حين رمى الأمريكيون أحجارهم على خلية النحل.. مثنى عبد الله

 حين رمى الأمريكيون أحجارهم على خلية النحل

بقلم: مثنى عبد الله

 

في مثل هذه الأيام من عام 2003 بدأت القوات الأمريكية والمتحالفة معها، تنفيذ أكبر جريمة عرفها التاريخ الحديث، حين شرعت بغزو العراق وتهديم البنى المادية والمعنوية للدولة فيه، خلافا لكل القوانين والأعراف والشرائع الأممية التي نظمت العلاقات الدولية في العصر الحديث. ولم يكن هذا الفعل مشفوعا بما يبرر القيام به، حيث تم تجريد البلد من القوة العسكرية الضاربة، من خلال لجان التفتيش التي جابت كل زاوية من العراق لتدمير صناعاته ومعداته العسكرية.

كما سيطرت الولايات المتحدة الامريكية على مقدراته الاقتصادية، بعد أن وضعت، ومن خلال المنظمة الدولية يدها على وارداته المالية الناتجة عن صادراته النفطية، وراحت تتحكم بكل شؤونه، فتمنع ما تعتقد أنه يبقيه حيا، وتسمح بالنزر اليسير، وفقا لبرنامج النفط مقابل الغذاء والدواء سيئ الصيت. ومع كل ذلك بقيت الإدارة الأمريكية تشعر بأن الحصار لم يعد كافيا لتنفيذ مخططها. فالمخطط المرسوم لدى صانع القرار لم يكن تحجيم العراق وإلغاء دوره العربي والإقليمي والدولي، بل كان سحق البلد تماما ثم رميه ليكون أسير أزمات أمنية واقتصادية وسياسية واجتماعية لا تنتهي، وحروب ونزاعات أهلية على أسس طائفية وإثنية ودينية. حينها كان لابد من الانتقال إلى المرحلة الثانية التي تطلبت العمل الفعلي على إعداد سيناريوهات الشيطنة، وإظهار العراق بأنه أكبر تهديد للأمن والسلم العالمي. فأنشأت ورشات التفكير والفكر، كشبكات واسعة من مراكز بحث استخباراتية، تركّز عملها على بلورة آليات ووسائل للتأثير النفسي، وانحصر اهتمامها في سُبل تحريض المجتمع الدولي على العراق، وإظهاره بأنه يخادع ويتحايل على القوانين الدولية المفروضة عليه، ويطور سرا أسلحة دمار شامل قادرة على تدمير البشرية في دقائق معدودة، حسب ادعاء وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول أمام مجلس الامن الدولي.

كما ذهبت هذه الورشات لنشر الفكر الفوضوي من خلال محطات الإذاعة والتلفزيون الموجهة، وتحريض الشعب العراقي على التشكيك في تاريخ بلدهم، والسخرية من مُثلهم العليا وشخصياتهم التاريخية، واستعداء بعضهم على الآخر لدواعي طائفية أو إثنية. وكان الهدف من وراء ذلك، كسب شرائح معينة من المجتمع وزجها في مشروع الاحتلال. سبقه جمع بعض الأصوات من عراقيي الخارج وتقديمهم إلى الداخل على أنهم هم النخبة التي تمثلهم طائفيا وإثنيا ودينيا.

وقد انساق المجتمع الدولي بعلمه أو بدون علمه خلف هذا المخطط الشرير بدوافع كثيرة، حيث كانت الفترة التي شُرع فيها بالتخطيط للغزو تشهد حالة من القطبية الفردية للولايات المتحدة، وبالتالي كانت قادرة على إجبار الآخرين على تأييد خطواتها ومخططاتها. فالتهديد كان واضحا من خلال شعار من لم يكن معنا فهو ضدنا. وعن هذا يقول رئيس الوزراء البريطاني الأسبق جوردون براون في كتاب صادر عنه، بأن الولايات المتحدة قامت بتوريط الحكومة البريطانية في حرب ضد العراق، وكانت وزارة الدفاع الأمريكية على علم تام بأن بغداد لا تملك أسلحة دمار شامل، كما أنها لم تشرك بريطانيا في التقرير السري الأمريكي، الذي كان يزعم امتلاك هذا السلاح، بل يذهب نائب رئيس الوزراء البريطاني عام 2003 جون سكوت في افتتاحية له نشرتها صحيفة «صنداي ميرور» البريطانية في 2016 لبيان عدم شرعية الغزو والاحتلال، فيقول بأن الغزو لم يكن شرعيا، أوقع المملكة المتحدة في غلطة كارثية. كما تنفي مستشارة الأمن القومي الأمريكي السابقة كونداليزا رايس، في حديث لها في مايو 2017، حتى تبرير الغزو بهدف زرع الديمقراطية في البلد وتقول «إن تبرير ذلك الفعل بزرع الديمقراطية في البلد غير صحيح».

ومهما قيل وسيقال عن هذه الجريمة الكبرى، فلا شك أن الغزو كان وسيلة من وسائل تحقيق العقيدة السياسية الامريكية، التي تتخذ تحقيق نظرية الأمن القومي الإسرائيلية جانبا مهما فيها. ولأن العراق ارتبط مصيريا بالقضية الفلسطينية، ولم يكن هذا الارتباط حكرا على نظام سياسي محدد، بل كانت السياسة العراقية على مدى عقود تسير وفق حالة العداء الشامل مع الكيان الصهيوني، وإفشال كل جهود التطبيع والقبول به، ولأنه وضع كل إمكانياته البشرية والعسكرية والاقتصادية والسياسية في خدمة القضية الفلسطينية، ولأنه أظهر استقلالية أكثر من المسموح به، فقد كان لابد من إزاحة هذا الفاعل المضاد للسياسة الامريكية من المنطقة. وبما أنها عراب المافيا الصهيونية والمافيا الدولية، فيقينا لابد أن تنشب مخالبها في العراق، لأنه داس في هذه السياسة على أصبع قدم هذا العراب فحان وقت سحقه. وقد كتب بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي لدى الرئيس جيمي كارتر في هذا المآل فقال «سيكون هنالك شرق أوسط مكون من جماعات عرقية ودينية وبما يسمح لدولة إسرائيل أن تعيش في المنطقة». لكن الحديث عن الامكانيات الامريكية اللامتناهية، ذات ديمومة النجاح المنقطع النظير، أمر مبالغ فيه تماما في كثير من الاحيان، نعم يرتبط الوجود الامريكي في الغالب بالفوضى في أي مكان تتواجد فيه، وقد دفع الشعب العراقي أنهارا من الدماء في حقبة الغزو والاحتلال المستمرة مفاعيلها حتى اللحظة، لكنها هي أيضا لم تسلم يوما من الفوضى المرتدة عليها بسبب تفاعلات سياساتها العدوانية وردود الافعال عليها. فكان أن أُدميت في العراق ودفعت خسائر فادحة في الارواح والمعدات والأموال والاستراتيجية أيضا، نتيجة عدوان سافر لم يكن محسوب النتائج إطلاقا، فقد كان غرور صاحب القرار السياسي أحمق، لدرجة أنه تصور أن أهل العراق سيخرجون ناثرين الزهور على رؤوس جنوده، لكنه تفاجأ بأن أحجاره قد أيقضت كل خلايا النحل ضده.

وتشاء الأقدار أن يستشهد أكثر من مئة طفل وامرأة ورجل من أهالي الموصل، في حادث انقلاب عبارة في نهر دجلة، في أيام ذكرى الغزو الأمريكي للعراق. وكأن المآسي سلسلة مترابطة تشابكت حلقاتها على رقاب العراقيين، وباتت تجرجرهم إلى حتفهم زرافات زرافات. في حين باتت كل قوانين الامم المتحدة وحقوق الانسان، وصون كرامة النفس البشرية، مجرد مصطلحات صماء لا تنطبق معانيها على هذا الكائن الحي في وادي الرافدين، أو في أحسن الاحوال أنه ليس مشمولا بها. من ذا الذي سيرفع راية قداسة المسؤولية ويعلن أنه هو المسؤول عما جرى، فيثبت أنه مازال في قاموس السياسة العراقية بقية من شرف؟ ومن ذا الذي ينصر هذا الشعب المُكبّل اليدين بحكومة لا تحكم وبرلمان لا يُشرّع وقضاء لا ينصف؟ لا أحد لان الجميع يقبلون أن يكونوا بيادق على رقعة رسمها المحتل.

يقينا أنهم العراقيون وحدهم هم القادرون على نصرة أنفسهم إن أرادوا ذلك، وعقدوا العزم عليه. وستبقى شعارات كلا كلا للفساد، وشلع قلع كلهم حرامية، مجرد بالونات ملونة لا ترتفع أعلى من رؤوس مطلقيها.

 ـ صحيفة القدس العربي