بسبب الفساد وسوء الادارة .. عجز قياسي في موازنة العراق لعام 2020

يعاني الاقتصاد العراقي من تحديات كبيرة تتمثل في ارتفاع حجم المديونة، وتسديد مستحقاتها وفوائدها، وتفاقم نسبة العجز الذي وصل الى ارقام مخيفة نتيجة آفة الفساد المالي والإداري المستشرية في هذا البلد منذ ابتلائه بالاحتلال وسوء الإدارة الذي تسبب بهدر معظم الموارد والثروات وذهابها الى جيوب الفاسدين، وتهريبها الى الخارج في ظل غياب المحاسبة القانونية.

فقد توقع خبراء الاقتصاد أن يكون العام الحالي 2020 من أصعب الأعوام على حياة العراقيين الاقتصادية، حيث تضمنت هذه الموازنة فقرات جديدة ستساهم في زيادة النفقات بشكل كبير جراء الضغط الجماهيري والتظاهرات الاحتجاجية التي تعمّ أرجاء البلاد منذ أكثر من شهرين ونصف والتي يطالب المشاركون فيها بالغاء العملية السياسية الحالي برمتها وتوفير فرص العمل للعاطلين وتحسين الخدمات الاساسية المتردية، حيث تم إضافة تخصيصات مالية للتعيينات الجديدة، وإعادة المفصولين، وتخصيص مبالغ جديدة لتحسين الخدمات المختلفة، وكذلك تم تقليل الكثير من الرسوم والضرائب في محاولة من حكومة بغداد لامتصاص الغضب الجماهيري.

وبالرغم من اقتراب نهاية الشهر الأول من العام الحالي، الا انه لا يلوح في الأفق أي بوادر لتسليم الموازنة الجديدة إلى مجلس النواب الحالي، ورغم محاولة حكومة تصريف الأعمال برئاسة (عادل عبد المهدي) إيجاد مخرج قانوني لتقديم هذه الموازنة التي انتهت الحكومة صياغتها النهائية قبيل تقديم استقالة (عبد المهدي) بعدة أيام، الا ان مسؤولين في هذه الحكومة ومجلس النواب يؤكدون انه سيتم دفع المرتبات والنفقات العامة من خلال نظام الطوارئ كما ان البنك المركزي العراقي سيسترد قيمة ما أنفق من مجمل الموازنة بعد إقرارها.

ووفقاً لمصادر حكومية وصفت بالمطّلعة، فإن مجمل الموازنة التي أعدتها الحكومة تراوح بين (140 و 145) ترليون دينار عراقي ـ ما يعادل نحو (135) مليار دولار ـ وبعجز يصل الى  (40) ترليون دينار ـ نحو (32) مليار دولار ـ ، ما يترتب على ذلك إلغاء نفقات ومشاريع غير ضرورية.

وفي هذا السياق، أكد مسؤول في حكومة تصريف الأعمال ـ فضّل عدم نشر اسمه ـ إنه حتى إذا ما جرى ضغط النفقات وتعظيم الموارد وفرض رسوم وإلغاء مشاريع، ومع دخول قانون التقاعد الجديد حيز التنفيذ، فإن العجز لا يمكن أن يكون أقل من (40) ترليون دينار .. موضحا ان الموازنة العامة التي ما زالت  مسودتها لدى الحكومة الحالية منذ شهرين هي ناتج الواردات العامة للدولة التي تعتمد نحو (93%) منها على النفط .

وفي الوقت الذي اشار فيه المسؤول الحكومي الى ان عجز موازنة العام الجاري تعد أعلى عجز مالي يشهده العراق منذ عقود، عزا اسباب ذلك الى إغراق حكومة (عبد المهدي) بعشرات الآلاف من الوظائف الزائدة عن الحاجة التي أعلنتها بهدف امتصاص غضب الشارع المنتفض ومحاولة إخماد التظاهرات السلمية المتواصلة منذ مطلع تشرين الأول الماضي.

وبحسب المسؤول نفسه، فإن العديد من الوزارات الحالية ومنها  الكهرباء والنفط، والدفاع والداخلية، وما تسمى هيئة الحشد الشعبي تعيش حالة تضخم وظيفي غير مسبوقة، حيث شهدت هذه الوزارات إعادة نحو ربع مليون شخص من المفسوخة عقودهم خلال أقل من شهر .. لافتا الانتباه الى انه كان من الأفضل بناء مصانع جديدة أو إعادة تأهيل المصانع المتوقفة وزجّ الشباب العاطل عن العمل فيها، بدلا من حشرهم في وزارات تعاني أصلاً من فائض وظيفي.

الى ذلك، أشارت مصادر مطّلعة الى ان حكومة (عبد المهدي) أدخلت القوى المشاركة في العملية السياسية الحالية في مشكلة وحرج كبيرين، حيث انها إذا ألغت الوظائف ستواجه الشارع، وإذا تركتها فإن ذلك يعني اضافة مليارات الدولارات إلى الموازنة بدون مقابل إنتاجي .. لافتة الى ان هناك كتلاً سياسية لا تريد تمرير الموازنة الآن بسبب المشاكل الضخمة التي سببتها حكومة (عبد المهدي) قبل استقالتها.

ونسبت الانباء الصحفية الى (هيثم الجبوري) رئيس ما تسمى اللجنة المالية في مجلس النواب الحالي قوله: "إن قيمة العجز في موازنة العام الحالي قد تصل إلى (48) ترليون دينار، وليس (40) ترليوناً، كما يمكن تقليصها من خلال إلغاء العديد من الأبواب، ولكن الى الحد الذي يكون مقبولاً في دولة نفطية مثل العراق" .. واصفاً العجز بأنه واقعي ولا يمكن تمويله بأي طريقة، وفي حال تمرير الموازنة بهذا العجز دون البحث عن طريقة لمعالجته فانه يعد انتحارا اقتصاديا.

كما نقلت الانباء عن الخبير المالي (سعيد الحبوبي) قوله في تصريح مماثل: "إن الموازنة العامة الجديدة تحتاج إلى إعادة بناء وصياغة جديدةً، لانها أُعدت وكُتبت في اطار المجاملات السياسية بين رئيس الحكومة المستقيل (عادل عبد المهدي) من جهة وبين المسؤولين في إقليم كردستان العراق وعدد من المحافظات المنتفضة بهدف إسكات التظاهرات المستمرة، اضافة الى الوظائف الزائدة التي أثقلت كاهل الموازنة" .. متوقعا ان يواجه العراق سيناريو عجز غير مالي مسبوق، نظرا لوجود عشرات المليارات من الدولارات في ذمة العراق يجب تسديدها مع فوائدها الى تصل إلى أكثر من ملياري دولار في العام الواحد.

وأزاء ما تقدم، فان حكومة بغداد تقف الآن عاجزة عن معالجة المشاكل الكبيرة في الموازنة السنوية، وستضطر الى اتخاذ عدة اجراءات لمعالجة العجز غير المسبوق فيها، بينها اللجوء الى القروض الخارجية التي ستضيف عبئا آخر على  الموازنة التي سيبقى عجزها الكبير مستمرا الى نهاية العام الجاري.

وكالات + الهيئة نت

م