أما آن لهذا الرجل أن يتخلى عن اللعبة المزدوجة؟ د. مثنى عبد الله

  • مقالات
  • 373 قراءة
  • 0 تعليق
  • الأربعاء 29-01-2020 02:32 مساء

أما‭ ‬آن‭ ‬لهذا‭ ‬الرجل‭ ‬أن‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬اللعبة‭ ‬المزدوجة؟

بقلم: د. مثنى عبدالله

أي‭ ‬مراقب‭ ‬للمشهد‭ ‬العراقي‭ ‬يجد‭ ‬وبوضوح‭ ‬أن‭ ‬الممارسة‭ ‬السياسية،‭ ‬التي‭ ‬يضع‭ ‬رجل‭ ‬الدين‭ ‬العراقي‭ ‬السيد‭ ‬مقتدى‭ ‬الصدر‭ ‬ملامحها‭ ‬للتيار‭ ‬الذي‭ ‬يتزعمه،‭ ‬دائما‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬مساحة‭ ‬الحركة‭ ‬المخصصة‭ ‬لها‭ ‬هي‭ ‬المنطقة‭ ‬الرمادية‭. ‬وهذا‭ ‬خلل‭ ‬كبير‭ ‬لمن‭ ‬يخوض‭ ‬غمار‭ ‬العمل‭ ‬السياسي،‭ ‬لأنه‭ ‬شأن‭ ‬عام‭ ‬يمس‭ ‬مصالح‭ ‬الناس‭ ‬والوطن‭. ‬
وهذه‭ ‬الانكسارات‭ ‬الحادة‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬هذا‭ ‬الفصيل‭ ‬السياسي‭ – ‬اللعب‭ ‬ساعة‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬العملية‭ ‬السياسية،‭ ‬وساعة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬ملعب‭ ‬الجماهير‭ ‬ـ‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬الانتهازية‭ ‬السياسية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التواجد‭ ‬الفاعل‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬السياسي،‭ ‬بأغلبية‭ ‬برلمانية‭ ‬ووزراء‭ ‬ومسؤولين‭ ‬في‭ ‬الحكومة،‭ ‬ومشاركة‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬القرار،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬بين‭ ‬الجماهير‭ ‬والطبقات‭ ‬المسحوقة‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التقاطع‭ ‬الحاد‭ ‬بين‭ ‬الشعب‭ ‬والسلطة،‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬عديدة‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬المنهج‭ ‬والفكر‭ ‬والوسائل‭ ‬التي‭ ‬يعتمدها‭ ‬الرجل‭ ‬لتحقيق‭ ‬رؤاه‭ ‬السياسية‭. ‬ولو‭ ‬عدنا‭ ‬قليلا‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬لاستعراض‭ ‬مواقفه‭ ‬لرأينا‭ ‬تجارب‭ ‬كثيرة‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬آخرها‭ ‬دعوته‭ ‬إلى‭ ‬المظاهرة‭ ‬المليونية،‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬الماضية،‭ ‬ثم‭ ‬إعلانه‭ ‬تخليه‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬الدعم‭ ‬للمتظاهرين‭ ‬السلميين‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬بغداد‭ ‬والمحافظات‭ ‬العراقية‭ ‬الأخرى‭. ‬
لخص‭ ‬السيد‭ ‬مقتدى‭ ‬الصدر‭ ‬دوافع‭ ‬التظاهرة‭ ‬المليونية‭ ‬التي‭ ‬دعا‭ ‬إليها،‭ ‬بما‭ ‬سماه‭ (‬مباردة‭ ‬لحفظ‭ ‬سيادة‭ ‬العراق‭). ‬وقد‭ ‬تضمنت‭ ‬جدولة‭ ‬خروج‭ ‬القوات‭ ‬الأجنبية‭ ‬من‭ ‬العراق،‭ ‬ودمج‭ ‬الحشد‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬الوزارات‭ ‬الأمنية‭. ‬لكننا‭ ‬لم‭ ‬نجد‭ ‬أي‭ ‬إشارة‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬موضوع‭ ‬النفوذ‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتساوق‭ ‬مع‭ ‬جدولة‭ ‬خروج‭ ‬القوات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬لأن‭ ‬إيران‭ ‬ليست‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬التحالف‭ ‬الدولي‭ ‬ضد‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬الدولة‮»‬،‭ ‬وبالتالي‭ ‬ليست‭ ‬لديها‭ ‬قوات‭ ‬رسمية‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬لكنْ‭ ‬لديها‭ ‬نفوذ‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الآخرين،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاحزاب‭ ‬والميليشيات‭ ‬التي‭ ‬تقود‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬
كما‭ ‬أنه‭ ‬دعا‭ ‬كل‭ ‬فصائل‭ ‬الحشد‭ ‬الشعبي‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬التظاهرة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنها‭ ‬متهمة‭ ‬بالتعرض‭ ‬للمتظاهرين‭ ‬السلميين،‭ ‬وقتل‭ ‬وجرح‭ ‬وتغييب‭ ‬الكثير‭ ‬منهم،‭ ‬ولأن‭ ‬التظاهرة‭ ‬المليونية‭ ‬التي‭ ‬دعا‭ ‬لها،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬بجهد‭ ‬الدولة‭ ‬المادي‭ ‬والمعنوي،‭ ‬قد‭ ‬حاولت‭ ‬تشتيت‭ ‬مطالب‭ ‬المحتجين‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬الاعتصام‭. ‬ومنحت‭ ‬السلطات‭ ‬الحكومية‭ ‬متنفسا‭ ‬من‭ ‬ضغط‭ ‬الشارع‭. ‬كما‭ ‬أرادت‭ ‬استرجاع‭ ‬صناعة‭ ‬القرار‭ ‬من‭ ‬يده‭ ‬وإعادته‭ ‬إلى‭ ‬زعماء‭ ‬الميليشيات‭ ‬والاحزاب‭ ‬والكتل‭ ‬السياسية‭. ‬وهذه‭ ‬كلها‭ ‬منسجمة‭ ‬مع‭ ‬المصلحة‭ ‬الإيرانية‭. ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬يحاول‭ ‬تقديم‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬صانع‭ ‬القرار‭ ‬الإيراني،‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬وضع‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬الأزمة‭ ‬السياسية‭ ‬الحالية،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬التوابع‭ ‬باتوا‭ ‬في‭ ‬مأزق‭ ‬سياسي‭ ‬كبير،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ثار‭ ‬عليهم‭ ‬نسيجهم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والطائفي‭. ‬
إن‭ ‬القراءة‭ ‬المنصفة‭ ‬لطبيعة‭ ‬الحركة‭ ‬السياسية‭ ‬للتيار‭ ‬السياسي‭ ‬الصدري،‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬محورا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬وخارجها‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬معا‭. ‬وهي‭ ‬محاولة‭ ‬مكشوفة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬وجوه‭ ‬متعددة،‭ ‬يستطيع‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬طرح‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬مقبول‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الأطراف،‭ ‬ومهيأ‭ ‬للعب‭ ‬دور‭ ‬لا‭ ‬يتقاطع‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬الرؤى‭ ‬فيها‭ ‬متقاطعة‭ ‬ومتناقضة‭ ‬تماما‭. ‬وهذا‭ ‬الفعل‭ ‬ليس‭ ‬محكوما‭ ‬دائما‭ ‬بمقتضيات‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬التناقضات‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬السياسي‭. ‬فكيف‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬بأنه‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬الحراك‭ ‬الشعبي‭ ‬ويحميه،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬ينظم‭ ‬تظاهرة‭ ‬من‭ ‬أحزاب‭ ‬السلطة،‭ ‬كل‭ ‬المؤشرات‭ ‬فيها‭ ‬تبين‭ ‬أنه‭ ‬يحاول‭ ‬إرضاء‭ ‬طهران؟‭ ‬فهنا‭ ‬هو‭ ‬يحاول‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬واشنطن‭ ‬لسحب‭ ‬قواتها‭ ‬من‭ ‬العراق،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬هي‭ ‬محاولة‭ ‬للتغطية‭ ‬على‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬المناهضة‭ ‬للحكومة‭. ‬
وفي‭ ‬موقف‭ ‬آخر،‭ ‬هل‭ ‬يستقيم‭ ‬أن‭ ‬نجده‭ ‬ممثلا‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬بأكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬النواب،‭ ‬ولديه‭ ‬مشاركة‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬المجالس‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬المحافظات،‭ ‬وهذه‭ ‬كلها‭ ‬توفر‭ ‬له‭ ‬دعما‭ ‬ماديا‭ ‬ومعنويا‭ ‬كبيرين،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يدعي‭ ‬أنه‭ ‬ضد‭ ‬العملية‭ ‬السياسية،‭ ‬وأن‭ ‬مشاركته‭ ‬فيها‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬المقاومة‭ ‬الوطنية؟‭ ‬أليس‭ ‬هو‭ ‬الداعي‭ ‬الدائم‭ ‬للإصلاح،‭ ‬وينتقد‭ ‬ويهاجم‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬الذين‭ ‬تتوجه‭ ‬سهامه‭ ‬إليهم‭ ‬هو‭ ‬يجلس‭ ‬إلى‭ ‬جوارهم‭ ‬في‭ ‬المركب‭ ‬نفسه،‭ ‬ويشاركهم‭ ‬السلطة‭ ‬والمناصب؟‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬العملية‭ ‬السياسية،‭ ‬ومشارك‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬فيها‭ ‬شاء‭ ‬أم‭ ‬أبى‭. ‬فهل‭ ‬هي‭ ‬أمية‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬السياسي،‭ ‬وعدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تلمس‭ ‬الاتجاه‭ ‬الصحيح‭ ‬في‭ ‬الفعل؟‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬محاولة‭ ‬للاستثمار‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المجالات‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬مكاسب‭ ‬سياسية؟‭ ‬هنالك‭ ‬حقا‭ ‬إشكالية‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬السياسي‭. ‬وما‭ ‬مبادرته‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬التظاهرة‭ ‬المليونية‭ ‬إلا‭ ‬دليل‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬هوس‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬الزعيم‭ ‬الشعبوي‭ ‬الإصلاحي،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬المقاوم‭ ‬الراديكالي،‭ ‬كي‭ ‬يجد‭ ‬له‭ ‬مقعدا‭ ‬في‭ ‬الأجندة‭ ‬الإيرانية‭. ‬فصانع‭ ‬القرار‭ ‬الإيراني‭ ‬اليوم‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬جماهيرية‭ ‬الصدر،‭ ‬لقد‭ ‬أهملوه‭ ‬كثيرا‭ ‬ولفترة‭ ‬طويلة‭ ‬وحان‭ ‬الوقت‭ ‬للاستثمار‭ ‬فيه‭ ‬وجعله‭ ‬قوتهم‭ ‬الناعمة‭.‬
إن‭ ‬الاختلاف‭ ‬مع‭ ‬السيد‭ ‬مقتدى‭ ‬الصدر،‭ ‬وتوجيه‭ ‬النقد‭ ‬إلى‭ ‬حركته‭ ‬السياسية،‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬التنبيه‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬بوصلته‭ ‬الوطنية‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الآخرين،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬طهران‭. ‬فكما‭ ‬لهذه‭ ‬مصالحها‭ ‬القومية،‭ ‬فهو‭ ‬الآخر‭ ‬لبلده‭ ‬مصالح‭ ‬قومية‭ ‬أيضا‭. ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬العامل‭ ‬المرجعي‭ ‬الديني‭ ‬أحد‭ ‬العناصر‭ ‬الضاغطة‭ ‬والفاعلة‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬مواقفه،‭ ‬وصنع‭ ‬هذه‭ ‬الذبذبة‭ ‬التي‭ ‬نراها‭ ‬في‭ ‬مواقفه‭. ‬لكن‭ ‬بما‭ ‬أنه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أحد‭ ‬المتصدين‭ ‬للقضية‭ ‬الوطنية،‭ ‬فعليه‭ ‬توفير‭ ‬الأسس‭ ‬الصحيحة‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬الوطني‭. ‬وبعكسه‭ ‬سيكون‭ ‬عرضة‭ ‬للتشويه‭ ‬والظن‭ ‬السيئ‭ ‬بما‭ ‬يقول‭ ‬ويفعل‭. ‬لذلك‭ ‬وجدنا‭ ‬البعض‭ ‬قد‭ ‬علل‭ ‬هجوم‭ ‬القوات‭ ‬الحكومية‭ ‬على‭ ‬ساحات‭ ‬التظاهر‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬والمحافظات،‭ ‬غداة‭ ‬إعلانه‭ ‬تخليه‭ ‬عن‭ ‬دعم‭ ‬المتظاهرين،‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬اتفاق‭ ‬سياسي‭ ‬معه‭ ‬وإعطاء‭ ‬ضوء‭ ‬أخضر‭ ‬من‭ ‬قبله‭ ‬للسلطات،‭ ‬وهذه‭ ‬خسارة‭ ‬سياسية‭ ‬كبيرة‭ ‬ذات‭ ‬كلف‭ ‬مستقبلية‭.‬
إن‭ ‬التيار‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يقوده‭ ‬السيد‭ ‬مقتدى‭ ‬الصدر‭ ‬تيار‭ ‬شعبي‭ ‬كبير،‭ ‬وهو‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تحشيده‭ ‬والدفع‭ ‬به‭ ‬لتحقيق‭ ‬رؤاه‭ ‬السياسية،‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬المنطقي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تحشيد‭ ‬وتجييش‭ ‬الجماهير‭ ‬ومخاطبتهم‭ ‬فقط‭ ‬لقضاء‭ ‬أعمال‭ ‬مرحلية‭ ‬وليست‭ ‬منهجية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬القائد‭ ‬الشعبوي‭ ‬قادر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الاحوال‭ ‬على‭ ‬مخاطبة‭ ‬الجمهور‭ ‬مباشرة‭ ‬ودغدغة‭ ‬عواطفهم‭ ‬والتملق‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬كسب‭ ‬ودهم،‭ ‬وأن‭ ‬ذلك‭ ‬سيجعلهم‭ ‬يعودون‭ ‬اليه‭ ‬هو‭ ‬اعتقاد‭ ‬خاطئ‭ ‬تماما‭. ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬كارثي‭ ‬حقا‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬الزعيم‭ ‬السياسي‭ ‬يمارس‭ ‬اللعبة‭ ‬المزدوجة‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬جماهيره‭. ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الاهمية‭ ‬القصوى‭ ‬للفاعل‭ ‬السياسي‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬موارد‭ ‬ذاتية‭ ‬يتغذى‭ ‬منها،‭ ‬كي‭ ‬يستطيع‭ ‬تقديم‭ ‬برامج‭ ‬رؤيوية‭ ‬حقيقية‭ ‬للمجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يدعي‭ ‬قيادته‭.‬
إن‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فاعلا‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬الانتفاضة‭ ‬العراقية،‭ ‬بل‭ ‬التحق‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬عناصره‭ ‬ومؤيديه‭ ‬وأنصاره‭ ‬فيها‭ ‬بصورة‭ ‬شخصية،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬وجدوها‭ ‬معبرا‭ ‬حقيقيا‭ ‬عن‭ ‬آمالهم‭ ‬وطموحاتهم‭ ‬وأحلامهم،‭ ‬لن‭ ‬تتأثر‭ ‬بإعلان‭ ‬زعيمهم‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬دعمها‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬عبر‭ ‬عنه‭ ‬الالتحاق‭ ‬الكثيف‭ ‬بساحات‭ ‬التظاهر‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭.‬

*كاتب‭ ‬عراقي‭ ‬وأستاذ‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية