المستثمرون والمتخاذلون والحق الضائع بينهما د. مثنى عبد الله

المستثمرون والمتخاذلون والحق الضائع بينهما 

بقلم: د. مثنى عبدالله

بعد طول انتظار وترقب وتسريبات، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الثلاثاء الماضي 28 يناير/ كانون الثاني من العام الجاري، عن رؤيته في ما يخص الصراع العربي ـ الإسرائيلي، في خطة أطلق عليها «صفقة القرن».
وقد تضمنت هذه الرؤية، أو الخطة نقاطا أساسية منها، أن القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل، في حين ستكون العاصمة المستقبلية للفلسطينيين قرية أبو ديس، أو شعفاط. وأن كل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، سيتم ضمها لإسرائيل. كما سيُطلب من الفلسطينيين الاعتراف بالدولة الإسرائيلية كدولة دينية خاصة باليهود، يقابله اعتراف إسرائيلي بالدولة الفلسطينية كدولة للشعب الفلسطيني، التي سيتم لصق أجزائها بعضها ببعض على أرض الواقع، بجسور وأنفاق وطرق، كلها تمر فوق وتحت أراضي الدولة الإسرائيلية، شرط أن تكون منزوعة السلاح، حتى الاتصال البري مع العالم العربي جعلته الخطة المطروحة اليوم مُحرّما، حيث لا حدود لفلسطين حتى مع الأردن ومصر، السؤال هو ما الذي قاد إلى هذا المآل؟

لم تكن القضية الفلسطينية يوما قضية هامشية في الواقع العربي أو الدولي، كانت سطوتها في القلوب والعقول لا تضاهيها سطوة أخرى. كانت هي القضية المركزية الأولى في العقل العربي، وكذلك أهميتها في الفكر الإنساني، على اعتبار أنها أساس السلم أو الحرب في منطقة الشرق الأوسط، لكن التآكل الذي أصاب النظام الدولي والنظام العربي، واستفحال الأزمات في المنطقة والعالم، أديا إلى إزاحتها عن الصدارة إلى مراتب أقل. فعلى الصعيد الدولي برزت ظاهرة ما يسمى التطرف، التي اتخذتها القوة الأعظم في العالم على أنها القياس الوحيد لفرز من هو ضدهم ومن هو معهم، وبالتالي كي نكسب الرضا الدولي علينا الموافقة على ما يقبلون ورفض ما يرفضون، ما أدى إلى المشاركة الفاعلة من بعض الدول العربية، أو الوقوف موقف المتفرج، لأخرى، من غزو واحتلال العراق، الذي نزع أهم ورقة دعم فاعل من أوراق القضية الفلسطينية.

كما برز الصراع على حدود النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران، وتطورات الاوضاع في دول الربيع العربي، والحرب في سوريا، وغيرها من القضايا الدولية التي باتت أكثر الحاحا واهتماما في الاجندات الدولية. وعلى الرغم من ذلك، ولكون القضية الفلسطينية قضية عربية بالدرجة الأولى، فإن الضرر الأكبر الذي أصابها كان من الجانب العربي بالتحديد، فقد استثمر الحاكم العربي كثيرا فيها، وبنى النظام الرسمي العربي ديمومة استمراره على شرعية تبني القضية الفلسطينية. وعندما اكتشفوا أن إرضاء الولايات المتحدة، هو الطريق الوحيد الذي يضمن سلامة عروشهم، وأن كسب قلب البيت الأبيض لا يأتي إلا من خلال مغازلة إسرائيل، والتنازل عن الحق العربي في فلسطين، فقد اتخذوا هذا المنحى وباتوا يُثقفون الناس، على أن الخطر الداهم على الأمة ليس مصدره إسرائيل، وأن القضية الفلسطينية لا حل لها، وأن إسرائيل أمر واقع، لذلك وجدنا مصر التي ارتبط تاريخها الحديث بالقضية الفلسطينية، تتحول إلى مجرد وسيط أمني بين المخابرات الإسرائيلية والفلسطينية، وقناة تواصل بين الطرفين، لتبيان الخطوط الحمر لكل طرف، وتحاصر غزة وتمنع الغذاء والدواء عن شعبنا الفلسطيني.

كما أن الرئيس المصري الحالي هو أول من كشف عن «صفقة القرن» في إبريل/نيسان 2017 بعد لقائه دونالد ترامب، وأعلن حينها أنه يدعم وبكل قوة الصفقة. أما الدول العربية الأخرى، خاصة دول الخليج العربي، التي بات تأثيرها واضحا في الواقع العربي، بسبب غياب عواصم القرار العربي عن المشهد، فقد اتخذت طريقا يُشجع الرأي العام في دولها على الخروج عن التعاطف التقليدي مع القضية الفلسطينية، من خلال السماح لأجهزة الإعلام والصحافة بالتواصل مع الإعلام والشخصيات الاسرائيلية. كما ابتعدت عن تجريم الزيارات المتبادلة للمواطنين من وإلى إسرائيل، وبات العديد من الزعماء الإسرائيليين يتجولون في عواصمها، ويُستقبلون رسميا على أعلى المستويات، ويُعزف النشيد الوطني الإسرائيلي فيها. وإذا كان هنالك من دعم مادي نزير يُقدّم إلى الفلسطينيين من هذه الدول، وبيانات رسمية حذرة وخجولة من الذهاب بعيدا في تأييد التطبيع، مع إسرائيل، فإن كل ذلك مرده إلى قناعة هؤلاء بأن الذهاب بعيدا في هذا المنحى ذو كلف سياسية عالية، وليس حبا بالقضية الفلسطينية. فكيف يستقيم تثمين المملكة العربية السعودية لجهود ترامب بشأن القضية الفلسطينية، في ردهم على صفقة القرن، وبين الاتصال بالرئاسة الفلسطينية لتأكيد موقفهم الثابت بشأن القضية؟

أما الدور الإقليمي والدولي، الذي تمثله كل من تركيا وإيران وأوروبا، فقد كانت القضية الفلسطينية عنصر استثمار كبير لخدمة مخططاتهم ومشاريعهم السياسية في الوطن العربي. تذكروا حادثة السفينة التركية (مرمرة) التي ذهبت لكسر الحصار عن غزة، وتعرضت لهجوم من قبل سلاح البحرية الإسرائيلية في 31 مايو/ أيار عام 2010. فقد كانت منصة عالية جدا لطرح مشروع تركيا الاقليمي في المنطقة. كما كانت القضية الفلسطينية حاضرة دوما في الأجندة الإيرانية، وفي السياسات الخبيثة التي رسمتها في العديد من الدول العربية. فقد ارتبطت مشاريعها التي دمرت العراق ولبنان وسوريا واليمن كلها، بما يسمى بالطريق الإيراني الواصل إلى تحرير القدس، كما يزعمون، ومشروع المقاومة الذي يدّعون. أما أوروبا فقد تخلت عن القضية الفلسطينية، بعد أن رأت أن المعنيين بها تخلوا عن أدوارهم في الدفاع عنها، وذهاب القيادات الفلسطينية للتفاوض على حلول سلمية مع الجانب الإسرائيلي، فلم تعد القضية منصة لرفع شعارات حقوق الإنسان التي ينادون بها.

واليوم يضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصفية القضية الفلسطينية، كأبرز عامل لاستدرار مزيد من الدعم له من قبل قاعدته الانتخابية من المسيحيين الإنجيليين. كما أنه يضعها أيضا كعامل حاسم في الحملة الانتخابية لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، حيث سيقول إنه أول رئيس وزراء إسرائيلي نجح في إجبار الولايات المتحدة على تقديم تنازلات ودعم كبيرين لم يسبقه إليهما أحد من قبل، كما سيدعي أنه زعيم لديه مقبولية وإجماع دوليان بهما رسم حدود إسرائيل المستقبلية.

إن المطلوب اليوم من السلطة الفلسطينية القائمة، التوقيع بالموافقة على حالة اللادولة، واللاقدس كعاصمة، واللاعودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. إذن ما هي الخيارات المفتوحة أمامها؟ يقينا أن الخيار الوحيد الذي بات مطلوبا اليوم هو أن تقوم السلطة الوطنية الفلسطينية بحل نفسها، فقد أصبحت منذ الجنوح إلى خيار المفاوضات مع الاسرائيليين كطريق لا رجعة عنه، مجرد أداة استخدمها الاحتلال الاسرائيلي في فرض سياسة الأمر الواقع على شعبنا، حتى تقلصت اتفاقيات أوسلو، إلى مجرد تنسيق أمني بين السلطة الفلسطينية وسلطات الاحتلال لا غير.

السؤال الأخير هو أين الجغرافية الفلسطينية في بنود صفقة القرن اليوم؟ الجواب لم يعد لها وجود إطلاقا في ظل إلغاء القدس عاصمة لفلسطين، وفي ظل قرار المستوطنات الاسرائيلية جزء من الجغرافية الاسرائيلية.

كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية