فاجعة عبارة الموصل بين آفة الفساد والاهمال الحكومي المتعمد

كارثة جديدة ومصاب جلل ألم بمدينة الموصل الحدباء التي لم يكتب لابنائها الفرح باعياد الربيع، ومحاولة نسيان سلسلة المآسي والويلات والظلم التي يعانون منها طيلة السنوات الاخيرة، حيث شهدت المدينة المنكوبة خلال الاسبوع الماضي فاجعة (عبارة الموت) التي غرقت في نهر دجلة بعد دقائق من مغادرتها جزيرة (أم الربيعين) السياحية في الجانب الايسر من الموصل، وراح ضحيتها (120) مواطنا اغلبهم من النساء والاطفال، اضافة الى (60) مصابا، وأكثر من (100) مفقود.

ومنذ الساعات الاولى لوقوع الكارثة عمّ مدينة الموصل غضب وغليان شعبي، كانت بدايته بنشوب شجار بين القوات الحكومية وذوي الضحايا أمام دائرة الطب العدلي بعد أن منعتهم تلك القوات من الدخول الى الدائرة للتعرف على جثث ابنائهم، كما أمتد الغضب الجماهيري في اليوم الثاني لغرق العبارة الى المسؤولين في الحكومة الحالية وما يسمى الحكومة المحلية في نينوى واتهمامهم بالوقوف وراء الفاجعة الأليمة.

واكدت المصادر الصحفية التي كانت تتابع الكارثة عن كثب ان  المتظاهرين الغاضبين الذين تجمعوا في المكان الذي غرقت فيه العبارة رددوا هتافات ضد رئيس الجمهورية الحالي (برهم صالح) احتجاجاً على زيارته ما اضطره الى مغادرة المكان خشية تطور الامر، كما حاصر المحتجون موكب (نوفل عاكوب ) محافظ نينوى في الموقع ذاته ورددوا شعارات ضده، ما عرّض اثنين من المتظاهرين للدهس من قبل عجلات موكب (العاكوب) خلال محاولته الفرار من المكان.

(عبد اللطيف الهميم) رئيس ما يسمى ديوان الوقف السني كان له نصيب من امتعاض وغضب الجماهير، حيث تم طرده عقب صلاة الجمعة من جامع (صدّيق رشان) بمدينة الموصل احتجاجا على الاهمال والفساد والتقصير، كما اغلق العشرات من ابناء المدينة مساء الجمعة الماضية شارع الغابات المؤدي الى المدينة السياحية التي شهدت الفاجعة ومزّقوا صورا لاعضاء مجلس النواب الحالي عن محافظة نينوى، ورددوا شعارات مناهضة لحكومة (عادل عبد المهدي) .. مطالبين نقابة المحامين بتحريك دعاوى قضائية ضد المسؤولين الحكوميين المتورطين بالكارثة.

غرق العبارة فتح الباب على مصراعيه أمام سيل من الأسئلة عن إهمال وتقصير المسؤولين في حكومتي بغداد ونينوى، وحجم الفساد المالي والاداري الذي ينخر في جسم العراق بصورة عامة والموصل خاصة، لاسيما بعد انتهاء العمليات العسكرية في تموز من العام 2017، في الوقت الذي خيم فيه الحزن الشديد على جميع محافظات العراق، وتمثل ذلك بتنظيم مسيرات راجلة وايقاد الشموع تعبيرا عن الحزن والغضب الكبيرين.

ما تسمى الرئاسات الثلاث، وفي خطوة خجولة لا ترقى الى مستوى المسؤولية الحقيقية، عقدت في بغداد اجتماعا تمخض عنه جملة من القرارات التي لم تتمكن من تضميد جراحات أهل الموصل النازفة ولم تساعدهم على تجاوز هذه الكارثة الكبيرة، حيث صوّت مجلس النواب الحالي يوم الاحد الماضي على اقالة محافظ  نينوى (نوفل العاكوب) ونائبيه على خلفية فاجعة العبارة، في الوقت الذي لم يناقش فيه المجلس اسباب غرق العبارة، كما انه لم يسم الجهات المسؤولة عن الجزيرة السياحية في الموصل، بالرغم من معرفته بان ميليشيات (عصائب أهل الحق) التي يتزعمها المدعو (قيس الخزعلي) هي التي تسيطر على اكثر من (50%) من اسهم تلك الجزيرة التي تم افتتاحها منتصف العام الماضي.

من جانبه، أكد المحلل السياسي (غانم العابد) ان جزيرة (أم الربيعين) التي شهدت غرق العبارة، تخضع لسيطرة فصيل (عصائب أهل الحق) المنضوي تحت ميليشيات الحشد الطائفي التي افتتحت لها (40) مكتبا في مدينة الموصل تحت اسم (المكاتب الاقتصادية) التي تسيطر على جميع المرافق التجارية والاقتصادية والسياحية والمقاولات في المدينة.

واشار (العابد) إلى أن تلك الميليشيات المتنفذة تعمد إلى سرقة الصهاريج التي تنقل النفط وتقوم بتهريبها باتجاه الأراضي السورية، بالتنسيق مع المحافظ المقال (نوفل العاكوب) .. متهما اياه  بسرقة 90% من المبالغ التي تم رصدها لإعادة إعمار الموصل والبالغة أكثر من (400) مليار دينار.

(إخلاص الدليمي) عضو مجلس النواب الحالي عن محافظة نينوى أكدت هي الاخرى تورط ميليشيات (عصائب أهل الحق) في حادث غرق العبارة، حيث أوضحت بان القادة الأمنيين في الموصل أقروا بعدم القدرة على محاسبة المسؤولين عن الكارثة لان ميليشيات (العصائب) تمتلك جزءا من المشروع بموجب عقد رسمي.

ولفتت (الدليمي)، الانتباه الى ان غرق العبارة لم يكن سببه الفساد الإداري فحسب بل الفساد الأمني وذلك لان تلك العبارة هي ملك مشترك بين المستثمرين وعدد من الجهات الأخرى بينها ميليشيات (عصائب أهل الحق)، وهو ما أكده قائد ما تسمى عمليات نينوى أمام رئيس مجلس النواب الحالي.

وفي هذا الاطار نقلت الانباء الصحفية عن (عبيد الحديدي ) المستثمر في جزيرة (أم الربيعين) الواقعة بمنطقة الغابات السياحية بالجانب الأيسر من الموصل قوله: "ان حادثة غرق العبارة مفتعلة حالها كحال تفجير السيارتبن المفخختين اللذين حدثا سابقا في منطقة المجموعة الثقافية وحي المثنى بالموصل" .. مؤكدا ان أحد الغواصين قام بقطع سلك العبارة ما تسبب بانقلابها وغرقها، وبعد تنفيذه لتلك الجريمة الشنعاء وخروجه من الماء كان باستقباله ثلاثة أشخاص عند حافة النهر.

(الحديدي) لم يكتف بذلك بل قال: "لقت تلقيت انا وإبني (ريان) تهديدا من (حسين داود سليمان) القيادي في ميليشيات العصائب والمعروف باسم (أبو علي الشبكي) من اجل ترك المشروع" .. مشيرا الى انه ترك الموصل منذ أكثر من شهر، وان إبنه (ريان) غادرها ايضا قبل عشرة ايام من غرق العبارة.

وازاء ما تقدم، سيبقى التساؤل الذي يطرح نفسه اثر فاجعة عبارة الموصل وبعد كل الكوارث التي شهدها العراق الجريح بصورة عامة ومدينة الموصل على وجه الخصوص والتي ذهب ضحيتها المئات من المواطنين الابرياء بين قتيل وجريح، هو: الى متى يستمر نزيف الدم العراقي بسبب إهمال المسؤولين في الحكومات المتعاقبة وآفة الفساد المستشرية في هذا البلد منذ ابتلائه بالاحتلال الغاشم وحتى يومنا هذا؟.

وكالات + الهيئة نت

ب