تقرير: فلسطينيو العراق جرح آخر في جسد القضية

فلسطينيو العراق جرح آخر في جسد القضية

بعد غزو العراق واحتلاله، انعدم الأمن وسادت الفوضى البلاد وتزامن ظهور الميليشيات الطائفية؛ فأصبحت أوضاع معظم مكونات الشعب العراقي ومن يقيم في البلاد -ومنهم اللاجئون الفلسطينيون- في تدهور مستمر منذ ذلك الحين، ولاسيّما في أعقاب تفجير مسجد الإمامين العسكريين في سامراء عام 2006م.

لجأ الفلسطينيون إلى العراق قادمين من فلسطين المحتلة، بعد أن طردتهم عصابات الكيان الصهيوني من مدنهم في العام 1948 وبعده. وعلى الرغم من أن أرقامًا دقيقة من الصعب تحديدها؛ إلَّا أنه يُعتقد أنه كان هناك قبل 2003 حوالي (36 ألف) فلسطيني يعيشون في العراق، يتمركزون في العاصمة بغداد، ولاسيّما حي البلديات وحي السلام والزعفرانية ومدينة الحرية وبغداد الجديدة وغيرها، فيما يتوزع قسم آخر منهم في البصرة جنوبًا والموصل شمالًا.

ولكن ومنذ ذلك الحين، باتوا عرضة للاستهداف من قِبَل الأجهزة الحكومية والميليشيات الطائفية المتحكمة بالمشهد الأمني في البلاد. ويعيش حالياً، عدة مئات من فلسطينيي العراق في مخيمات بائسة على الحدود، بعد أن رُفض دخولهم إلى الأُردنّ و‌سورية المجاورتين، في حين تم توطين آخرين في بلدان أُخرى.

حجب البطاقة الغذائية وسلب الحقوق التقاعدية عقاب جماعي آخر

عاش اللاجئون الفلسطينيون مأساة وقصة تهجير ثانٍ على أيدي من حكموا العراق بعد الاحتلال، حيث باتوا يعيشون في ظل أوضاع إنسانية صعبة لا توصف، ولم تكتفِ حكومات الاحتلال بذلك بل راحت تمعن في إيقاع الضرر بهم وسلب الكثير من حقوقهم، فباتوا يعانون من إهمال متعمد لهم خصوصًا كبار السن، وإصدار قرارات مجحفة بحقهم وتطبيق رزمة إجراءات تمييزية ضدهم، من بينها حجب البطاقة الغذائية الشهرية عنهم، ومنع الحقوق التقاعدية للفلسطيني المتوفى وحرمان ورثته من امتيازاته.

ولم تقف الإجراءات عند سلب الحقوق فقط بل شملت إعادة فرض رسوم الصحة والتعليم والخدمات المختلفة بعد أن كانوا مَعفيين منها؛ الأمر الذي تسبب بتدهور الوضع الاقتصادي لآلاف الأُسر الفلسطينية في العراق.

حملة اضطهاد وتطهير ممنهجة

ولم ينعم اللاجئون الفلسطينيون في العراق بحياة آمنة من الملاحقات بعد الاحتلال، إذ تعرضوا إلى حملة اضطهاد وتطهير عنصرية ممنهجة مورست عليهم من قِبَل حكومات الاحتلال والميليشيات الموالية لها على خلفية انتمائهم المذهبي وأُخرى بذرائع مختلفة سجلت على إثرها العديد من حالات اعتقال واختفاء قسري للشبان الفلسطينيين في السجون الحكومية المعلنة في العراق.

وتمكن قسم حقوق الإنسان في الهيئة بمساعدة جهات حقوقية فلسطينية من توثيق عشرات الحالات، بينهم كثيرون ما يزالون قيد المفقودين، وآخرون صدرت بحقهم أحكام وصلت إلى الإعدام والسجن مدى الحياة، وفق قانون مكافحة "الإرهاب" سيئ الصيت، وذلك خلال محاكمات سريعة تفتقر لأبسط مقومات المحاكمة العادلة.

الفلسطينيون المعتقلون يُحاربون نفسيًا

بحسب مصادر حقوقية في بغداد؛ فإن قانون العفو الأخير الذي أقرّه البرلمان الحكومي السابق لم يشمل المواطنين الفلسطينيين المعتقلين في السجون الحكومية المعلنة، وذوو المعتقلين يتهمون مفوضية الأُمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعدم التعاون معهم بشأن أبنائهم المعتقلين، ويبقى الاعتقال والملاحقة المستمرة من أبرز العوامل التي دفعت الفلسطينيين إلى مغادرة البلاد في ظل فقدان الثقة التام بالحكومات المتعاقبة على حكم العراق منذ 2003 وحتى اليوم حتى تقلص عددهم إلى ثلاثة آلاف فقط من أصل نحو (36 ألف) نسمة كان معظمهم يتخذ من حي البلديات في الجانب الشرقي من بغداد مأوى له، وفي السنوات الأخيرة وصل ما يزيد على (75) عائلة فلسطينية إلى بريطانيا بعد موافقة الأخيرة على إعادة توطينهم.

 مئات الفلسطينيين اعتُقلوا في العراق بعد الغزو

شهدت المدة الممتدة ما بين 2005 و 2008 أكبر حملات اعتقال بحق فلسطينيي العراق، وهؤلاء ما يزالون قابعين في المعتقلات يقاسون ظروفًا صعبة لا يلتفت لها أحد، يعاني منها المعتقلون الفلسطينيون داخل السجون الحكومية المعلنة، بينهم أطفال وكبار سن، وذوو المعتقلين يؤكدون أن أبناءهم يقبعون في ظروف إنسانية سيئة داخل السجون في بغداد والناصرية وغيرها، ولا تتوفر لهم أدنى شروط العدالة في مراجعة قضاياهم أو استئناف الأحكام الصادرة ضدهم، علمًا أنه لم يتسنَّ لأي منهم توكيل محامين، وأن الاعترافات التي انتزعت منهم على جرائم لم يرتكبوها قد أُجبروا على الإدلاء بها تحت التعذيب من قِبَل المحققين الذين يتعاملون معهم بشكل غير إنساني، وبحسب مصادر حقوقية فإن ظروف اعتقال المعتقلين الفلسطينيين لا يمكن وصفها،حالهم حال مئات الآلاف من العراقيين المعتقلين في تلك السجون.

 

قسم حقوق الإنسان

 18/ محرم/ 1441ه

17/ 9/ 2019م