في حوارمع الأناضول.. مثنى الضاري: خروج الشعب العراقي بكل مكوناته للمطالبة بحقه في سياق وحدة وطنية تعبر عن فشل المشروع السياسي للاحتلال

في حوارمع الأناضول.. مثنى الضاري: خروج الشعب العراقي بكل مكوناته للمطالبة بحقه في سياق وحدة وطنية تعبر عن فشل المشروع السياسي للاحتلال

ليث الجنيدي
حذر مثنى حارث الضاري، مسؤول القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين بالعراق، من أن الحديث مؤخرًا عن إقامة إقليم سُني عراقي يستهدف الـتأثير سلبًا على الثورة الشعبية المستمرة منذ مطلع أكتوبر/ تشرين أول الماضي.

وأضاف الضاري، في مقابلة مع الأناضول بمكتبه في العاصمة الأردنية عمان، أن "الوضع الحالي في العراق، من وجهة نظري، ورغم كل ما يجري فيه من مآسٍ وآلام، هو أفضل بكثير مما سبق، منذ الاحتلال وحتى اللحظة، في الجانبين السياسي والوطني العام وعلى جوانب أخرى".

وتابع أن هذا الوضع "يشهد خروج الشعب العراقي بكل مكوناته للمطالبة بحقه في سياق وحدة وطنية تعبر بلسان الحال والمقال عن فشل المشروع السياسي للاحتلال منذ عام 2003".

ويطالب المحتجون برحيل ومحاسبة كل مكونات النخبة السياسية، الحاكمة منذ إسقاط نظام صدام حسين (1979: 2003)، والتي يتهمونها بالفساد وهدر أموال البلد الغني بالنفط.

وأردف: "يتحدث بعضهم عن أن الأوضاع في العراق متداخلة ومتشابكة، وفيها قوى كثيرة متحكمة في الساحة الداخلية والخارجية، دولية وإقليمية، وقوات احتلال أمريكي، إيراني، مليشيا حشد (شعبي)، أحزاب وقوى سياسية، وأمور أخرى".

واستطرد: "كل هذه الأمور موجودة منذ ساعة الاحتلال مع اختلاف المسميات، فقد احتل الأمريكان العراق (2003)، وساعدهم الإيرانيون على ذلك منذ البداية، ثم عمليًا أصبح الإيرانيون على الأرض هم المحتل الرئيس، والحشد هو نفسه الميليشيات السابقة، التي ما زالت تكون بنية ما يسمى بالجيش الحكومي والمؤسسات الأمنية، فضلًا عن ما يسمى الحشد الشعبي".

وزاد بأنه: "من هنا كانت رؤية القوى الوطنية المناهضة، منذ الساعة الأولى للاحتلال، أنه لا بد من حل شامل كامل ناجز يعالج كل هذه القضايا، وبإشراف دولي بعيدًا عن التأثيرات الإقليمية والدولية".

ومضى قائلًا إن "الرؤية كما هي الآن، فالقوى المناهضة للعملية السياسية، ممثلة الآن في الميثاق الوطني العراقي، تطرح الرؤية عينها، وهي أن الحل ينبغي أن يكون كاملًا، لا حلًا جزئيًا لكل ملف على حدة".

ورأى أنه "إذا حُل كل ملف على حدة؛ فإنه سيُحل وفق رؤى خاصة تراعي مصالح هذا الطرف أو تلك الجهة التي تم الحل معها، وبالتأكيد هذا سيتعارض مع مصالح قوى أخرى، وسنقع في صراع لا نهاية كما هو حاصل الآن".

وأكد أنه "لا بد إذن من حل كامل شامل، يراعي كل هذا، ويقفز على ما يجري في الساحة، وعدم مراعاة ما تريده القوى الموجودة في الساحة المراعاة الكاملة كما كانت تُراعى سابقًا".

واستطرد: "الدليل على ذلك أن الشعب العراقي الآن هو (الذي) يقول هذا، ففي السابق كنا نقول هذه قوى مناهضة للاحتلال، فيقال لنا أنتم جزء من الشعب العراقي لا الشعب كله، الآن الشعب كله هو الذي يطالب بهذا الحل الكامل والشامل".

تغيير ديموغرافي:

قال الضاري إن "محاولات إحداث تغيير ديموغرافي في العراق ليست جديدة، وهي مستمرة منذ ساعة وقوع الاحتلال، وازدادت بعد 2006 والفتنة الكبيرة التي أحدثها الاحتلال الأمريكي، بالتعاون مع الاحتلال الإيراني في (مدينة) سامراء في وقتها".

ويشير الضاري بذلك إلى اشتعال فتنة طائفية دموية بين السُنة والشيعة، في ذلك العام؛ إثر تفجير إرهابيين ضريح الإمامين الشيعيين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء.

وأضاف: "هناك سعي محموم من قوى سياسية لإحداث تغييرات (ديموغرافية) ما في عدد من محافظات العراق، وهذا الأمر حصل لكن بقدر جزئي حتى اللحظة، وأستطيع أن أقول إنه رغم كل المخاطر، لم يتحقق التغيير الديموغرافي الكبير الذي كانوا يريدونه".

واستدرك: "ولكن لا يعني أنه (التغيير) لن يتحقق بفعل ظروف أخرى (...) فالسعي لهذا الموضوع حاصل، ولكنه متأثر إلى حد بعيد بمخرجات هذه الأزمة في العراق، وكيف ستنتهي".

وفيما يتعلق بالنزوح الداخلي، قال إنها "مشكلة مستمرة، وقد يكون أحيانًا ليس لأسباب سياسية أو طائفية أو قومية عنصرية، وإنما لأسباب أخرى، كالصراع على المصالح بين قوى من نفس المكون، كما يجري في حالات كثيرة بالعراق".

واستطرد: "هذه الحالة لن تنتهي، لذلك أعود للتأكيد على أن الحل الكامل سيلبي طموح العراقيين في إنهاء هذه المشكلة، أما الحلول الجزئية، فستبقي على المشاكل، والعراق مليء بالمشكلات على كل المستويات، فمشكلات العراق، التي جاءت بسبب الاحتلال، لم توفر (لم تستثن) أحدًا من العراقيين، لا بسبب دينه ولا عرقه ولا مذهبه ولا توجهه السياسي".

القوات الأمريكية:

أثيرت في العراق مسألة وجود القوات الأمريكية، ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش" الإرهابي، بعد اغتيال قائد "فيلق القدس" الإيراني، قاسم سليماني، في غارة جوية أمريكية ببغداد، في 3 يناير/ كانون ثاني الماضي.

واعتبر الضاري أن "الخلاف بين أطراف العملية السياسية بشأن وجود القوات الأمريكية في العراق وما أثير عنه، هو من وجهة نظري غير مؤثر على حقيقة هذا الوجود، فالأمر أكبر من هذا".

وتابع: "فهناك صراع أمريكي إيراني معروف في المنطقة، وفي العراق تحديدًا، وهذا الصراع خاضع لموازين القوى هنا وهناك، وقد اعتدنا من النظام السياسي القائم بعد الاحتلال أنه لا يقيم وزنًا لا لآراء الشعب ولا لآراء ما تسمى بالقوى السياسية التي جاءت مع الاحتلال أو تعاونت معه".

وزاد بقوله: "ما جرى ويجري هي محاولات لإيصال رسائل سياسية من الطرف الإيراني إلى الأمريكي من خلال ما يسمى مجلس النواب (العراقي)، ومن حضر جلسة التصويت على ذلك (لصالح خروج القوات الأمريكية) هم حلفاء إيران في العراق، من هذا المكون أو ذاك".

وأردف: "من يسمون ممثلي السُنة في مجلس النواب لا يعبرون حقيقة عن وجهة نظر السنُة بالعراق، وعدم مشاركتهم المزعومة في جلسة التصويت على خروج قوات الاحتلال الأمريكي أمر مشكوك فيه، فمن حضر ووقع منهم هم 3، ولكنهم يمثلون ثلاث قوى سياسية، ومن وقع فعلًا بنفسه أو بالواسطة والتوكيل هم 11 نائبًا".

ورأى أن "النتيجة (هي) أن المطالبات بخروج القوات الأمريكية أو خروج القوات الإيرانية أو حسم موضوع السلاح ونزعه من الميليشيات، هي كلها مطالبات لأهداف سياسية ومقتضيات صراع دولي وإقليمي في العراق".

وشدد على أن "الحل هو خروج جميع قوات الاحتلال، بكل أشكالها وألوانها، في سياق حل كامل وشامل وخطة دولية تراعي مصالح العراق والعراقيين أولًا"

سيطرة المليشيات:

بسؤاله عن تأثير سيطرة فصائل "الحشد الشعبي" (الشيعة) على مناطق سُنية في إيجاد حساسيات مذهبية، قال الضاري: "نعم هو خلق وليس سيخلق، هو منذ البداية يخلق هذه الأمور حتى قبل السيطرة على هذه المناطق".

وأوضح أن "القوات التي تسيطر على هذه المناطق على قسمين، الأول ما يسمى بالجيش الحكومي، وهذا نواته الأساسية هي مليشيات القوى السياسية الست التي جاءت مع الاحتلال، فهو مبني على أساس ميليشياوي".

وتابع: "ثم بعد إنشاء ما يسمى الحشد الشعبي بدأ بعضهم يقول: إن هناك ميليشيا ذات أبعاد وأهداف طائفية، وهي الحشد الشعبي، وهناك جيش حكومي وطني، وأنا أقول كلا الجهتين تخضعان لنظام سياسي طائفي بامتياز".

وزاد بقوله إن "هذه المليشيات تسيطر الآن على كثير من المناطق في شمال وشرق وغرب وجنوب بغداد، وتذيق الناس أهوالًا كثيرة ومخاطر كبيرة، بل تشاركهم في معاشهم ورزقهم".

العلاقة الأمريكية الإيرانية:

ردًا على ما يقال عن وجود تقارب أمريكي إيراني، وأن ما يجري بينهما من تصعيد هو للتضليل على هذه العلاقة، أجاب الضاري: "أنا أنظر إلى الموضوع من زاوية ثالثة، فالأمر هو بين هذا وذاك، فليست هناك حالة عداء مستمر ولا توافق مستمر".

وأضاف: "والاختلاف العقدي المبدئي الفكري قائم أساسًا بين المنظومتين الغربية والشرقية، ولكن الغربي علمنا دائمًا أنه يستفيد من الاختلافات الداخلية في منظوماتنا الفكرية وفي بلداننا ومناطقنا وتوظيفها لمصالحه الخاصة".

وتابع: "لذلك تجده في توافق كبير جدًا مع الأنظمة الإيرانية بشكل أو آخر؛ لأنها تلبي مصالحه، فإيران في وسط العالم الإسلامي هي أقلية في مقابل غالبية العالم الإسلامي، واستخدمها كمخلب، لإحداث المشاكل في دول العالم الإسلامي والدول العربية تحديدًا، مستمر لتحقيق أهداف سياسية وغيرها، ولعل من أبرزها هو التطبيع مع الكيان الصهيوني (إسرائيل)".

وأردف: "إذن المصالح مستمرة، ولكن يحدث أحيانًا نوع من الاختلاف في حساب نسبة الفوائد العائدة على الطرفين في اشتراكهما في حادث ما أو غزو ما أو احتلال ما، كما حدث في اشتراكهما في غزو أفغانستان (2001) ثم غزو العراق (2003)، ومحاولة أحد الأطراف الهيمنة على كل المكاسب والمصالح كما يحصل في حالة إيران وهيمنتها على العراق الآن، واتخاذه ساحة حرب وجسرًا للوصول إلى تحقيق مشاريع أخرى بمناطق أخرى قد تهدد مصالح الطرف الآخر، كما حصل لإيران في سوريا ولبنان واليمن".

ورأى أن "الخلاصة أنه ليست هناك حالة عداء مستمر ولا توافق مستمر، وإنما اختلاف وصراع على المصالح. لذلك نرى أن الخلافات قد تشتد أحيانًا في زمن رئيس ما أو إدارة ما ثم تنخفض في زمن أخرى".

إقليم سُني:

حول ما أثير مؤخراً عن إقامة إقليم سني عراقي، على غرار إقليم كردستان في شمال العراق، قال الضاري إن هذا الطرح "ليس جديدًا على الهيئة، ورأي الهيئة معروف منذ زمن طويل، عندما كنا لوحدنا في الساحة نرفض هذا الإقليم، حيث كنا نقول بكل صراحة بأنه سيشكل خطرًا كبيرًا لا على العراق فقط، وإنما على من يطالبون به؛ لأنهم لا يعون تمامًا مخاطر ما يطالبون به".

ومضى قائلًا: "الآن أظن أن الواقع اختلف، فغالبية الشعب العراقي، وفي مقدمتهم كثير من السُنة، وأقولها وبكل صراحة، بل غالب السنة الآن ليسوا مع هذا الخيار، الذي قد يداعب أحلام بعضهم بسبب المعاناة التي يعيشها أبناء المحافظات المنتفضة في مخيمات النزوح والهجرة (...) حلم لأنه لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع، ولن يُسمح بتحقيقه".

"وتابع: ليس في وارد النظام الدولي ولا الإقليمي إعطاء المجال لأقاليم أو لدول يتهمونها بما يسمى الإرهاب، وهذه نقطة مهمة وأساسية جدًا، فضلاً عن ذلك فهم لا يريدون لهذه المنطقة أن تهدأ وتستريح، فهم بحاجة لبقاء حالة الغليان المستمر تحقيقًا للأهداف التي ذكرناها، ومن أبرزها موضوع القضية الفلسطينية".

واعتبر أن "الحديث عنها (الأقاليم) مؤخرًا هو ليس حديثًا سُنيًا وليس حديثًا عامًا وشاملًا، وإنما هي أفكار بُثت في بعض الجلسات السياسية المغلقة هنا وهناك للتأثير (سلبًا) على مجريات ثورة تشرين (أول/أكتوبر)".

ورأى أن "هذه مقتضيات ومتطلبات إيرانية من هؤلاء لإظهار السنة الآن وكأنهم يعيشون في وادٍ آخر، وكأنهم يقولون، بل هم كذلك فعلًا، انظروا إلى السُنة يطالبون بإقليم والعراق منتفض ضد النظام السياسي بالكامل".

وختم الضاري بأنها "محاولة للتعكير على مجريات ثورة تشرين، ولكنها لم تنجح والحمد لله، فالخطاب العام الآن في العراق هو خطاب وطني وحدوي يرفض هذه الدعوات بالمطلق".

الهيئة نت + الأناضول