تقرير: توثيق (182) حالة قتل لمتظاهرين سلميين بالأسماء والبيانات ومكان وقوع الجريمة مع تحديد الجهة المرتكبة

تقرير

الحكومة هي المسؤول الأول عن قتل المتظاهرين السلميين ومنع إسعاف الجرحى
طبيعة تعامل الحكومة مع التظاهر السلمي يفضح حقيقتها القمعية الدموية أمام أنظار العالم الحر


الجزء الأول

توثيق (182) حالة قتل لمتظاهرين سلميين، بالأسماء والبيانات ومكان وقوع الجريمة مع تحديد الجهة المرتكبة


عشرات الشهادات لمتظاهرين وذوي ضحايا ومصابين وصحفيين وناشطين وأطباء وممرضين ومسعفين متبرعين، تفيد بارتكاب القوات الحكومية والأجهزة الأمنية والميليشيات الموالية لها جرائم بشعة على نطاق واسع بحق المتظاهرين في العراق


تجددت بتأريخ 1/ 10/ 2019م؛ المظاهرات السلمية بشكل واسع في بغداد وامتدت إلى محافظات النجف وكربلاء وميسان والقادسية وذي قار وميسان وواسط وبابل وديالى والمثنى والبصرة، التي طالبت بالحقوق الإنسانية الأساسية ومحاربة الفساد وتطورت إلى المطالبة بإسقاط النظام السياسي القائم على المحاصصة ومحاكمة القتلة والفاسدين، في تظاهرات اختلطت بها دماء جميع مكونات الشعب العراقي في صورة -رغم الآلام الكبيرة- تبعث على الأمل وتبشر بانحسار التوظيف الطائفي وصولًا إلى خلاص العراق من هذا الداء الخبيث.


والقوات الحكومية والميليشيات الموالية لها ترد منذ اليوم الأول -كعادتها- بالعنف المفرط غير المبرر ضد المتظاهرين السلميين، وتستخدم أسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة لقمع المظاهرات، وتطلق الغاز المسيل للدموع والقنابل الحارقة والمياه الحارة على المحتجين بكثافة، وتنشر عشرات القناصة على أسطح البنايات في محيط ساحات التجمعات الجماهيرية في العاصمة بغداد ومحافظات أُخرى جنوب البلاد؛ فتقتل بدم بارد المئات من المتظاهرين السلميين، وتجرح وتصيب الآلاف، بينهم المئات ممن إصاباتهم بالغة، فضلًا عن قيام الأجهزة الأمنية الحكومية والميليشيات باعتقال آلاف المتظاهرين، معظمهم بشكل جماعي، المئات منهم جرحى اعتقلوا من داخل المستشفيات أثناء تلقيهم للعلاج، إلى جانب قيام الميليشيات –بدر والعصائب وسرايا الخراساني والنجباء وكتائب حزب الله وغيرها- باستهداف عجلات الإسعاف التي تقل ضحايا العنف الحكومي وتمنع إسعافهم، وتلاحق المصابين والجرحى في المستشفيات وتقتل وتخطف المئات منهم، وتحتجز عددًا من المسعفين والناشطين المدنيين وتخفيهم قسرًا، وكان معظم الضحايا شبّانًا تتراوح أعمارهم بين (18 و 28 عامًا)، في حين أن من بين الضحايا أطفالًا وصِبْيةً لم يكملوا (14 عامًا).

وفي ذات الوقت؛ تستمر وزارة الاتصالات في الحكومة الحالية بقطع خدمة الإنترنت عن جميع المحافظات العراقية التي تسيطر عليها الحكومة في بغداد حيث مرت حتى كتابة هذا التقرير –بحسب موقع (نت بلوكس)- (395) ساعة منذ فرضت الحكومة في العراق إغلاقًا شبه كامل للإنترنيت تزامنًا مع المظاهرات الشعبية واسعة النطاق في البلاد، في محاولة واضحة لعزل العراق والحيلولة دون إيصال صوت المتظاهرين إلى العالم والاستفراد بالمحتجين السلميين وقمعهم بشتى السبل بعيدًا عن أعين الإعلام وتكريس ثقافة إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب الشائعة في العراق ما بعد الغزو الأمريكي.

وبالتزامن مع الأحداث الجارية؛ تقوم عناصر مسلحة ترتدي الزيّ الحكومي بمهاجمة مكاتب عدة قنوات فضائية بالعاصمة بغداد كانت تنقل أحداث وتطورات التظاهرات الجارية في البلاد، وجرت الهجمات مساء السبت 5/10/2019م، حيث تم اقتحام مكتب قناة دجلة وإضرام النار فيه، وتحطيم مكتب قناة (أن آر تي) وإغلاق مكتب قناة العربية الحدث في بغداد، وإيقاف بث قناة الرشيد، فيما تلقت قنوات أُخرى تهديدات صريحة. وقد باشرت العناصر المسلحة حال اقتحامها بالاعتداء على الأطقم العاملة المتواجدة وتحطيم المحتويات والمعدات الأساسية للعمل ومصادرة جميع الهواتف التي كانت لدى العاملين.

ويوثّق قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين في العراق، عشرات الشهادات بخصوص الأحداث التي جرت خلال التظاهرات السلمية الحديثة، نتحفظ على ذكر أسماء الشهود في هذا التقرير بحسب رغبتهم، خشية التعرض للاعتقال والقتل على أيدي القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها، وفيما يلي نبذة من الشهادات التي تم توثيقها:

قال أحد الناشطين لمندوب قسم حقوق الإنسان: وصلنـا إلى ساحـة التحريـر فجـر يوم ١/١٠/ 2019، وكانت هناك جموع غفيـرة من شبان بسطاء غير مرتبطين بأي جهة سوى بلدهم الجريح العراق، خرجوا مطالبين بأدنى حقوقهم، وكانوا قادمين من جميع المحافظات تقريبًا، لم أتوقع هذا المستوى العالي من الوعي الشعبي وإن جاء متأخرًا، بالمقابل كان هناك انتشار أمني كثيف في محيط الساحة وتم إغلاق الطرق المؤدية إليها من قبل الأرتال العسكرية والعجلات المصفحة وعجلات مكافحة الشغب المتواجدة حول الساحة من جميع الجهات، مع وجود طيران كثيف للطائرات المروحية فوق الساحة. وبدون أي مبرر ولا سابق إنذار؛ بدأت قوات مكافحة الشعب برش المياه الحارة على جموع المتظاهرين ودهست عددًا منهم في محاولة لتخويفنا وفض تجمعنا، وقامت باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع وبعد أقل من ساعة باشرت القوات الحكومية بإطلاق الرصـاص الحي باتجاه المتظاهرين مباشرة، ومن الجـو؛ بدأ الطيـران يقذف قنابـل غازية مسيلـة للدمـوع والفلفل حار، وأحسسنا كأننا في ساحة حرب، وأصابت العيارات النارية عددًا كبيرًا من المتظاهرين السلميين قتلًا وجرحًا، في مشهد يؤكد أن هدف هجمات القوات الحكومية بمختلف مسمياتها وعناوينها لم يكن تفريق المتظاهرين بل قتلهم عمدًا وإبادتهم جماعيًا، وتعززت هذه الحقيقة مع نزول الميليشيات الموالية لإيران مثل: سرايا الخراساني والنجباء وكتائب حزب الله والعصائب وبدر، حيث تضاعف استخدم الرصاص الحي ضد المتظاهرين وارتفعت أعداد الضحايا بشكل مرعب، الأمر الذي اضطرهم للتراجع من ميدان التحريـر إلى النفق المؤدي لساحة الطيـران، وحاولوا بعد ذلك دفعنا باتجاه الشارع السريع محـمد القاسم وهكذا يضعف زخم المظاهرات وتنتهي شيئًا فشيئًا؛ ولكن أصر الشبان على تحدي القوات الحكومية والميليشيات ووقفوا بصدور عارية أمام الرصاص الحي وعبـروا خطوط نيران القوات الحكومية ومن معها، واستطاع المتظاهرون رغم الخسائر البشرية العالية من استرجاع زمام المبادرة والعودة كل هذه المسافة من النفق المؤدي لساحة الطيران إلى ساحة التحريـر والاندفاع باتجاه جسـر الجمهورية والوصول إلى منتصفه تقريبًا، وبقينا معتصمين على هذا الحال طوال ثلاثة أيام مواصلين الليل بالنهار، حتى صباح اليوم الرابع حيث أحكمت القوات الحكومية إغلاق كل الطرق المؤدية إلى ساحتي التحرير والطيران وكذلك الطريق السريع محـمد القاسم، وأعلنوا فرض حظر التجوال الشامل، وقطعوا خدمة الإنترنت بشكل كامل، ومنعوا وصول الماء والغذاء والدواء إلى المتظاهرين المحاصرين، وبدأت القوات الأمنية بشن حملات واسعة للاعتقالات العشوائية بشكل جماعي ولم تستثنِ أحدًا، فكان مكان تجمعنا البديل قرب مول النخيل في جانب الرصافة وهنا ارتكبت المزيد من المجازر والانتهاكات من قبل الميليشيات وتصاعد القنص وإطلاق الرصاص من كل الاتجاهات مستخدمين الأسلحة الخفيفة والمتوسطة واستمرت الاعتقالات، وتمت إصابتي من جرّاء ذلك ونقلت إلى مستشفى الشيخ زايد، وكنت ضمن مئات الجرحى والمصابين الذين نقلوا إليها في تلك الليلة، وفي المستشفى رأيت عناصر الاستخبارات العسكرية وهم يتجولون داخل المستشفى ويقومون باعتقال أي شخص جريح أو مصاب وفق قانون مكافحة الإرهاب سيئ الصيت، ولكنني تمكنت من الهروب من المستشفى بمساعدة الأطقم الطبية العاملة فيها، وبحسب ما تم التوصل إليه من خلال تواصلنا مع الناشطين الآخرين؛ فقد تم زجُّ الآلاف من الجرحى بالسجون واتهامهم بشتى التهم الجنائية إلى جانب تهمة الإرهاب كالتخريب وإحراق منشآت عامة والاعتداء على المال العام والخاص وغيرها، مع تعرض العديد منهم إلى التصفية الجسدية حال الاعتقال أو بعده. واضطررت إلى تغيير محل إقامتي ٣ مرات ليس خشية تعرضي للاعتقال وإنما لإدامة زخم التظاهر السلمي واستمرار ما تعاهدنا عليه نحن الشبان المتظاهرين.

ويروي مجموعة من المتظاهرين لمندوب قسم حقوق الإنسان بتأريخ 2/ 10/ 2019، قصة أحد الشهداء الذين ارتقوا في أول أيام التظاهرات السلمية في العراق، والذين أسقطوا باستشهادهم القناع عن التوظيف الطائفي المقيت دون رجعة.

الشهيد (هشام فارس محـمد الدليمي)، 27 عامًا، من سكان حي الأعظمية ببغداد، يعمل مخرجًا تلفزيونيًا وهو الابن الأكبر للعائلة، وخاطب لزميلته في العمل منذ أربع سنوات. ودّع هذا الشاب صبيحة الأول من تشرين أول/أكتوبر الجاري عائلته مبكرًا بعد أن تناول معهم فطوره الأخير، متجهًا مع أصدقائه للمشاركة في التظاهرات السلمية في ساحة التحرير متسلحًا بعلم العراق بكل عز وافتخار، مخبرًا والدته بأنه سينتفض من أجل الفقراء ومن أجل العراق هويتنا. وودّعته والدته بابتسامة وتشجيع وقالت: لأول مرة أشعر بأن هشام رجل يعتمد عليه بعد أن كنت أراه صبيًا في نظري. أما شقيقه الأصغر فقد سأله إلى أين أنت ذاهب يا هشام فأجابه مبتسمًا: نازل آخذ حقي، لم يتصور أحد أن قوى الشر تنتظره ومعها عدة الموت، وقد ارتقى شهيدًا برصاصة الغدر وظلت يده ممسكة للعلم العراقي الذي تخضب بدمائه النازفة، وتلاقفته أيادي إخوته المتظاهرين الذين حملوه باكين لاعنين حكومة القتلة الغادرين الجبناء. وفاضت روحه مودعًا أمّه وعائلته ورفاقه ووطنه إلى الأبد. وفي هذه الأثناء رنّ هاتفه وكانت خطيبته هي المتصلة، ولم يتجرأ أحد من زملائه على الرد عليها.

وقال متظاهر آخر تم اعتقاله ثم أُطلق سراحه بعد يومين: شاركت في مظاهرات ساحة التحرير يوم 1/ 10/ 2019، حيث دخلت الساحة عند الرابعة عصرًا من جهة جسر السنك متوجهًا إلى الباب الشرقي، وخلال مشاركتي بالتظاهر السلمي هرع إلي مجموعة من المسلحين عددهم (9) أفراد انهالوا علي بالضرب المبرح والشتائم، وتم تقييدي واحتجازي داخل عربة مصفحة لهؤلاء المسلحين ومنعوني من الوصول إلى الساحة في ذلك اليوم، علمًا أن القدوم للساحة كان صعبًا جدًا لأن شوارع بغداد الرئيسة كانت مغلقة من المطار إلى الباب الشرقي، ورأيت الرعب على وجوه أفراد القوات الحكومية، ومهما ارتكبوا بحقنا من جرائم لن تثنينا هذه المحاولات الفارغة وهذه هي أساليب حكومة عصابات المخدرات والفساد.

وأكد الشاهد أن هناك استخدامًا مفرطًا للقوة في قمع المظاهرات من قبل قوات مكافحة الشغب والشرطة الاتحادية وقد سقط عدد من الشهداء والجرحى منذ اليوم الأول، وسيارات الإسعافات قامت بإخلاء الجرحى بصعوبة؛ متسائلًا: أين الإعلام؟ وأين المنظمات الدولية؟

وأفاد ناشط آخر قسمَ حقوق الإنسان بتأريخ 3/ 10/ 2019م: حصلت خلال اليومين الماضيين مجازر في شوارع العاصمة بغداد، ومحافظات ذي قار والقادسية وواسط وغيرها، خدمة الإنترنت ضعيفة أو معدومة، لا يمكننا التواصل مع العالم لإيصال كلمة أو صورة أو إرسال مقاطع مسجلة مصورة من أرض الحدث، ويقوم القناصة باستهداف المتظاهرين بإصابتهم بالرأس، وقوات مكافحة الشغب تسحق المتظاهرين بسيارات المياه والمدرعات، وفصائل ميليشيا الحشد (العصائب والنجباء والخراساني وبدر) تملأ الشوارع لتقوم بما عجزت الأجهزة الأمنية الحكومية عن القيام به من ثني المتظاهرين وإخماد التظاهرات بالقوة، نزلوا إلى الشوارع وكأنهم متعطشين للدم العراقي، وقاموا باعتقال الجرحى من المستشفيات، وكذلك اعتقال الناشطين وقتلهم بدم بارد على شكل إعدامات ميدانية في أماكن منعزلة، وهذا ما حصل مع الناشط عباس الساعدي الذي اعتقل جريحًا من مستشفى الشيخ زايد ببغداد ثم وجدت جثته صباح اليوم التالي في ساحة (62) جنوب شرقي العاصمة، وقد تعرض لإطلاق نار بالرأس ومن مكان قريب.

وفي 4/ 10/ 2019؛ تحدث عدد من المتظاهرين لمندوب قسم حقوق الإنسان عن نشر الحكومة عشرات القناصة فوق أسطح المباني في محيط ساحة التحرير وساحة الطيران وسط العاصمة بغداد، وقام القناصة بإطلاق النار على المتظاهرين السلميين دون سابق إنذار؛ ما تسبب بارتفاع حصيلة الشهداء من جرّاء إصابتهم بالرأس، حيث بلغت حصيلة ضحايا التظاهر السلمي في العراق خلال الـ(72) ساعة الأُولى من عمر المظاهرات (44) شهيدًا ونحو (2000) جريح ومصاب فضلًا عن أكثر من (1000) معتقل.

وقال متظاهر آخر: فرضت الحكومة حظرًا للتجوال في بغداد يوم 4/ 10/ 2019 ولكن المتظاهرين تحدوا قرار الحكومة الجائر ونزلوا إلى الشوارع بأعداد أكبر من الأيام السابقة بسبب ارتفاع أعداد ضحايا العنف الحكومي غير المبرر ضد المتظاهرين السلميين، واستمرت التظاهرات في بغداد وتصاعدت وتيرتها احتجاجًا على طبيعة تعامل الحكومة مع المظاهرات ومحاولاتها المتواصلة لقمعها وإخمادها بالقوة مستخدمة جميع أشكال القتل وإرهاب الدولة.

وقال متظاهر ثالث بتأريخ 4/ 10/ 2019 لمندوب القسم: القوات الحكومية تصوب أسلحتها على صدور المتظاهرين السلميين منذ اليوم الأول للتظاهرات، ولم تتردد قواتها وأجهزتها الأمنية والميليشيات الموالية لها بقتلنا وإبادتنا في سبيل إخماد هذه الاحتجاجات الشعبية العفوية المطالبة بأبسط الحقوق الإنسانية، والمتظاهرون ملتزمون بالسلمية مهما أمعنت الحكومة بإيذائنا والتنكيل بنا وقتلنا، ولكننا نرى ضرورة أن يكون هناك تغيير جذري في النظام السياسي القائم في العراق، ما أرعب سكان المنطقة الخضراء ودفعهم لسلوك شتى الطرق وارتكاب أبشع الجرائم للقضاء على أكبر عدد من المتظاهرين وإرهاب الآخرين وإجبارهم على التخلي عن مطالبهم والدخول في تفاوض عقيم مع الحكومة التي أظهرت هذه الأحداث جليًا عدم امتلاكها أي مقوم من مقومات السيادة.

وأخبر متظاهرون آخرون مندوب قسم حقوق الإنسان أنهم تجمعوا يوم 4/ 10/ 2019م، في منطقة زيونة ببغداد، مع أعداد كبيرة من الشبان المطالبين باسترداد حقوقهم والحصول على فرصة للعيش بكرامة في وطن يعتز بهم ويعتزون به، للذهاب إلى ساحة التحرير وقد مروا من شارع فلسطين وهم في طريقهم إلى ساحة التظاهرات وخلال مسيرهم تعرضوا إلى إطلاق نار كثيف من قبل قناصة متحصنين فوق أسطح المباني المنتشرة على طول الشارع، وسقط في ذلك المكان أربعة شهداء على الأقل وعدد كبير من الجرحى والمصابين، وتم نقل الضحايا إلى المستشفى ولكن بصعوبة بالغة حيث تم استهداف سيارات الإسعاف من قبل القوات الحكومية، في محاولة منها لمنع إسعاف الجرحى وعرقلة وصولهم إلى المستشفى.

وفي اليوم الخامس من التظاهرات المتواصلة على نطاق واسع في البلاد؛ توعدت الحكومة المتظاهرين بالمزيد من العنف والقمع والإبادة، وارتكبت القوات الأمنية مجزرة جديدة بحق المتظاهرين في بغداد، الأمر الذي تسبب بارتفاع حصيلة الشهداء إلى (109) متظاهرين سلميين على الأقل إلى جانب نحو (6000) جريح ومصاب آخرين، واكتظت دائرة الطب العدلي في بغداد بجثامين عشرات الشهداء الذين سقطوا بنيران القوات الحكومية في ذلك اليوم، ووصل مئات الجرحى إلى مستشفى بغداد ومستشفى الجملة العصبية ومستشفى الكندي العام وغيرها من مستشفيات بغداد، إلى جانب المئات من حالات الاختناق من جرّاء استنشاق الغاز المسيل للدموع، وسط نقص حاد بالمواد الطبية ومستلزمات الإسعاف، وقد وجهت عدة مستشفيات نداءً للمواطنين بالتبرع بالدم لإنقاذ حياة جرحى التظاهرات.

وبعد صمت طويل ومشاهدات لعشرات الجرائم الوحشية أمام عدسات الكاميرات؛ اضطرت المبعوثة الأُممية إلى العراق مساء يوم 5/ 10/ 2019م، إلى القول: إن قتل المتظاهرين غير مبرر، وتساءلت عن أسباب الاستخدام المفرط للقوة مع المتظاهرين السلميين من قبل الحكومة، ولكنها لم تحدد صراحة الجهة المسؤولة عن القتل مستخدمة التهرب من الكلام أُسلوبًا لتجاوز الحرج الذي ستقع فيه إن تحدثت بشكل مباشر وواضح بشأن الجرائم التي ارتكبتها القوات الحكومية بحق المتظاهرين العزل.

وقال متظاهر رابع لمندوب القسم: في وقت متأخر من ليلة السادس من تشرين الأول الجاري شنت القوات الأمنية الحكومية حملات دهم واعتقال جماعية في مناطق عديدة من العاصمة بغداد طالت العشرات من الناشطين والصحفيين والإعلاميين والمئات من المتظاهرين الجرحى الذين تم اعتقالهم من المستشفيات أمام أنظار الجميع، دون بيان لأسباب الاعتقال ولا إفصاح عن أماكن الاحتجاز، وما يزال مصير المئات من المعتقلين مجهولًا حتى كتابة هذا التقرير.

وقال متظاهر خامس التقاه مندوب القسم: المظاهرات السلمية تتحدى العنف المتصاعد والقتل الوحشي الحكومي وتظل مستمرة لليوم السادس على التوالي وأعداد المتظاهرين بازدياد مع الدعم الشعبي الكبير للتظاهرات الجارية في البلاد والرأي العام المحلي بضرورة التخلص من الأحزاب الحاكمة ورفض العملية السياسية برمتها وإلغاء الدستور ومحاكمة القتلة والفاسدين والمستولين على المال العام. ومن جانب آخر؛ أكد عدد كبير من المتظاهرين وجود ميليشيات داخل مقرات الأحزاب تطلق الرصاص الحي على المتظاهرين وتوقع خسائر بشرية في صفوفهم بين قتيل وجريح، وكردة فعل قام المتظاهرون باقتحام هذه المقرات وإضرام النار فيها والإعلان عن رفضهم الكامل لاستمرار وجودها في العراق.

وقد وثّق قسم حقوق الإنسان في يوم 6/ 10/ 2019، (31) حالة قتل لمتظاهرين سلميين بإصابات مباشرة في الرأس، مع الإشارة أن هناك حالات كثيرة أُخرى تم رصدها، والعمل جارٍ على توثيقها.

وقال متظاهر سادس لمندوب القسم: بعد أن عجزت القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها عن فض التظاهرات بالقوة؛ قررت الحكومة تصعيد أدوات القمع والقتل، وبدأت في اليوم السابع باستخدام الأسلحة المتوسطة والثقيلة وقذائف الـ(آر بي جي) ضد المتظاهرين المحافظين على سلمية المظاهرات، وقد دفعت الحكومة بعناصر مسلحة ترتدي الزي المدني لملاحقة المتظاهرين وقتلهم لبث الرعب والخوف في نفوس الآخرين، ولكن دون جدوى، بل على العكس تسببت هذه المحاولات الإجرامية بزيادة النقمة الشعبية والإصرار على مواصلة الاحتجاج والتظاهر سلميًا حتى إسقاط النظام وتغيير العملية السياسية التي جاءت به جذريًا.

وقال متظاهر آخر لمندوب قسم حقوق الإنسان: كنا متوجهين من مدينة الصدر إلى ساحة التحرير وفي الطريق تصدت لنا قوات سوات وقوات الشرطة الاتحادية وعناصر ميليشيا بدر والعصائب والنجباء وسرايا الخرساني، وقاموا بإطلاق النار باتجاهنا وقتلوا العشرات من المتظاهرين بينهم امرأة، وكدفعة أُولى استقبلت مستشفى الجملة العصبية (19) شهيدًا وعشرات الجرحى والمصابين، لتبلغ حصيلة الشهداء (128) شهيدًا، وفق تقارير، ولم تكتفِ تلك القوات بذلك بل قامت بملاحقة المصابين والجرحى والتحقيق معهم ومنع الأهالي من الدخول إلى داخل المستشفى، بحسب الشاهد، وعند تجمهر الناس عند الباب الرئيس للمستشفى قامت تلك القوات والميليشيات بالاعتداء على المتظاهرين بإطلاق النار عليهم مباشرة وقتلت عددًا من المتظاهرين في الحال بدم بارد، واستدرك قائلًا: نتعرض لإبادة جماعية ممنهجة وسط صمت عربي ودولي غير مبرر، وتساءل صارخًا: هل يجب أن نموت جميعًا كي يتحرك العالم؟

والتقى مندوب قسم حقوق الإنسان بمجموعة أُخرى من المتظاهرين الذين قالوا: تجمعنا مساء يوم 5/ 10/ 2019، قرب مبنى وزارة النفط في بغداد وتفاجأنا بإطلاق نار باتجاهنا قادمًا من جهة الوزارة وتبيّن لنا وجود قناصة على سطح الوزارة، ما تسبب باستشهاد ثلاثة متظاهرين من جرّاء إصابتهم برصاصة بالرأس، وجرح خمسة آخرين على الأقل، وهرعنا حينها لنقل الضحايا إلى المستشفى القريب وعند وصولنا إلى المستشفى كان الشهداء الثلاثة قد فارقوا الحياة، وأوصلنا الجرحى إلى ردهة الطوارئ وبدأ الأطباء المتواجدين بالتعامل مع الإصابات وسط نقص حاد في المواد الطبية والمستلزمات الضرورية لعلاج حالات الطارئة.

وقال ناشط من محافظة ذي قار لمندوب قسم حقوق الإنسان: تم في يوم 5/10/2019م نشر عدد كبير من القناصة من عناصر سرايا الخراساني في مدينة الناصرية وأُشيع بأن لديهم أوامر وتعليمات بقتل أي شيء متحرك ضمن مرمى أسلحتهم، وفعلًا قاموا بإطلاق النار على المتظاهرين بشكل مباشر ومن أماكن قريبة؛ فقتلوا عددًا من المتظاهرين السلميين وأصابوا عشرات آخرين في ذلك اليوم، وأمعنوا بالتنكيل في المتظاهرين الجرحى من خلال ملاحقتهم واختطاف من استطاعوا اختطافه منهم وأعدموا ثلاثة منهم على الأقل ميدانيًا في حين ما يزال مصير العشرات مجهولًا حتى ساعة تقديم الإفادة من قبل الناشط، الأمر الذي تسبب بسقوط المزيد من الضحايا خلال الأسبوع الأول من المظاهرات.

وتحدث ناشط من محافظة ذي قار لمندوب قسم حقوق الإنسان، قائلًا: بلغت حصيلة ضحايا التظاهر السلمي في المحافظة حتى 8/ 10/ 2019م، ما لا يقل عن (21) شهيدًا و (392) جريحًا، قتلوا وأُصيبوا في مناطق مختلفة من محافظة ذي قار مثل ناحية الشطرة وقضاء سوق الشيوخ وغيرها، ولكن غالبية الضحايا سقطوا وسط مدينة الناصرية بنيران قوات الشرطة الاتحادية وقوات سوات وميليشيا سرايا الخرساني الأكثر قمعًا وتنكيلًا بالمتظاهرين السلميين.

في حين أفاد أحد جرحى التظاهرات في محافظة القادسية: رجعت من العمل ليلًا وكانت هناك مظاهرة شعبية يهتف خلالها المتظاهرون ضد الفساد والفشل الحكوميين، وكان المتظاهرون سلميين ويرفعون العلم العراقي ولا راية أُخرى سواه، وبعد التحاقي بالمظاهرة جاءت قوات سوات وحاصرت المتظاهرين وبدؤوا بإطلاق النار بكثافة وبشكل مباشر باتجاهنا، وصمد المتظاهرون في مكانهم ولم يتراجعوا، ولكنني أُصبت بطلق ناري في البطن إلى جانب العديد من المتظاهرين الآخرين الذين أُصيبوا بنفس الطريقة، وتساءل: هل المواطن الذي يطالب بحقه يُطلق عليه النار بهذا الشكل؟ علمًا أن لدي اثنين من أشقائي شهداء أحدهم قتل في 2007 والآخر في 2016، والمصاب من الديوانية جريح بطلقة في البطن ثم تبعوه إلى المستشفى وقيدوا يديه بالسرير، واستمروا بإجراءات الاعتقال خلال تلقيه العلاج في المستشفى.

وأفاد أحد الصحفيين: الحكومة تحجب خدمة الإنترنت للتستر على جرائمها، لكننا تمكنا من التواصل مع العالم لفضح وحشيتها وبيان حقيقتها القمعية أمام أنظار العالم الحر الذي كان ينظر إليها بشكل مختلف عما بات يراه من جرائمها بحق ناخبيها في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب بعد الأول من تشرين الأول الجاري وما تبعه من قتل للمتظاهرين ومشاهد مروعة على نحو واسع أمام عدسات الكاميرات، أظهر للعالم الوجه الحقيقي لها.
وتحدث صحفيون آخرون: أصدرت الحكومة في بغداد تعليمات باعتقال عشرات الناشطين والصحفيين لقيامهم بمتابعة أحداث التظاهرات، وتم اعتقالنا بسبب ذلك وتعرضنا لشتى الممارسات القمعية أثناء الاعتقال، في حين توقفت القنوات المحلية عن بث المظاهرات خوفًا من بطش المليشيات والأجهزة الأمنية الحكومية، مؤكدين وقوع مجازر بحق المتظاهرين، وأن أعداد الشهداء والجرحى أضعاف الأعداد التي يتم الإعلان عنها، وأشاروا إلى أن تعامل القوات الحكومية الذي شهدوه مع المتظاهرين يفوق بوحشيته تعامل جنود الكيان الصهيوني مع شبان الانتفاضة الفلسطينية.

وقال مستشار قانوني دولي لقسم حقوق الإنسان: يعدّ رئيس الحكومة الحالي المسؤول الأول جنائيًا عن قتل المتظاهرين السلميين في العراق باعتباره القائد العام للقوات المسلحة الذي يصدر الأوامر لتقوم القوات المعنية بتنفيذها، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن جميع أفراد سلسة المراتب المرتكبة لجرائم القتل مسؤولون مسؤولية مباشرة عنها ويجب تقديم الجميع إلى العدالة، مشيرًا إلى أن طبيعة الرد الحكومي الهستيري العنيف على التظاهرات السلمية وقمعها في العراق؛ سيحرج المجتمع الدولي الداعم للحكومة في بغداد، وسيجبره على تغيير أُسلوب التعاطي معها ولاسيّما بعد أن بانت الحقيقة القمعية للحكومة أمام الجميع، مؤكدًا على ضرورة توثيق الانتهاكات التي ارتكبت، وتشخيص الجاني والمجني عليه لإنصاف الضحايا قانونيًا ولو بعد حين، باعتبار أن هذه الجرائم مما لا تسقط بالتقادم.

وعجت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية بمقاطع مصورة تُظهر عشرات جرائم قتل لمتظاهرين سلميين، وقد وثّق قسم حقوق الإنسان في الجزء الأول من هذا التقرير (182) حالة قتل لمتظاهرين سلميين خلال الأيام الأُولى من شهر تشرين الأول الجاري؛ بالأسماء والبيانات وأسباب الوفاة ومكان وقوع الجريمة وتحديد الجهة المرتكبة لها، وفق الشهود، وسيقوم بإدراج بيانات الضحايا (الشهداء والمعتقلون والمختفون قسرًا)، الجاري توثيقهم في الجزء الثاني من التقرير الذي سينشر قريبًا، وسيتم نشر جميع المعلومات المتوفرة بهذا الشأن.