا سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر على شكل مجاميع مسلحة تطلق على نفسها "القبعات الزرقاء" لمساندة القوات الحكومية القمعية،ولفرض علاوي على المتظاهرين المناهضين للحكومة ومنع جميع أشكال الرفض الشعبي لمرشح أحزاب السلطة الحالية،وقد ارتكبت في سبيل ذلك أبشع الانتهاكات والجرائم بحق المتظاهرين السلميين في العاصمة بغداد ومدن النجف وكربلاء والناصرية والبصرة وغيرها؛ فقتلت وأصابت نحو 200 متظاهروعمدت إلى استيراتيجية جديدة لقمع واستهداف المتظاهرين عبر تنفيذ انسحاب صوري وخلع القبعات الزرق ثم العودة متخفين للتربص بالمتظاهرين المناهضين للحكومة، وارتكبت العديد من الاعتداءات على خيام المعتصمين والمتظاهرين حرقًا وطعنًا بالسكاكين والقتل بالأسلحة المزودة بكاتم للصوت لإثارة حالة من الرعب والهلع في صفوف المتظاهرين تمهيدًا لتفريقهم.

وقال أحد الناشطين المعتصمين في ساحة التحرير ببغداد منذ أكثر من 120 يومًا؛ إن عناصر ميليشيا الصدر المتواجدين في مبنى المطعم التركي نفذوا استعراض الانسحاب بعد تغريدة نشرها الصدر على حسابه في موقع تويتر وخلعوا قبعاتهم وعادوا إلى المبنى، أي أنهم بدأوا باستخدام أسلوب التخفي لاستهداف التظاهرات، ويستمر أصحاب القبعات الزرق بالسيطرة على مكبرات الصوت الموجودة في مبنى المطعم التركي، ويضيف الناشط: النهار لنا والليل لهم، حيث يتجولون ليلًا بأجهزة الاتصال اللاسلكية قرب الخيم ويراقبون مجاميع المتظاهرين في ساحة التحرير، ولكن يستعيد المتظاهرون المناهضوت للحكومة الساحة بالكامل مع تزايد الأعداد في الصباح ولاسيّما حشود الطلبة والطالبات التي تعطينا زخمًا ودعمًا قويين جدًا، بحسب الناشط.

وتحدث أحد المعتصمين في شارع السعدون عن محاولات يقوم بها أصحاب القبعات الزرق لشراء خيمة من خلال عرض مبلغ كبير مع تهديد ضمني لصاحبها، ولكن يرفض أصحاب الخيم البيع، ويضيف: بالطبع لا يقولون إنهم صدريون أو أصحاب القيعات الزرق لكننا معتصمون في الساحة منذ أشهر، وأحدنا يعرف الآخر جيدًا.

لكن الأوضاع في ساحة التربية بمدينة كربلاء أسوأ مما هي عليه ببغداد؛ حيث يقول أحد المعتصمينمن كربلاءإن أصحاب القبعات الزرق يسيطرون على ساحة التربية بشكل كامل، حيث يجرون عمليات التحقيق والتفتيش، ويقومون بضرب من يخالفهم بشدة، ويسيطرون على الهتافات ويمنعون أي هتاف لا يرغبون فيه، ويحظرون التصوير على غيرهم، ويشير المعتصم الذي فضل عدم ذكر اسمه إلى أنهم قد خلعوا القبعات الزرق لكنهم لم يتوقفوا عن قمع المتظاهرين المناهضين للحكومة وسلب حقهم في التعبير عن الرأي.

في حين قال عدد من الطلبة المتظاهرين من النجف إن القوات الأمنية الحكومية تحاول منع الهتافات المعادية للصدر من خلال التهديد بالاعتقال بحجة أنها تفرق الاحتجاجات، وقامت بالفعل باعتقال عدد من الناشطين البارزين واخفتهم قسرًا بحجة تأمين الساحات وعدم إثارة الفتن بين المتظاهرين.

وفي قراءة للشهادات والإفادات والمقاطع المسجلة بشأن عمليات قمع المتظاهرين السلميين في العراق؛ نجد أن الجهات التي تقود عمليات القمع مجموعة من الميليشيات المدعومة من إيران وينضم إليهم قادة الأجهزة الأمنية الحاليون في العراق،وهذا ما أكده معهد واشنطن،الذي تحدث في أحد تقاريره عما اسماه"خلية قمع" تقود عمليات القمع ضد المتظاهرين العراقيين،والذي ذكر أن هذه الخلية تعملمن غرفتي عمليات، هما منزل آمن سري في الجادرية ومبنى لهيئة تابعة لقوات الحشد بالقرب من مستشفى إبن سينا وسط العاصمة، مؤكدًاأن ضباط اتصال إيرانيين قدموا المشورة بناءً على خبرتهم في محاربة النشطاء في إيران، بالإضافة إلى توفيرهم مواد استخبارية عن النشطاء والاتصالات الآمنة للقناصة، وفقًا لوكالات إعلامية دولية، بحسب التقرير.

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطعًا مسجلًا يظهر فيه عدد من المتظاهرين في ساحة الخلاني وسط بغداد، وهم يؤكدون عثورهم على جهاز لاسلكي تابع لقوات مكافحة الشغب وتوثيقهملرسائل متبادلة باللغة الفارسية بين العناصر التي كانت تمتلك هذه الأجهزة؛ الأمر الذي يعد دليلًا آخر على وجود قوات إيرانية بين القوات والميليشيات التي تقوم بعمليات قمع التظاهرات السلمية الجارية في العراق.

ونذكر في هذا التقرير أسماء القيادات الذين تم تحديد هوياتهم على أنهم متورطون في انتهاكات جسيمة في العراق، من جملتها عمليات القمع وجرائم القتل خارج القضاء للمتظاهرين السلميين المناهضين للحكومة، تنفيذًا لأوامر قياداتهم داخل البلد وخارجه، وسنقوم بذكر الأسماء لتثبيت المسؤولية الجنائية التي يتحملونها إضافة إلى وظائفهم، وهم كل من:

1-      قيس الخزعلي: زعيم ميليشيا العصائب.

2-      أبو زينب اللامي: (حسين فالح عبد العزيز اللامي) مدير جهاز الأمن في الحشد.

3-      أحمد الحمداوي: زعيم ميليشيا كتائب حزب الله في العراق.

4-      أبو فدك أو "الخـال": (عبد العزيز المحمداوي) أبرز قادة ميليشيا كتائب حزب الله.

5-      أبو باقر:مدير مديرية الأمن المركزي لمنطقة الرصافة ببغداد.

6-      حجي غالب: رئيس قسم التحقيقات في مديرية الأمن المركزي.

7-      أبو منتظر الحسيني(تحسين عبد مطر العبودي): قائد العمليات الأسبق في الحشد.

8-      أبو تراب(ثامر محمد اسماعيل): عضو في ميليشا بدر وقائد فرقة الرد السريع بوزارة الداخلية.

9-      حامد الجزائري: قائد سرايا طليعة الخراساني (اللواء 18 في قوات الحشد).

10-    أبو آلاء الولائي (هاشم بنيان السراجي): قائد ميليشيا كتائب سيد الشهداء (اللواء 14 في قوات الحشد).

11-    أبو إيمان الباهلي: رئيس مديرية الاستخبارات في قوات الحشد الشعبي، ومسؤول الارتباط مع مسؤولي الاستخبارات في الحرس الثوري الإيراني.

12-    شبل الزيدي: زعيم ميليشا كتائب الإمام علي.

13-    أكرم الكعبي: زعيم ميليشيا النجباء.

14-    كاظم خليف العيساوي: القائد العسكري لميليشياسرايا السلام.

إن الأسماء المذكورة أعلاه وإن تفرقت في أوصافها وعناوينها؛ إلا أنها تجتمع في ثلاث نقاط رئيسية؛ الأولى الولاء لطهران ولخامنئي تحديدًا، والثانية أنها تشارك بقوة في عمليات قمع الاحتجاجات الشعبية الجارية في العراق، أما الثالثة فهي ضمان تدفق المليارات من الأموال العراقية لإيران عبر إنشاء إمبراطوريات تجارية ومنظومة اقتصادية معقدة لتوظيفها في تمويل طهران واتباعها، ولاسيّما في ظل العقوبات الدولية المفروضة على الأخيرة منذ 2014.

 

قسم حقوق ا لإنسان

14/رجب/1441هـ

9/3/2020م